التنمية تمثل واجبا دينيا فيقدم البحث عليها دليلا عاما، وعددا من الأدلة الجزئية. يتمثل الدليل العام في دراسة مفهوم الإيمان، ومكوناته وتحديد العلاقة بين هذه المكونات، على نحو يرسخ حقيقة أن العمل جزء من الإيمان، ويوضح أن الأعمال المأمور بها في السنة المطهرة تنقسم إلى ثلاثة أقسام، أعمال عبادية، وأعمال أخلاقية، وأعمال إعمارية تنموية.
والمقصود بالأعمال الإعمارية كل ما يتصل بسعي الإنسان على معاشه، وسعيه من أجل حياة أفضل ومن أجل إصلاح الأرض ومنع إفسادها، وإذا كان العمل جزءا من الإيمان، وكان الإعمار جزءا من العمل فإن الإعمار يكون جزءا من الإيمان، وأما الأدلة الخاصة فأهمها أربعة أدلة:
1 ـ أن الحديث الشريف يأمر على نحو مباشر بالكثير من الأعمال الإعمارية،وقد قدم البحث أمثلة كثيرة لها، وشرح دورها في التنمية، كما يحفل بنصوص كثيرة تنهى عن كل مظاهر تغيير الواقع إلى الأسوأ مهما كان هذا التغيير يسيرا.
2 ـ إن التنمية لازمة للكثير من الفرائض: من حيث إن القدرة والاستطاعة والقوة شروط لتنفيذ الكثير من العبادات كالحج والزكاة والصدقة، والجهاد... ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف).
3 ـ إن الدعوة إلى الإسلام تستلزم التنمية:
فالإسلام دين دعوي يأمر أصحابه بدعوة الناس إليه، قال صلى الله عليه وسلم:(بعثت إلى الأحمر والأسود)، وتتطلب هذه الوظيفة الإبلاغية أمورًا كثيرة تُعَدُّ واجبة من باب ما لا يتم الواجب إلا به. ومن هذه المتطلبات أمران كلاهما يستوجب التنمية: الأول: أن الدعوة تتطلب تقديم القدوة والنموذج، وإلا كان المسلمون منفرين من الإسلام، حيث لا يفرق الناس عادة بين الإنسان وما يدين به.
والثاني: أن الدعوة تتطلب ألا يكون المدعو مضطرّا إلى مخالفتها،بأي وجه كان من أوجه الاضطرار، وإلا فإنه سيكون مجبرا على أن لا يستجيب، ويتطلب هذا أن يكون المسلمون قادرين على تقديم المساعدة لكل من كان محتاجا إليها من الناس، وإلا كان مضطرا إلى من قد يفرض عليه رفض الإسلام بل يفرض عليه حربه.
4 ـ إن الحديث النبوي الشريف يجعل التنمية لازمة للإيمان من حيث إنه يؤكد دورها في حمايته واستمراره، كما يوضح أن عدم التنمية يؤثر سلبا فيه تأثيرا هائلا.
ومن ثم لا تصبح التنمية واجبا دينيا فحسب، بل تصبح في بعض الحالات من أوجب الواجبات، إذ يكون المؤمن بدونها عرضة لأن يفتن في دينه.والمتتبع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم يلحظ إصرارا كبيرا على التخفيف عن المسلمين خوفًا من عدم قدرتهم على التحمل، ومن هنا قال عليه السلام: (إن خير دينكم أيسره) وروى عنه أنه (ما عرض عليه أمران أحدهما أيسر من الآخر إلا أخذ بأيسرهما، إلا أن يكون إثما) وكان يأمر الصحابة بألا يتحملوا من العمل إلا ما يطيقون.
وهناك تصرفات كثيرة جدا في السنة المطهرة ذكرها البحث تؤكد أن الظروف المادية الضاغطة من شأنها أن تذل الإنسان وتجعله في حالة تضر بإيمانه، وقد صرح بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، (قال: لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، قالوا وكيف يذل نفسه؟ قال يتعرض من البلاء لما لا يطيق)، ويعني هذا أن على المسلم أن يسعى لأن يكون مطيقا لكل ما هو مفروض عليه،وهذا أمر يستوجب التنمية الشاملة.
وأوضح من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ربط بين الكفر والفقر، إذ كثيرا ما كان يستعيذ منهما معا، كما كان يستعيذ من الكفر والدين، جاء في مسند أبى سعيد أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: (أعوذ بالله من الكفر والدين، فقال رجل يا رسول الله أيعدل الدين بالكفر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم)، وتفسير ذلك جاء في حديث آخر يربط بين الدين وبعض أخلاقيات النفاق حيث قال صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف).
وما ينطبق على الأفراد ينطبق على الأمم، وقد أكد البحث أن وجود الأمة في حالة ضعف وقلة وذلة يمثل فتنة لها عن دينها ؛ إذ إن هذه الحالة تؤدى إلى فقدان حالة التوازن النفسي، بسبب كثرة الهزائم على المستويات المادية والثقافية، ومن شأن فقدان حالة التوازن النفسي أن تشكك الإنسان في ثوابته. كما تؤدي إلى انتشار الفقر المدقع الذي رأينا الحديث الشريف يربط بينه وبين الكفر. وحالة الفقر المدقع تمثل دائما مرتعا خصبا لفتنة الناس عن دينهم، ومصدرا للاضطراب السياسي والمشاحنات التي تصاحب غالبا حالات الفقر العام.
وأما الفكرة الثانية وهي أن الالتزام بما في الحديث الشريف من أوامر ينتج بالضرورة إعمارا دائما وتنمية مستمرة فتعود إلى أن الالتزام بما جاء في الحديث الشريف من أوامر يحقق مجموعة الشروط الضرورية التي لا تحدث التنمية إلا بها، والتي يؤدي توفرها بشكل تلقائي إلى إعمار وتنمية مستمرة، وتنتظم هذه الشروط في أربع مجموعات هي: مجموعة الشروط الإدارية للتنمية، ومجموعة الشروط النفسية، ومجموعة الشروط الأخلاقية، ومجموعة الشروط القانونية أو التشريعية لها.
1ـ فمن الناحية الإدارية يؤكد الحديث النبوي الشريف ـ على سبيل المثال ـ أهمية اختيار العمال: قال صلى الله عليه وسلم: (من وَلِيَ من أمر المسلمين شيئًا فولَّى رجلا، وهو يجد من هو أصلح للمؤمنين منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين)، والأصلح هو الأكفأ لا الأكثر ورعا، ولذلك لما سئل إمام المُحَدِّثين أحمد بن حنبل رضي الله عنه «عن رجلين أحدهما أنكى في العدو مع شربه الخمر، والآخر أدين [أي أكثر دينًا] قال يغزى مع الأنكى في العدو ؛ لأنه أنفع للمسلمين».
وقد جاء في تاريخ الطبري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنما طلب للأعمال أهل الجزاء عن المسلمين والغَنَاء، ولم يطلب لها أهل الاجتهاد»، [يقصد الاجتهاد في العبادة].وقد عرف عن سنته صلى الله عليه وسلم كما ذكر ابن القيم أنها تولية الأنفع للمسلمين، وإن كان غيره أفضل منه في الدين والورع والتقوى.
ولكي يتم اختيار الأفضل لا بد من تحقيق أمرين يأمر بهما الحديث الشريف: الأول هو تكافؤ الفرص وعدم المحاباة والمجاملة، ولذلك جاء في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ وَلِيَ من أمْر المسلمين شيئًا فأمّر عليهم محاباة فعليه لعنة الله) والأمر الثاني هو توسيع دائرة الاختيار عن طريق توسيع دائرة المهتمين بالأمور العامة والمشاركين فيها،والحديث النبوي يدعو الجميع إلى ذلك (فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) كما يأمر بالتناصح والتشاور والمشاركة.
2ـ وهكذا الحال مع الشروط النفسية للتنمية فالحديث الشريف يمثل أكبر دعم للأمل حيث تنتشر به المبشرات، والأمل أساسي للعمل والتقدم، فالعمران كما يصرح ابن خلدون «إنما هو عن جدة الأمل وما يحدث عنه من النشاط» كذلك يدعم الحديث الشريف مشاعر الدافعية للإنجاز دعما هائلا، سواء بشكل مباشر عن طريق التبشير بالجزاء الكبير يوم القيامة على كل عمل فيه خير للناس، أو بشكل غير مباشر عن طريق مقاومة كل الحيل النفسية التي يتهرب الإنسان بها من العمل.
وقد أنتجت محاولات الهروب من العمل أفكارا كثيرة، تتمثل بشكل أساس في أربع أفكار هي: جعل العمل شكلا وطقوسا خارجية، أو جعله نسبا وارتباطا بالصالحين، أو جعله قولا، أو جعله أمنيات ودعوات، وقد ذكر البحث أمثلة كثيرة للأحاديث التي تقاوم هذه الأفكار مع التركيز على الأحاديث التي تقاوم أن تحل الأماني محل العمل.
حيث يؤكد الحديث الشريف أن ترك الأخذ بالأسباب ليس مجرد مخالفة لما هو أولى، وإنما هو ذنب يستحق صاحبه العقاب، وتؤكد هذا المعنى أحاديث كثيرة جدًّا ذكرها البحث، منها أنه صلى الله عليه وسلم سار ذات مرة ليلا، وأمر أصحابه ألا يسير معه بالليل من كانت ناقته صعبة أو ضعيفة، فسار رجل على ناقة صعبة (فاندلقت فخذه فمات، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه، ثم أمر مناديا ينادى في الناس: إن الجنة لا تحل لعاص) فجعل إهمال الأسباب معصية.
وكون ترك الأخذ بالأسباب ذنبا أمر يتسق تمام الاتساق مع فلسفة الإسلام وخصوصية هذه الأمة التي تغير معها نمط المعجزات السابقة التي كانت تقاد بها الأمم السابقة فتهلك إذا كذبتها، بينما رُحِمَتْ هذه الأمة من هذا النمط من المعجزات التي تخرق نواميس الطبيعة ويعذب من يكذب بها، في مقابل أن يمد لها باب التوبة والمغفرة، وهذا ما صرح به ابن عباس رضي الله عنه: (قال قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم ادع لنا ربك يصبح لنا الصفا ذهبة، فإن أصبحت ذهبة اتبعناك، وعرفنا أن ما قلت كما قلت، فسأل ربه عز وجل، فأتاه جبريل فقال إن شئت أصبحت لهم هذه الصفا ذهبة، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحنا لهم أبواب التوبة، قال يا رب بل افتح لهم أبواب التوبة).
والمسلم الذي يدعو أن تخرق من أجله نواميس الطبيعة فيغتني وهو قاعد في بيته، أو ينتصر دون أن يعد للانتصار عدته، طالب لهذا النمط من المعجزات، وهو من المعتدين في الدعاء الذين أشار لهم الحديث الشريف. وتؤكد سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يهتم بأدق التفاصيل، ويبذل قصارى جهده الخططي والتنفيذي، مع الإيمان الكامل بأن التوفيق إنما هو من عند الله وحده.
3ـ وفيما يتصل بالشروط الأخلاقية للتنمية فثمة علاقة عضوية بين الأخلاق والتنمية على نحو يبرر أن نتحدث عن أخلاقيات التنمية، أو عن الدور الاقتصادي للأخلاق، ويتمثل هذا الدور الاقتصادي للأخلاق في أمرين: الأول أن للأخلاق مردودا اقتصاديا قد يكون مباشرا أو غير مباشر، والثاني أن هناك بعض الأخلاقيات الأساسية يستحيل الاستثمار بدونها، إذ لا تنمية ولا استثمار مع انتشار الرشوة والغش وشهادة الزور التي تضيع معها الحقوق،ولا يأمن معها أحد على نفسه أو ماله، فتهرب الأموال أو تكتنز.
إن المردود الاقتصادي للأخلاق تحققه مجموعة من الأخلاقيات التي تؤثر في الأوضاع الاقتصادية تأثيرا كبيرا مثل خلق إتقان العمل، الذي يؤدي إلى جودة المنتجات، والحديث النبوي يجعل من تحقيق جودة المنتجات أمرا حتميا، وإلا لما استطاع منتجها بيعها، حيث ينهى عن الغش نهيا قاطعا.
كما ينهى عن الخداع وترويج السلعة بالكذب، ويلزم البائع إذا علم في السلعة عيبا أن يبينه، بل يلزم كل من يعلم في السلعة المباعة عيبا أن يبينه للمشتري، ويعطى المشترى الذي خدع في مواصفات السلعة الحق في إعادتها.
وفي إطار هذه الأخلاقيات لا مفر أمام من يريد تسويق سلعته إلا أن يجودها، لاسيما أن هذه الأخلاقيات تحصل في الحديث الشريف على درجة كبيرة من الأهمية لا يستطيع معها مؤمن صادق أن يتجاوزها. ويعني تجويد السلعة تحسين قدرتها التنافسية، وإذا كان إتقان العمل يجود السلعة فتروج فإن غشها يعيبها فتبور، وأخطر من ذلك ما قد ينتج عن الغش من كوارث قد تكون ذات آثار اقتصادية مدمرة. ومن هنا يحرمه الحديث الشريف تحريما كبيرا.
كذلك فإن النهي الشديد عن الترف والتباهي بالتملك يعني بالضرورة زيادة معدلات الادخار؛ حيث لن تتحول أرباح النشاط الاستثماري إلى الاستهلاك المظهري، فإذا أضفنا إلى ذلك تحريم الكنز واحتكار الأموال وحبسها عن المجتمع ـ عرفنا كيف يقدم الحديث الشريف حلا لمعضلة الرأسمالية المتمثلة في الحاجة إلى إعادة تدوير الأرباح للحفاظ على نسبة النمو وعلى مستويات التشغيل، وهى المشكلة التي حاولت الأنظمة الاشتراكية حلها على نحو شديد العنف بمنع الملكية الخاصة وبالاستثمار عن طريق الدولة، فأفقدت الاستثمارات عناصر المبادرة والدافعية والإبداع.
وكما يحرم الحديث الشريف الترف فإنه يرفض الشح والتقتير، لأن الله يحب إذا أنعم على عبد بنعمة أن يرى آثارها عليه كما جاء في الحديث الشريف، مما يعني تشجيعا على الاستهلاك يساعد على تنشيط عجلة الإنتاج، وتستطيع الأخلاق كذلك أن تجنب المناخ الاقتصادي.
كمّا كبيرا من المعارك الاقتصادية الظالمة التي تشعلها الأنانية والأثرة والرغبة في الاستئثار بالأسواق مما يؤدي إلى إغلاق أعداد كبيرة من المؤسسات الإنتاجية غير القادرة على تحمل الإغراق أو الاحتكار أو كل وسائل المنافسة غير الشريفة، وهكذا نجد عند التحليل الاقتصادي العميق أن لبقية الأخلاق التي يأمر بها الحديث الشريف أهمية اقتصادية كبيرة، كما ورد بالبحث.
4ـ أما فيما يتصل بالشروط التشريعية فإن الاقتصاديين يتفقون جميعا على أن للإطار القانوني الذي ينظم الاقتصاد دورا حاسما في نجاح عملية التنمية، ويتفقون على أنه دون كفاءة هذا الإطار القانوني يستحيل نجاح عملية النمو ودوامها، وقد بين البحث أهمية المبادئ التي يقدمها الحديث النبوي الشريف في هذا السياق، مثل تحريم الاحتكار، وتشريع الوقف الذي يمثل دعما هائلا للعمل الأهلي والتطوعي، وتشريع الوصية الذي يدعم في التطبيق العملي نظام الوقف دعما كبيرا.
ومثل تقديم مفهوم للملكية يؤكد حرية الإنسان في إدارة أمواله في إطار يصون حقوق المجتمع ومصالحه، ومثل التشديد على تحريم الربا، وتحريم الربا ـ في التحليل الاقتصادي ـ يعد مع تحريم كنز الأموال ـ من أهم وسائل التشجيع على الاستثمار، وذلك أنه يضيف بعدًّا مهمًّا هو بعد الشجاعة في الاستثمار.
وبتأكيد دور مبادئ الحديث النبوي الشريف وأوامره في تحقيق هذه الشروط الإدارية والنفسية والأخلاقية والقانونية اللازمة للتنمية نستطيع تأكيد أن الالتزام بما في السنة المطهرة من قيم ومبادئ يؤدي حتما إلى العمران والتنمية.
د. حسام قاسم ــ كلية الآداب ـ جامعة القاهرة
