قد يتساءل البعض: ما هي معادلة تحقيق الأسرة الناجحة التي تخرج أبناء أسوياء عاطفيا ، متميزين أخلاقيا ، متفوقين دراسيا ، أهي الرقابة الشديدة أم العاطفة الجياشة؟ وربما تكون إجابة المعادلة وراءها التربية الذكية.
البادرة غير المسبوقة التي قام بها توجيه الخدمة الاجتماعية بمنطقة رأس الخيمة التعليمية، أجابت باستفاضة أكثر عن هذه التساؤلات برعاية ملتقى اسري عرض التجارب الناجحة لبعض الأسر الرائدة بعملها في مجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة، وعرفت عنها من خلال فوزها بالجوائز المخصصة لأفضل التجارب الأسرية في الدولة كجوائز حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز، ورأس الخيمة والشارقة للتميز التربوي .
عائشة إبراهيم اليعقوبي موجهة الخدمة الاجتماعية في منطقة رأس الخيمة التعليمية قالت إن الملتقى عرض هذه التجارب من خلال ثلاث أوراق عمل، هدفت إلى التعرف على بعض التجارب التربوية الناجحة للاستفادة منها والخروج بتوصيات بعد الإطلاع على أهم البنود التي تحدث فيها أرباب الأسر الناجحة عن مبادئهم وأسس عملهم وتربيتهم لأبنائهم .
وأشارت موجهة الخدمة الاجتماعية الى ان الملتقى استهدف أيضا دعوة الأسر المتميزة للمشاركة في هذه المسابقات التربوية لما تمثله من حافز إضافي للإبداع والتميز، فيما اشتمل الملتقى الذي أقيم في مدرسة الأفق للتعليم الأساسي، عرضاً لعدد من الفقرات المناسبة للحدث الأسري من خلال الأناشيد والفقرات التمثيلية التي أدتها طالبات المدرسة .
الإيمان بالذات
لم يكن غريبا أن تحصد مريم سعيد سالم خلفان المزروعي لقب « الأسرة المتميزة» في جائزة رأس الخيمة للإبداع والتميز، بما حمله حديثها في الملتقى من إيمان عميق بدورها في المجتمع كعضو فاعل فيه بمختلف الأدوار أم زوجة ومواطنة، فبالرغم من ظروف بدايتها الصعبة التي لم تمكنها من إكمال دراستها، حيث حال وضع عائلتها البسيط دونه فالوالد عمل حارسا لمدرسة، إضافة لعدم توفر المواصلات في تلك الفترة، ما اضطرها لترك المدرسة وهي في الصف الثاني عشر، لتبدأ حياةً جديدة عبر زواجها وهي في السادسة عشرة.
وتشير مريم والدة أحد عشر ابنا وبنتا «6 أولاد و5 فتيات»، عن جهودها في تربية أبنائها، فقد حرصت على متابعتهم بدقة خاصة مع غياب الزوج الاضطراري نتيجة ظروف عمله كموظف في القوات المسلحة، ولم تتأخر يوما عن تلبية نداء المدرسة فهي عضو فاعل في مجالس الأمهات المختلفة منذ 19 عاما، ، ولم يثنها تفاوت مستويات أبنائها عن محاولة تحفيزهم لتحقيق أفضل النتائج، لاسيما وان تحقيقهم إياها قد اشبع رغبتها في إكمال دراستها التي لم تنهها.
ونصحت الحائزة على لقب الأم المثالية الأهالي بتخصيص وقت كاف للجلوس مع الأبناء وتبادل الأحاديث معهم، والتركيز على القيم الأخلاقية وأن يكون الوالدان قدوة لهم، كما أكدت على أهمية احترام الأبناء عن طريق الاحترام المتبادل بين الطرفين، إضافة إلى فهم نفسية الأولاد وإعطائهم الثقة بأنفسهم، مشددة على عدم إظهار الخلافات والمنازعات التي تحدث بين الوالدين أمام الأبناء، مع الصبر الجميل في تربيتهم وتحمل ما يحدث منهم .
توزيع الأدوار
وبينت مريم صالح الشحي الحائزة على لقب الأسرة المتميزة في جائزة الشارقة للأسرة المتميزة « أسرة المرحوم جاسم محمد بورحمة»، على أهمية التوزيع السليم للأدوار بين أفراد الأسرة لما له من دور في خلق قيم وروابط، وتسهيل وصول الأسرة إلى أهدافها المنشودة في تربية أبنائها «خاصة بعد وفاة الزوج» وتزويدهم بقيم ومبادئ تعزز ثقتهم بأنفسهم وتواصلهم مع بعضهم، ومع محيطهم من أقارب وجيران ومدرسة ومجتمع خارجي .
وشددت على أن لكل فرد في العائلة دورا بدءا بولي أمر العائلة الذي يقع عليه مجموعة من الأعباء كالإنفاق على أفراد الأسرة و رعاية الأبناء والإشراف على الصحة النفسية والجسمية والاحتياجات المنزلية، إضافة لرعاية الأبناء والاستماع إلى آرائهم واحتياجاتهم، وتوزيع ادوار المهام فيما بينهم مع متابعة ادوار كل ابن وتعديلها بشكل دائم .
وأوضحت مريم أن هذه الأدوار يخضع لها كل أفراد العائلة فالابنة عائشة لها دور كونها المسؤولة الثانية في حالة غياب الأم والمفوضة بالاعتناء بالأسرة، وتشارك في مسؤولية بحث ميزانية المنزل أثناء عدم تواجد الأم وانشغالها، كما تقوم بمساعدة الأخوة في أي عمل في إطار استطاعتها وتساعد الأم في الحاسوب إضافة لعمل دروس «البوربوينت» للأم والأخوة، إضافة لعمل بعض الأطعمة الخفيفة والحلويات البسيطة أثناء احتياج الأخوة أو حضور ضيف إذا أحبت ذلك ولم تكن مشغولة .
وأكدت مريم أن هذه الأدوار تشمل كذلك فاطمة ومحمد ومريم، وفق قدرات كل شخص منهم واهتماماته، وقد عمل توزيع هذه الأدوار على إضافة عناصر قوة في شخصية كل فرد من أفراد الأسرة بشكل خاص وعلى ترابط الأسرة بشكل عام، كالاعتماد على النفس والإحساس بالمسؤولية وتحملها، إضافة للتعود على العمل وإتقانه، وتقدير الذات واحترام العمل و معرفة أهمية المال وكيفية التصرف والإنفاق حسب الاستطاعة، وخلق حسن التصرف لديهم في المواقف المحرجة والمفاجئة .
كما عمل توزيع الأدوار على تقوية العلاقات الأسرية وتماسكها الكبير، وابراز الموهبة أمام الغير وعزز التربية الأخلاقية والنفسية عند تعاملهم مع الآخرين، ونما شعور كل من الأبناء بدوره وأهميته في الأسرة، وأبعد الإتكالية ونبذ الكسل لدى الأبناء، ونما لديهم قيمة احترام ذوي المهن عامة مع الإيمان بأهمية العمل، إضافة لخلق شعور بالمسؤولية تجاه الإخوة البنات وإدراك دور الرجل في الأسرة، وجعلهم يدركون أهمية المال وكيفية التصرف والإنفاق حسب المبلغ المتاح، مع إدراك معنى العمل الإنساني في خدمة الناس والتطوع ولاسيما الأقارب.
مصداقية عالية
وعرض صاحب ورقة العمل الثالثة العقيد محمد صالح بداه بوزارة الداخلية في ابوظبي، والحائز على جائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز «فئة الأسرة المتميزة» تجربته العائلية التي اتصفت بالمصداقية الكبيرة في تنفيذ بنودها، و التي جارت أسس تربية عائلته المتميزة، وأفرد بالذكر خطوات استعداداته للمشاركة في الجائزة .
وقال بداه انه خصص مجموعة من الأعمال لتعزيز عدد من الجوانب المهمة لأبنائه كالجانب الديني، حيث عمد على اخذ الذكور منهم بصورة دائمة إلى المسجد، وحرص على حضورهم المحاضرات الدينية، وحثهم على تخصيص وقت لقراءة القرآن الكريم .
أما عن تعزيز المجال الصحي لديهم فلم يغفل الحاصل على جائزة حمدان أي تفصيل، فقد حرص على تحصينهم ضد الأمراض وفق برنامج وزارة الصحة، وزرع فيهم الحرص على العادات الصحية الجيدة كالعناية بأسنانهم وأعينهم، وأشركهم في دورة للإسعافات الأولية ليفيدوا أنفسهم وغيرهم منها، وعزز هذا الأمر بإيجاد صندوق إسعاف أولي بالمنزل.
وعن الأمور التي اتبعها موظف الداخلية لتعزيز المجال التعليمي لأبنائه، كان التشجيع والتحفيز دراسيا أول أسلحته في هذا المجال داخل الأسرة والمدرسة ومكافأتهم في حالة حصلوا على مراكز جيدة، إضافة لتوفير مستلزمات هذا النجاح من أدوات دراسية مختلفة، وجو اسري مريح مع تشكيل مكتبة داخل المنزل، وكل هذا في إطار من المتابعة الدائمة لهم من خلال التواصل مع المدرسة.
رأس الخيمة ـ رباب جبارة