خلق الله الإنسان من ذكر وأنثى، ومن سنته سبحانه وتعالى في خلقه أن جعل أحدهما لا يستغني عن الآخر فلم يترك الجنس منفصلاً عن الآخر، بل جعل الجنسين يقتربان من بعضهما، فيصبحان كالجسد الواحد، وجعل بينهما المودة والتعاطف والتراحم.
يقول تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون).
ويقول تعالى: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) وفي لباس قولان : أحدهما : أن اللباس السكن، ومثلها (جعل لكم الليل لباساً) أي سكناً وهذا قول ابن عباس وابن جبير ومجاهد.
والإسلام يأمر بالزواج ويرغب فيه ويحذر من شر العزوبة، يقول عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء».
فعلى الرجل أن يختار لنفسه شريكة لحياته وعلى المرأة أن تختار لنفسها شريكا لحياتها كذلك، وليس لأحد كائناً من كان أن يجبر أحد الشريكين على شريك لا يريده ولا يرضاه فإن الإجبار غالباً ما يأتي بالخسران، وخيبة الأمل، وعدم الوفاق بين الطرفين، وتكون النتيجة سيئة.
وغالباً ما تكون ضحية الإجبار ـ في بعض البيئات ـ الفتاة لغرض يرجع لأولياء الأمور، إما رغبة منهم في المال، وإما رغبة منهم في الجاه أو غير ذلك، وليس ذلك من الإسلام في شيء فقد جاءت امرأة إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فذكرت أن أباها زوجها وهى كارهة فخيرها بين البقاء مع زوجها أو مفارقته، فاختارت البقاء، وقالت: «إنما عملت ذلك لأعلم النساء: أن ليس للآباء من الأمر شيء».
ولكن إذا أساءت الاختيار، فإن الأمر أن يقف في طريقها، ولا يلبي طلبها، لأن ذلك مضرة لها، ولأن الفتاة غالباً لا تعرف الصالح من الطالح، ولا تعرف أين مصلحتها، وخاصة إذا كانت صغيرة السن، فتنقاد وراء العاطفة، والحب المؤقت دون التفكير فيما سيترتب على ذلك من نتائج سيئة.
فعلى أهل الفتاة أن يختاروا لابنتهم صاحب الدين لأنه يراقب الله ويخافه فلا يظلمها ولا يسيء إليها ويعلم أنه مؤاخذ على ذلك.
خطب رجل من الموالي إلى رجل من قريش أخته، وأعطاها مالا جزيلاً، فأبي القرشي تزويجها إياه، فلما بلغ ذلك عمر، قال للقرشي: ما منعك أن تزوجها؟ فإن له صلاحاً وقد أحسن عطية أختك. فقال القرشي : يا أمير المؤمنين إن لنا حسباً، وإنه ليس بكفء فقال عمر : لقد جاءك بحسب الدنيا والآخرة، أما حسب الدنيا فالمال، وأما حسب الآخرة فالتقوى، زوج الرجل إن كانت المرأة راضية، فراجعها أخوها فرضيت، فزوجها منه وينبغي الاعتدال في المهر، وعدم المغالاة فيه، لأن ذلك أقرب للمودة، ودوام المحبة والألفة، فقد زوج ـ عليه الصلاة السلام ـ امرأة لرجل. وقال له: «التمس ولو خاتماً من حديد» ثم زوجه بما معه من القرآن.
وعلى الرجل أيضاً أن يختار لنفسه الفتاة المناسبة، وقد أرشد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ المسلم بأن يختار لنفسه الزوجة الصالحة، ووضح له كيفية الاختيار. فقال: «تنكح المرأة لأربع : لمالها، ولحسبها ولجمالها، ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك».
فبين - عليه الصلاة والسلام - أن المرأة تنكح لهذه الخصال الأربع، ولكن الخصلة الرابعة، وهي التي ينشدها الدين الإسلامي، لأن صاحبة الدين سوف يردعها دينها، وخوفها من الله عن كثير من الأشياء التي يخاف منها الزوج في حضوره وغيابه.
فالمرأة المتدينة تراقب الله في حركاتها وسكناتها وتعلم ما أوجبه الله عليها نحو زوجها.
أما تلك العارية من الدين، فإنها خطرة على الزوج في حضوره وغيابه، خاصة إذا كانت صاحبة جاه أو مال أو جمال، فإنها سترى نفسها على زوجها، وتعتز لمالها، أو حسبها أو جمالها، وذلك لعدم الرادع الديني، والخوف الإلهي.
فإذا جمع الله للمرأة الخصال الأربع، فإنها أكبر نعمة على الرجل.
وقد جاء في الحديث: «خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك».
وهذه هي المرأة التي عناها الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ بقوله: «الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة».
رجاء علي