فيما يشبه رفع الغطاء السياسي سرب البيت الأبيض أمس تقريراً يفيد أن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي من المستبعد أن يحقق الأهداف التي حددها الرئيس الأميركي جورج بوش في استراتيجيته العراقية.
وفي بغداد تلقى المالكي طعنة داخلية من حليفه التيار الصدري الذي رأى أن حكومته «باتت منتهية» عراقياً وأميركياً بالتزامن مع اتهام من نائب الرئيس طارق الهاشمي للمالكي بالتقصير في حماية المواطن. في الوقت نفسه يواجه فيه بوش أسبوعا صعبا آخر في الصراع مع الكونغرس حيث يسعى الديمقراطيون الى تقليص سلطاته الرئاسية في الحرب، وتعتزم الرئيسة الديمقراطية لمجلس النواب نانسي بيلوسي التقدم بمشروع قانون يسمح بالانسحاب التدريجي من العراق في غضون اربعة اشهر. وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال آلة العنف تحصد أرواح العراقيين، حيث أسفرت التفجيرات المتنقلة أمس عن مقتل ما لا يقل عن 40 شخصا في أربعة تفجيرات دموية في بغداد والفلوجة.
وكشفت مصادر في البيت الأبيض أنه «من المستبعد أن تستطيع حكومة نوري المالكي تحقيق الأهداف التي حددها بوش في يناير الماضي حين أعلن عن خطة أمن بغداد»، مشيرة إلى أن «حتى بعضها بات غير ذي تأثير». ونقلت صحيفة «الواشنطن بوست» عن مسؤولين في البيت الأبيض، لم تكشف عن أسمائهم، قولهم إن «هذه المنجزات (انقلاب قبائل الأنبار السنية ضد القاعدة) بعيدة عن أن تكون الأهداف التي حددها بوش حين أعلن أنه سيرسل آلاف الجنود الإضافيين إلى العراق». وقال أحد هؤلاء «هناك بعض الأمور التي لم نكن قادرين على التنبؤ بالمجرى الذي ستتخذه»، مشيراً إلى أن «الأهداف التي كان حددها بوش ليست غير قابلة لأن تتحقق خلال وقت قصير فقط، ولكن غير ذات تأثير على تغيير الظروف السائدة في العراق».
وأوردت الصحيفة أن «هؤلاء المسؤولين يحضرون لوضع تقرير يشير إلى أن زعماء القبائل السنية في محافظة الأنبار ينقلبون ضد القاعدة». وأضافت أن «مسؤولي الإدارة الأميركية هؤلاء يسعون بسرعة لإيجاد دليل على التقدم في العراق من أجل إقناع الكونغرس بمواصلة دعم الحرب». على الجبهة العراقية، يواجه رئيس الوزراء العراقي حملة للإطاحة به، فقد وجه نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي انتقادات لاذعة للحكومة العراقية واتهمها بالتقصير والعجز عن بسط الأمن وحماية المواطنين العراقيين .
حيث قال إن التفجير الذي وقع في منطقة طوزخورماتو جنوب كركوك أول من أمس كشف عجز الحكومة والقوات الأمنية في حماية المواطن مطالبا الحكومة بفسح المجال أمام المواطنين لحماية أنفسهم. وطالب الحكومة بإجراء تحقيق عاجل تسلط فيه الضوء على حقيقة ما جرى وتحديد العناصر الإجرامية التي كانت وراء هذه الفواجع،.داعيا الحكومة الى تعويض المتضررين. وازدادت حدة المواجهة بين المالكي والتيار الصدري، فبعد يوم من مهاجمته الكتلة واتهامها بضم بعثيين، خرج التيار الصدري امس عن صمته بتأكيد على أن تصريحات المالكي بمثابة «ضوء اخضر لضرب» التيار.
وقال احمد الشيباني، احد كبار مساعدي الزعيم الشيعي مقتدى الصدر ان «حكومة المالكي منتهية وستشهد الايام القليلة المقبلة ذلك فهي انتهت بالنسبة لنا كما هي منتهية بالنسبة للاحتلال فقد علمنا من مصادرنا الخاصة ان قوات الاحتلال ابلغت المالكي بذلك». وأضاف خلال مؤتمر صحافي «أراد المالكي أن يطيل عمر هذه الحكومة التي جاء على رأسها بناء على دعم وإصرار التيار الصدري، متسائلا «هل يعقل ان يكون البعثيون والصداميون أوصلوا المالكي إلى سدة الحكم؟ وهل يعقل أن يضرب المالكي التيار الصدري حتى يسترضي قوات الاحتلال؟». وبعد فترة استراحة بسبب حلول العيد الوطني في الرابع من يوليو الجاري يعتزم الديمقراطيون استئناف حملتهم بشأن العراق ضد الرئيس بوش إضافة إلى قضيتين داخليتين هما: برنامج التنصت لمكافحة الإرهاب من دون إذن قضائي وإقالة مثيرة للجدل لمدعين عامين.
وتعتزم الرئيسة الديمقراطية لمجلس النواب نانسي بيلوسي التقدم قريبا بمشروع قانون يسمح بالانسحاب التدريجي في غضون أربعة أشهر. وتنتظر انضمام جبهة الجمهوريين المعارضين لسياسة بوش إلى هذا المشروع بما يضمن الضغط على البيت الأبيض لتمرير المشروع. وبحسب مصادر برلمانية فإن السيناتور هيلاري كلينتون والسيناتور روبرت بيرد يريدان تقليص صلاحيات الرئيس بشكل جوهري في مجال الحرب من خلال اقتراح تعديلات على قانون بهذا الصدد تم اعتماده قبل خمس سنوات. ولدى الديمقراطيين 49 عضوا من 100 في مجلس الشيوخ ويمكنهم بشكل عام الاعتماد على تصويت نائبين مستقلين. غير أن النجاح في مواجهة الرئيس يتطلب 60 صوتاً وهو العدد الذي لم يتمكن الديمقراطيون حتى الآن من ضمانه.
ووسط تزايد ملامح فشل الاستراتيجية الأميركية في العراق، قدم أكاديميان أميركيان هما: مايكل أوهانلون وإدوارد جوزيف من معهد بروكينغز في كتاب «حالة التقسيم السلس في العراق» خطة بديلة هدفها إعادة الاستقرار للبلد الذي تمزقه الحرب، حيث دعوا إلى تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات مستقلة. وما يقترحه الأكاديميان حقيقة هو بناء اثنين أو أكثر من المناطق المتمتعة بالحكم الذاتي، بالتوازي مع منطقة الحكم الذاتي الكردية في الجزء الشمالي من البلاد، واحدة للمسلمين السنة والثانية للشيعة. وبعبارات أخرى، فإن العراق سيصبح فيدرالية أو كونفيدرالية يحكم بشكل غير محكم من بغداد، حيث تتولى السلطة المركزية فقط مراقبة مسائل مثل الدفاع الوطني والمشاركة العادلة لعائدات النفط بين المناطق الثلاث تاركة للحكومات المحلية إدارة باقي المسائل.
على صعيد متصل، أعلن الناطق باسم البيت الأبيض أن قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال ديفيد بترايوس، والسفير الأميركي لدى بغداد رايان كروكر سيقدمان للرئيس بوش اليوم الاثنين تقريرا «معياريا» عن الوضع في العراق، وتقييما لما حققته إستراتيجية زيادة القوات حتى الآن، وهي التي بدأ تنفيذها في منتصف فبراير الماضي. وأكد الناطق أن التقرير الذي سيقدمانه للرئيس، لايعني بديلا عن التقرير المنتظر أن يقدمه الجنرال بترايوس للكونغرس في سبتمبر المقبل.
في غضون ذلك، أعلن الرئيس جلال طالباني عن إنهاء وزراء جبهة التوافق السنية الستة مقاطعتهم لجلسات الحكومة، مشيرا إلى أن الجهود تتواصل لضم الحزب الإسلامي السني إلى «جبهة المعتدلين»الرباعية وإطلاق سراح معتقلين. وكانت الكتلة قاطعت الحكومة على خلفية إصدار مذكرة اعتقال بحق وزير الثقافة اسعد الهاشمي بعد اتهامه بالتورط بقتل اثنين من أبناء النائب مثال الالوسي قبل نحو عامين.