قال الشيخ: ما رأى الإنسان عبودية أشبه بالملك، ورقاً أشبه بالسيادة، وذلاً أشبه بالعز، وجوعاً أشبه بالشبع، وتعباً أشبه بالراحة، وبيعاً أشبه بالشراء، وموتاً أشبه بالحياة، وعطاءً أشبه بالأخذ، من عبودية ورق وذل وجوع وتعب وبيع وموت وعطاء المؤمن مع ربه.
والفرق بين المؤمن وغير المؤمن أن هذا الأخير لا يفهم هذه المعادلة أو لا يريد أن يفهمها مع أن أحداث الماضي والحاضر تصرخ بهذه الحقيقة حتى تكاد تسمع الصم، فما تاجر الإنسان مع غير ربه إلا ومني بالخسارة والذل، وما قصد الحرية والعز في سبيل غير سبيل الله إلا وآل إلى العبودية والرق، وما طمع في عطاء غير عطاء الله إلا وعاد بالخزي والخيبة، وما طلب الحياة والخلود فيها إلا ووجد نفسه فريسة بين فكي الموت.
ذلك أن العبودية والرق والذل إن رضي الإنسان بها لغير الله ثمناً للذَّات مؤقتة أحاطت به ولم تترك له منفذاً، أما إن أسلم نفسه لله متعبداً ومتذللاً لم يستطع عتاة الأرض أو أهواء الدنيا أن تسترقه فيكون بحريته وكرامته وشموخه أكبر من نفسه والآخرين.
والجوع جوعان: جوع فقر وفاقة، وجوع غنى وتخمة، وجوع الفقر دواؤه الصبر وثوابه الجنة، أما جوع الغنى والتخمة فهو جوع الحاجة التي لا داء لها وجوع السأم والزهد بالطيبات الذي لا إشباع له. وكم رأينا في حياتنا رجالاً تمد أمامهم الموائد العامرة فلا تحرك عندهم شهوة أو رغبة، فإن أكلوا لم يشعروا بلذة طعام أو بفرحة بعد صيام.
والمؤمن مع اكتفائه بالقليل يتقرب إلى الله بالصيام في رمضان وغيره، فيجوع ويشعر بجوع الآخرين، ثم يفطر فيفرح مع المفطرين، ويشعر أن الملائكة تفطر معه وتستغفر له لاسيما إن شارك آخرين بفطرهِ فشعر بأنه سبب لذهاب الظمأ وارتواء العروق واكتفاء الأجواف.
التعب والكدح من طبائع الحياة فنحن لم نخلق لراحة أو دعة، ومنا من يكدح لدنيا ترهقهُ حتى تكاد تأخذ بأنفاسه فإن لجأ إلى الراحة والنوم نام كالبعير، ومنا من يكدح لدنيا تكفيه ولآخرة تغنيه فيقويه الأمل فيما في يد الله، فإذا هجم الليل لم يلجأ إلى النوم قبل أن يقف بين يدي الله تعالى ناسياً همه وألمه (فإذا فرغْتَ فانصب، وإلى ربك فارغب).
كل من يشتري منك في الحياة سلعة أو خدمة أو جهداً لا يشتريه إلا لظنه وتقديره بأنه يفوق في قيمته ما دفع من ثمن، إلا الله الذي يشتري منك وهو يعلم وأنت تعلم أن ما يدفعه لك من ثمن يفوق ما بعته من نفسك.
والحياة عند الناس شروع بالموت وإقبال عليه، في حين أن الموت عند المؤمن شروع في الحياة والوجود وإقبال على الخلود، وكل من يعطيك في الدنيا ينتظر أن يأخذ منك، إلا الله الذي يعطيك ويعطيك لتربح عليه في الدنيا والآخرة، فإن أخذ منك أعطاك بعد أخذهِ بأن أخذ من الآخرين وأعطاك، وأعطاك من أخذه من خزائنه التي لا تنتهي ولا تحد.
فاختر بين أن تكون ملكاً من ملوك الزمان برضاك وتقديرك لما أنت فيه وبأنك لم ترق نفسك لغير الله فكنت وتكون حراً من كل قيد، وأن تكون عبداً من عبيد هذا الزمان بطمعك وهواك وبيعك نفسك لمن يدغدغ حواسك أو يشبع حاجة عندك فيحصل منك على أكبر ما تحصل منه.
إن هذه الحياة كالمومس أو بائعة الهوى، لا تعطيك من اللذة إلا بقدر ما تشبع طمعها ويشعرها بأنها ربحت عليك، فإن خننتَ عليها بقليل عاملتك باحتقارٍ وإذلال ومنعت عنك ما تطمع إليه وكل همها أن تقضي حاجتك بأرخص الوسائل وأسرعها ثم تلقي بك على قارعة الطريق يجللك الخزي والعار ويؤلمك بخلها والافتقار.
يقول شاعرنا (مأمون شقفة):
كلما صليت أكثر.... صرت أكبر... وإذا بالأرض أصغر
كلما صمت رأيت الناس أفقر
وتصدقت إذا بالمال أوفر.. وهو أزكى وهو أطهر.
ماهر سقا أميني