لم يتخيل أحد مدى الحب الذي كان يربط بين قلبي (م) و(ص) فقد كانا زميلي كلية واحدة واستمرت العلاقة بينهما طوال سنين الدراسة، كان الكل يحسدهما على ذلك وكان الكل يعرف أنهما سيتزوجان بعد انتهاء السنة الرابعة حيث اتفقا على أن تكون حفلة التخرج وحفلة الزواج حفلة واحدة، وهكذا عرف الوسط الجامعي في كلية الإعلام هذا الثنائي المخلص بعد التخرج.

بعد التخرج ببضعة أيام تقدم (ص) وطلب يد (م) ولم تطل الخطبة كثيراً حيث تزوجا حتى قبل أن يجد عملاً، وهكذا تكللت قصة الحب بزواج حضره معظم زملائهم في كلية الإعلام.

بعد انقضاء شهر العسل بدأ (م) و(ص) يبحثان عن عمل وأخيراً وبعد ستة أشهر وجدت (م) وظيفة محررة في إحدى الصحف في حين وجد (ص) وظيفة مندوب علاقات عامة في أحد الفنادق، ورغم عدم قناعة (ص) بهذه الوظيفة إلا أنه قبل بها لأنه أصبح مديوناً للبنك كما بدأ يقترض من الأصدقاء ليغطي التزاماته والتزامات زوجته، أحس الاثنان أن ظروفهما بدأت تتحسن خاصة وأن الفندق الذي كان يعمل فيه (ص) هو فندق خمس نجوم حيث وفر له ذلك زيادة في الدخل من بعض العمولات ومن ذلك الوفود السياحية التي كانت تأتي للفندق حتى أنه قرر أن يبقى في وظيفته ولا يبحث عن وظيفة أخرى في مجال تخصصه في الإعلام، ورغم أن ظروف عمل الزوجين كانت في كثير من الأحيان تباعدهما إلا أنهما كانا على اتصال عبر الهاتف وكان كل واحد منهما يحكي للآخر ظروفه في العمل وكأنه يعيش معه.

في أحد الأيام قررت (م) أن تذهب مع أمها لزيارة خالتها التي تعيش في دولة خليجية. كانت خالة (م) التي تعيش في الدولة الخليجية تمتلك محلاً للنوفيتيه (بوتيك) وكان هذا المحل لا يتردد عليه إلا علية القوم، فقد كتب على بابه بالخط العريض (VIPU's) وهذا يعني أن الموظفين متوسطي الدخل لا يستطيعون الدخول إليه، وقد أتاح امتلاك خالة (م) للبوتيك لها الفرصة لأن تتعرف على سيدات المجتمع وعلى زوجات عدد من الدبلوماسيين والشخصيات المهمة في البلد، لذا عندما جاءت (م) إلى زيارة خالتها ولاحظت مدى الرفاهية التي تعيش فيها، طلبت منها أن تجد لها عملاً في إحدى الصحف، رحبت الخالة بالفكرة خاصة وأنه ليس للخالة أولاد فرأت أن وجود (م) معها سيساعدها كثيراً على تجاوز محنتها التي ظهرت في حياتها بعد انفصالها عن زوجها.

مذيعة لامعة

بدأت خالة (م) تتصل بالشخصيات التي تعرفها من أجل إيجاد وظيفة لـ (م) لكن البحث أنصب على إيجاد وظيفة مذيعة تلفزيونية وليس محررة في إحدى الصحف، وخلال مدة لا تزيد على أسبوع كانت (م) تجلس أمام الكاميرا لتقدم مواجيز الأخبار وبعد نحو ستة أشهر كانت تقدم نشرات الأخبار رغم عدم حضورها أمام الكاميرا ورغم الأخطاء اللغوية التي كانت تقع فيها إلا أن جمالها وواسطة خالتها كانا يغفران لها كل شيء.

لم تمض سنتان على وجود (م) في التلفزيون حتى أصبحت نجمة لامعة ومما زادها نجومية بوتيك خالتها حيث كانت تأخذ منه آخر الموديلات في عالم الأزياء.

في هذه الأثناء بدأت (م) تبحث عن وظيفة لزوجها وأخيراً تمكنت من إحضاره بتأشيرة زيارة، بعد وصوله بفترة قصيرة وجد (ص) وظيفة مندوب علاقات عامة في أحد الفنادق وبدأ يرتب ظروفه بحيث يستقل هو وزوجته عن خالة (م) إلا أن هذا الوضع لم يعجب خالة (م) حيث طلبت من (ص) أن يسكن معها في نفس الفيلا ونتيجة لرغبة (م) وافق (ص) على ذلك خاصة وان خالة (م) قالت له بأنها لن تأخذ منه أجرة السكن أو الطعام وأنه سيعيش معززاً مكرماً ويوفر مرتبه كاملاً، أعجب (ص) بالفكرة خاصة وأنها لاقت استحسانا من زوجته.

بدأت الأيام تمر هادئة في حياة (م) و(ص) فلم يعد للحب ذاك الصدى في نفسيهما خاصة (م) حيث لاحظ عليها (ص) بأنها تغيرت كثيراً ولم تعد تهتم به كما كان الحال في السابق، أخذت الشكوك تذهب به هنا وهناك ولكنه لم يصدق نفسه بان (م) لم تعد تحبه لذا عزا ابتعادها عنه لكونها أصبحت مشغولة في التلفزيون وأصبح لها جو آخر غير الجو الذي كانت تعيش فيه.

الأمور بدأت تسوء

لاحظ (ص) أن زوجته دائمة الانشغال عنه حتى عندما تكون معه في الفيلا، إما تتحدث في الهاتف أو أنها تتابع التلفزيون وعندما كان يحاول الحديث معها كانت تتحجج بأنها مشغولة وأنه ليس لديها وقت، بدأ (ص) يشك في حب زوجته له وأحس ان الشهرة والمال والفساتين والنجومية وأضواء التلفزيون أخذتها عنه بعيداً حاول (ص) أن يستعيد زوجته بالهدايا والفساتين لكنه وجد لديها هدايا وفساتين وأرصدة في البنوك لا يستطيع هو تقديمها.

لذا وجد ان هذه الطريقة غير مجدية وأنه من الأفضل الجلوس معها ومصارحتها بما يدور في نفسه، ورغم أن (م) حاولت التهرب من مثل هذه الجلسة إلا أن (ص) أصر على أن يجلس معها في مكان هادئ ليناقشا طريقة حياتهما ومستقبلهما خاصة وأن (م) رفضت أكثر من مرة فكرة أن تنجب بحجة أن الإنجاب سيبعدها عن عملها، وأخيراً تمكن (ص) أن يرتب لقاء بينه وبين زوجته خارج الفيلا.

في أثناء اللقاء تحدث (ص) كثيرا وأعرب عن شكوكه في تصرف زوجته وخالتها خاصة وأنه لاحظ أن هناك شخصية مهمة تأتي إلى الفيلا في أي وقت من الليل أو النهار.

وان (م) وخالتها يستقبلانه استقبالا حارا وخاصا وطلب (ص) من زوجته تفسيرا لذلك، فقالت له إن هذه الشخصية (صديق للعائلة) وانه كفيل خالتها وشريكها في البوتيك وانه هو الذي سعى حتى تصبح مذيعة وانه هو الذي سعى لإيجاد وظيفة لك في الفندق وان العلاقة بين هذه الشخصية وبين (م) وخالتها لا تتعدى علاقة عمل وصداقة.

لم يقتنع (ص) بما قالته له زوجته ولهذا طلب منها أن تترك فيلا خالتها وان يستأجرا لهما شقة خاصة بهما بعيدا عن المشاكل، إلا أن (م) رفضت ذلك معلله بأن خالتها لن تقبل أن تتركها وأنها (أي م) لا تريد إغضابها خاصة وأنها هي التي قدمت لها كل هذه الخدمات فليس من المعقول أن تترك خالتها دون أي سبب، عندما رجعت (م) إلى الفيلا أخبرت خالتها بما دار بينها وبين زوجها فثارت الخالة في وجه (ص) وهددته بأنها ستنهي خدماته من الفندق وستسعى لتسفيره من البلاد إن هو عاد إلى هذا الموضوع من جديد.

مواجهة حامية

تظاهر (ص) بأنه لم يقصد شيئا ولم يوجه اتهاما لـ (م) وخالتها بل كان يستفسر فقط وان الأمور قد أصبحت واضحة لديه الآن وليس هناك ما يدعو إلى الغضب، في هذه الأثناء بدأ (ص) يراقب زوجته فلاحظ أنها لم تعد تستقبل الشخصية المهمة في الفيلا لكنها في الوقت نفسه ما تكاد تعود من التلفزيون حتى تستعد للخروج بمفردها وعندما كان يسألها إلى أين أنت ذاهبة؟ كانت تقول له ان لديها تسجيلا في عدة برامج، وان هذا يتطلب منها أن تتواجد خارج البيت عدة ساعات، ورغم عدم قناعة (ص) بذلك إلا انه كان يحاول أن يبدو مصدقا لما تقول لكنه في الوقت نفسه كان يتتبعها عندما تسنح له الفرصة.

في احدي الليالي جاءت مكالمة لـ (م) ومع أن الوقت كان متأخرا إلا أنها أنهت المكالمة بسرعة وبدأت تستعد للنزول وعندما سألها (ص) إلى أين أنت ذاهبة؟ قالت انهم يحتاجونها في التلفزيون ولا تدري لماذا، بعد خروج (م) من الفيلا تبعها (ص) بسيارته وبدأ يتبعها دون أن تدري هي بذلك، وأخيرا وصلت إلى فندق خمس نجوم حيث نزلت من سيارتها واتجهت إلى قاعة احد المطاعم تبعها (ص) بهدوء حيث جن جنونه عندما وجدها تتجه إلى طاولة يجلس عليها الشخصية المهمة، وبعد جلوسها بقليل جاء إليها (ص) وطلب منها أن تترك المكان.

حاول الشخصية المهمة منعه إلا أن (ص) صمم على ذلك قائلا لها إذا لم تتركي المكان فورا سأطلب لك الشرطة وسأتصل بإدارة التلفزيون واخبرهم ماذا تعملين، كان هذا التهديد كفيلا بان يجعل (م) تترك المكان بدون تردد وان تتجه إلى سيارتها بعصبية واضحة فيما ترك (ص) المكان واتجه إلى سيارته أيضاً حيث التقيا في الفيلا وهناك طلب (ص) من (م) تفسيرا لتصرفاتها ولماذا كذبت عليه.

وقالت له إنها ذاهبة إلى التلفزيون في حين أنها كانت ذاهبة للقاء الشخصية المهمة، ولم تجد (م) ما تبرر له هذا التصرف إلا أن تقول إنها كانت على موعد عمل مع الشخصية المهمة وإنها لاتريد أن تشغل بال زوجها بهذه المسائل، ولكن (ص) لم يصدقها وبدأ يكيل لها ولخالتها الاتهامات في الوقت الذي بدأت هي الأخرى تصفه بأنه إنسان فاشل وغير طموح وانه لولاها ولولا خالتها لما كان يمتلك فلساً واحدا.

ما كادت المشكلة تنتهي حتى جاءت خالة (م) وطردته من الفيلا خرج (ص) من الفيلا وذهب عند احد أصدقائه، وفي اليوم الثاني ذهب إلى الفندق الذي يعمل فيه وقدم استقالته ثم ذهب إلى الفيلا حيث تقيم (م) ودخل (ص) الفيلا حيث وجد (م) لاتزال نائمة ولحسن حظه انه لم يجد خالتها في الفيلا وجلس (ص) مع (م) وبدأ يذكرها بحبهما وطلب منها أن تترك التلفزيون وان يعودا معا إلى بلادهما واعلمها بأنه استقال من الفندق حتى يستعد للسفر، إلا أن (م) رفضت هذه الفكرة جملة وتفصيلاً وبدلاً من ذلك طلبت من (ص) أن يطلقها، كان (ص) يتصور أي شيء إلاّ أن تطلب من (م) الطلاق، لذا فقد أصيب بصدمة واتهمها بأنها على علاقة عاطفية مع الشخصية، فما كان منها إلاّ أن اعترفت صراحة بأنها على علاقة بالشخصية المهمة وأنها تحبه ولم تعد تحب (ص).

كانت هذه الكلمات تقع على مسامع (ص) وكأنها مسامير تدخل في جمجمته، لذا قرر ألا يحقق ل(م) رغبتها ورفض أن يطلقها حتى لا تتزوج من الشخصية المهمة، أقامت (م) دعوى طلاق ضد زوجها بحجة عدم الكفاءة الاجتماعية، فهي مذيعة مشهورة ولها جمهورها ومشاهدوها وشخصية اجتماعية معروفة، في حين أن (ص) عاطل عن العمل ولا يستطيع أن يوفر لها حياة كريمة.

استمرت الدعوى لأشهر عدة، حيث بدأت المرافعات بين محامي (م) ومحامي (ص) في الوقت الذي وظفت فيه خالة (م) جميع علاقاتها من أجل إتمام عملية الطلاق، حتى أنها عرضت على (ص) مبلغاً كبيراً من المال مقابل أن يطلق ابنة أختها، إلاّ أن (ص) رفض ذلك.

حادث الأميرة ديانا يتكرر

في أحد الأيام لاحظت الشرطة تجمعاً للسيارات داخل أحد الأنفاق وعندما وصلت الدورية وجدت أن سيارة قد ارتطمت بالحاجز الاسمنتي للنفق وأن السيارة قد تحطمت كلياً من قوة الصدمة، في حين أن الشخص الذي كان يقودها أصيب بجروح غائرة عدة في رأسه ويديه وبطنه، حيث توفي قبل أن يصل إلى المستشفى، من خلال الفحص الأولي لم يظهر أن هناك تهمة جنائية أو عملية قتل متعمدة، حيث تبين أن السيارة كانت تسير بسرعة كبيرة قبل أن تتحطم وينتهي بها المطاف إلى كتلة من الحديد.

وعند فحص الشارع تبين أن سائق السيارة استخدم المكابح في محاولة منه لإيقاف السيارة، والدليل على ذلك أثر العجلات على الاسفلت لمسافة تبعد عشرات الأمتار، كان يمكن لهذه القصة أن تنتهي إلى أن سبب الموت هو القيادة بسرعة وتهور، لكن شاهد عيان تقدم إلى الشرطة ببلاغ أفاد فيه أن سيارة المجني عليه كانت تسير على يمين الشارع بسرعة لا تتجاوز ال80كم، وفجأة لحقت بها سيارة رقمها (.........) ولونها (.......) وبدأت تقترب من سيارة المجني عليه محاولة صدمه، وعندما حاول المجني عليه الهروب من السيارة التي كانت تطارده أسرع محاولاً تفادي تلك السيارة، حيث ارتطم بقوة كبيرة في جدار النفق الاسمنتي وتحطمت سيارته في الحال من شدة الضربة، وهذا ما أدى إلى وفاته.

بدأت الشرطة تبحث عن السيارة رقم (......)، حيث تبين أنها ل(م) وعند التحقيق مع (م) اعترفت بأنها رأت (ص) في الشارع قبل وقوع الحادث، وانه هو الذي كان يطاردها وليس العكس، وأنها حاولت أن تهرب منه، لكن الشاهد الذي شهد في القضية قال من جديد أن السيارة رقم (......) هي التي حاولت الوقوف أمام سيارة المجني عليه وانه كي يتفاداها انحرف بشكل كبير نحو اليمين فوقع الحادث، تمت إحالة القضية إلى المحكمة، حيث جاءت مجموعة من المحامين لتدافع عن (م) في حين أن (ص) لم يجد أحداً يدافع عنه أو يروي عنه ما حدث لأن (ص) في تلك الأثناء كان قد مات وتم دفنه، وأخيراً وبعد مداولات ومرافعات لم تدم طويلاً حُكم على (م) بالسجن مدة سنة قضت منها تسعة أشهر خرجت بعدها لتجد الشخصية المهمة في انتظارها.

زواج وطلاق

بعد خروجها بشهر تم عقد زواج (م) على الشخصية المهمة، لكن هذا الزواج لم يستمر طويلاً، حيث تم الطلاق بعد أقل من سنة، بعد طلاقها من الشخصية المهمة تلقت (م) رسالة تخطرها بأنه تم إنهاء خدماتها وان محطة التلفزيون لم تعد بحاجة إليها بعد المشاكل التي حدثت معها، عرفت (م) بأن كل الذي حدث لها من مشاكل كان سببه خالتها والشخصية المهمة، وبدأت تشعر بالندم على زوجها الأول الذي أضاعته من يدها، غابت (م) عن الإعلام بشكل عام لمدة تزيد على ثلاث سنوات، وفجأة أطَلّت علينا من محطة تلفزيونية معروفة لتقرأ نشرة الأخبار من جديد.

إعداد: أحمد سلطان