أنهت حركة «حماس» معاناة مراسل هيئة «بي.بي.سي» الصحافي البريطاني آلان جونستون، بإطلاق سراحه أمس بعد 114 يوماً من خطفه على يد مجموعة «جيش الإسلام» بصفقة حصلت بموجبها المجموعة الخاطفة على تبرئة من حماس بالانتماء إلى تنظيم «القاعدة»، ما دفع السلطة الفلسطينية إلى اعتبار الأمر (مجرد مسرحية)، بل اتهمت حماس بخطفه. وبموازاة ذلك اشترط وزير الداخلية الفلسطيني عبدالرازق اليحيى انسحاب الاحتلال إلى خطوط 28 سبتمبر2000 للتعاون الأمني بين الجانبين، وبدأت حكومة الطوارئ تسليم الرواتب الكاملة للموظفين للمرة الاولى منذ 17 شهراً .
واعتبر رئيس الحكومة البريطانية غوردن براون الإفراج عن جونستون «مصدر ارتياح كبير لأسرته وأصدقائه، وكل الذين عملوا لإطلاق سراحه». أما وزير الخارجية ديفد ميليباند فقد وصف مشاعره قائلاً «أنا سعيد جداً، بات جونستون في آمان لدى قنصل بريطانيا في القدس». وعبر عن «تقديره للدور الذي لعبته جميع الأطراف للوصول لهذه النهاية»، مشيراً إلى أن «كلاً من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) ورئيس وزرائه المقال إسماعيل هنية أدانا خطف جونستون وطالبا بالإفراج عنه» ووصف جونستون شعوره بعد ما تنسم الحرية بأنه «من غير المتخيل كم هو جميل أن تكون حراً». واعتبر أن «الفترة التي قضاها في الاعتقال كانت بالغة الصعوبة، وأنه شعر كمن دفن حياً»، مشيراً إلى أنه «لم ير الشمس لمدة ثلاثة أشهر، وأنه قضى 24 ساعة مكبلاً بالسلاسل».
وأوضح أنه «التقى زعيم (جيش الإسلام) مرة واحدة بعد خطفه مباشرة، لكنه قضى معظم الوقت تحت حراسة شخص واحد وصفه بالغاضب دائماً». وكشف عن أنه «قضى أياماً عصيبة ولم يستطع خلالها الأكل، إلا أنه لاحقاً بدأ يتعود على طعام الخاطفين»، وقال: «في الأيام الأخيرة تحسنت ظروف اعتقالي وكنت أعيش في منزل حيث يوجد مطبخ وحمام»، واستدرك بالقول لدى حديثه للصحافيين في القدس «قد تستغربون لماذا لم أحاول الهرب؟ ولكني لا أعرف لماذا لم أفعل». وكشف عن أن «خاطفيه نقلوه إلى أربعة مواقع لكنه لم يمكث طويلاً في اثنين منهما».
كما أعربت هيئة الإذاعة البريطانية «بي.بي.سي» عن «سعادتها بالإفراج عن مراسلها في قطاع غزة»، فيما دعت منظمة «مراسلون بلا حدود» إلى ضرورة فرض الأمن في غزة بما يسمح بعودة المراسلين الأجانب للقطاع والذين كان جونستون آخرهم».
وتلقى براون اتصالاً هاتفياً من أولمرت هنأه خلاله على الإفراج عن جونستون، واتفق الطرفان على الالتقاء قريباً. وتمكنت «حماس» من تحرير جونستون بعد «مفاوضات شاقة مع (جيش الاسلام) وبوساطة من (لجان المقاومة الشعبية) ولجنة شرعية أصدرت فتوى أدت إلى إطلاق سراحه، وذلك بعد 114 يوماً على خطفه في غزة».
وقال القيادي في «حماس» سامي أبو زهري إن «تحرير الصحافي البريطاني مثل صدمة لقيادة السلطة ورسالة للمجتمع الدولي». وأضاف «أن هذه الخطوة تحمل رسالة للاحتلال مفادها أن حماس جاهزة لإنهاء قضية الجندي الإسرائيلي الأسير لدى المقاومة جلعاد شاليت إذا ما توفرت الإرادة لدى الاحتلال لتحقيق ذلك من خلال عقد صفقة تبادل الأسرى بين الطرفين».
واعتبر «أن هذه الخطوة التي أقدمت عليها كتائب القسام التابعة ل(حماس) و(القوة التنفيذية) عكست استقرار الوضع الأمني المتزايد وقدرة الحركة على فرض الأمن والنظام في قطاع غزة»، معتبراً انه من الخطأ الكبير أمام ذلك أن يستمر المجتمع الدولي في حصار الشعب الفلسطيني وحماس والتنكر للشرعية التي فازت بها».
ورحبت السلطة بتحرير جونستون. وقال عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عبدربه في تصريحات لإذاعة صوت فلسطين «نقدم التهنئة لجونستون وعائلته ونعتذر لهما عما ارتكبته عصابات الإجرام في غزة». لكنه اتهم «حماس» بالضلوع في عملية الخطف وبمحاولة «تلميع صورتها» على الساحة الدولية من خلال الإفراج عنه.
وقال إن «(حماس) كانت تحمي خاطفي جونستون لأشهر طويلة والآن يدعي مسؤولوها بأنهم قاموا بإنجاز بطولي بالإفراج عنه». وأضاف: «الجميع يعرف أن الذي كان يختطف الصحافي جونستون هو ممتاز دغمش مسؤول (جيش الإسلام) والمتحالف مع (حماس) بارتكاب كل جرائم القتل والخطف، وأنهم كانوا يحتجزونه في حي الصبرة في مدينة غزة». ووصف أحد مساعدي الرئيس الفلسطيني عملية الإفراج بأنها مسرحية وجاءت بعد «اختلاف بين السارقين».
وردا على ذلك اتهم أبو زهري «قيادات السلطة بمحاولة قلب الأمور بشكل سخيف بالقول إن (حماس) هي المسؤولة عن خطف جونستون وأن الإفراج عنه يهدف إلى تحسين صورتها أمام المجتمع الدولي».
ونفى الناطق باسم «حماس» فوزي برهوم أن يكون لتنظيم «جيش الإسلام» الذي كان يختطف جونستون أي علاقة بتنظيم «القاعدة». وقال برهوم «إن جيش الإسلام هو فصيل فلسطيني كان له ضلع كبير في التصدي للاجتياحات الإسرائيلية في غزة ولهم مواقف واضحة ضد الاحتلال فلا يمكن أن يكون لهم علاقة بتنظيم القاعدة».
وفي موازاة ذلك، دفعت حكومة الطوارئ الفلسطينية للعاملين بالسلطة الفلسطينية باستثناء نحو 19 ألفاً في قطاع غزة، أول رواتب كاملة لهم منذ 17 شهراً أمس. وأعلن رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض أن نسبة التزام الموظفين المدنيين والعسكريين بقرارات حكومة الطوارئ وصلت إلى 97%. وقال في مؤتمر صحافي بعد جلسة مجلس الوزراء التي عقدت في مدينة رام الله بحضور رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس «إن ألف موظف حكومي استثنوا من صرف الرواتب هذا اليوم (أمس) بينهم 300 موظف مدني و 700 موظف عسكري».
وأشار «إلى أن صرف راتب كامل للموظفين لأول مرة منذ حوالي 15 شهراً يدل على مدى جدية الحكومة في التعامل مع القضايا» موضحاً «أن صرف الرواتب شمل هذا اليوم (أمس) جميع محافظات الوطن من دون استثناء». وكشف فياض النقاب عن تشكيل لجنتين لمتابعة قضايا الموظفين والشكاوى المقدمة منهم «الأولى مكلفة بمتابعة قضايا الموظفين المدنيين والثانية متخصصة بمتابعة شكاوى الموظفين العسكريين». وقالت مصادر رفيعة في مكتب فياض إن 19 ألفاً من الموظفين الذين عينتهم حركة «حماس» لم تدفع أجورهم، لكن ما لفت الانتباه أن نحو 12 ألفاً منهم ينتمون إلى حركة «فتح».
في غضون ذلك، قالت مصادر فلسطينية مطلعة أن وزير الداخلية الفلسطيني عبد الرزاق اليحيى طالب إسرائيل بوقف ملاحقة المطلوبين في الضفة، ليتمكن من ضمهم لأجهزة الأمن وإخلائهم من الشوارع وسحب أسلحتهم. وأشارت هذه المصادر إلى أن إسرائيل وعدت بدراسة الطلب ولم تقدم بعد رداً عليه. ونقلت هذه المصادر عن اللواء اليحيى قوله للمسؤولين الإسرائيليين إن حكومته لن تنجح طالما واصلت إسرائيل احتلال المدن والبلدات، مطالباً بانسحاب إسرائيل إلى خطوط ما قبل الثامن والعشرين من سبتمبر عام 2000، أي ما قبل اندلاع الانتفاضة.
وأشارت إلى أن اليحيى قال للجانب الإسرائيلي انه لن يستأنف التعاون الأمني مع الجانب الإسرائيلي طالما بقيت إسرائيل تحتل المناطق أ و ب، التي كانت تقع تحت السيادة الفلسطينية. من جانبها، أبلغت إسرائيل المسؤول الفلسطيني قلقها من نجاح القوى الفلسطينية خاصة حركة «حماس» في بناء قوة صاروخية في الضفة تهدد مطار تل أبيب الدولي. وأبلغته أيضاً أنها لن تنقل السيطرة على أجزاء من الضفة للسلطة الفلسطينية ما لم تكن واثقة تماماً من قدرتها على القيام بدور أمني مهم.
رام الله ـ محمد إبراهيم: غزة ـ ماهر إبراهيم والوكالات

