قراءة القرآن بفهم وتدبر لمعانيه تصل بالإنسان إلى سعادة لا مثيل لها، فعندما يقرأ المسلم قول الحق سبحانه وتعالى «لكيلا تأسوا على ما فاتكم» (الحديد 23) يعلم أنه إذا تعرض لشدة أو مصيبة في النفس أو المال أو هلك الحرث والنسل أو إلى جميع ذلك لا يغضب ويضجر، لأنها أشياء مقدرة وعليه أن يتحلى بالصبر ويتماسك ولا ينهار ويرضى بقضاء الله وقدره، لأن الرضا قمة السعادة وما حدث له ما هو إلا اختبار، والسعيد من ينجح فيه ويوقن تماماً أن ما يخبؤه القدر يكون خيراً.

قال تعالى: « وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم» (البقرة 216).

المسلم مطالب بالصبر عند فقد شيء من متاع الحياة ومطالب أيضاً بالشكر عند النعمة، أما الجزع والهلع والأسى على ما فات فإنه أمر يدخل الإنسان في دائرة أخرى يجازى عليها. والمصطفى صلوات ربي وسلامه عليه يقول في الحديث الذي رواه الطبراني عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أصبح حزيناً على الدنيا أصبح ساخطاً على ربه.

أي من أصبح كئيباً محملاً بأثقال الدنيا من كد وتعب من جراء حطامها وتقليل النعمة المتمتع بها، والتكدير مما أصاب من خيرها وطلب الاستزادة وعدم القناعة أصبح غير راضٍ عن قضاء الله وفعله يائساً من فرجه، وعليه أن يقنع ويحمد الله تعالى على ما أعطى ويشكر له فضله ويطلب الهداية ووضع البركة فيما مُنح عاملاً بقول الإمام علي رضي الله عنه.

وإن ضاق رزق اليوم فاصبر إلى غد

عسى نكبات الدهر عنك تزول

والمصطفى صلوات ربي وسلامه يريد أن يعلم المسلمين القناعة والرضا ومقابلة الشدائد بصدر رحب وثغر باسم ولا يفكر في هموم الدنيا لحظة، فإن مع العسر يسراً.

ولله در القائل:

عسى الكرب الذي أمسيت فيه

يكون وراءه فرج قريب

روي عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من انقطع إلى الله عز وجل كفاه الله كل مؤونة ورزقه من حيث لا يحتسب ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها.

وروي عن سخبرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليهم وسلم: من أعطى فشكر، وابتلي فصبر، وظلم فاستغفر وظلم فغفر، ثم سكت، فقالوا يا رسول الله ماله؟ قال أولئك لهم الأمن وهم مهتدون.( رواه الطبراني)

المهم الرضا، لأن فيه السعادة كل السعادة ولذلك قال بعضهم الرضا أعلى من الصبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال صلى الله عليه وسلم: اعبد الله على الرضا، فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير.

والرضا يستوجب الشكر، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصبحت؟ قال: بخير! فأعاد صلى الله وسلم السؤال فقال في الثالثة: بخير، أحمد الله وأشكره، فقال صلى الله عليه وسلم: هذا الذي أردت منك؟ (رواه الطبراني في الدعاء من رواية الفضيل بن عمرو مرفوعاً. ورواه مالك في الموطأ موقوفاً على عمر بإسناد صحيح.

المسلم الذي يعيش مع ربه بالكلية هو الذي يصبر على قضائه ويحمده على كل شيء وهو الذي ينسى الماضي ويترك الهموم والأحزان ويقبل على الحياة بجد وعزم ويطلب من ربه أن يعوضه خيراً. وهو سبحانه نعم المولى ونعم النصير لا يترك عبده الذي استولى على قلبه غلبة التوكل والرضا والتسليم وصار موقناً بأن كل شيء مقدر.

لا يتركه نهباً للأفكار السوداء بل ينير له الدرب ويوفقه لتحقيق مآربه إن شاء الله، وليجعل عزمه خالصاً لوجه الله تعالى وليضع هذا القول الكريم أمام عينيه يقول المولى عز وجل في الحديث القدسي: يا ابن آدم من كان مهموماً، فأنا الذي فرجت همه، ومن كان مستغفراً فأنا الذي أغفر له، ومن كان تائباً فأنا الذي نهيته ومن كان عارياً فأنا الذي كسوته، ومن كان خائفاً فأنا الذي أمن خوفه، ومن كان جائعاً فأنا الذي أشبعه وإن كان عبدي على طاعتي وأرض أمري يسرت له أمره، وشددت أزره وشرحت صدره.

حامد واكد