قال الشيخ: يقول الحق سبحانه وتعالى عن القرآن العظيم (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ، وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ) ويقول في موطن آخر (يَأَيّهَا الإِنسَانُ مَا غَرّكَ بِرَبّكَ الْكَرِيم) ونحن لا نرى اليوم إلا الهازل والمغرور، الذي يهزل في موضوع وجوده وما يؤول إليه، والذي يطمع في رحمة الله وكرمه دون أن يرافق ذلك ورع عن الخوض في الحرام والشبهات، وقيام بالفرائض والنوافل، وسلوك مما يرضي الله ورسوله.

كثيراً ما تراودني رغبة عندما أرى عاصياً لا يراعي حرمات الله في أن أمسكه من كتفيه وأهزه متسائلاً وسائلاً: هل أنت مؤمن بالله حقاً؟ وهل أنت ممن يؤمنون بأن الله حاضر في كل مكان وأنه يراك في عصيانك وطاعتك مهما أخفيتهما أو أظهرتهما للناس.

ويبدو أن أكثرنا لا يعرف الله حق المعرفة ولا يقدره حق قدره، حتى صرنا نهزل في مواضع الجدّ وننسى أن الله يحصي من أفعالنا وأحوالنا ما ننساه، فإذا لقيناه يوم القيامة ذهلنا من إفراطنا وتفريطنا بحق الله، وهالنا ما تراكم في حياتنا من آثام وذنوب وكأننا نراها ونحصيها لأول مرة ولكننا عندها نكون حيث لا ينفع الندم ولا تمكن فيه العودة إلى الحياة الدنيا لنعادل كفة السيئات بحسنات تنقذنا من سوء المصير.

أكثر الناس اليوم يطمعون بكرم الكريم مع أنهم في حياتهم يعاملونه معاملة اللئيم، وهم يهزلون في اقتراف الكبائر وعدم القيام بالفرائض والنوافل، متناسين أن للحق ميزان دقيق ينصب في اليوم الآخر وهو لا يترك كبيرة أو صغيرة إلا ويزنها ويحسبها على المرء ليقرر مصيره إلى الجنة أو إلى النار.

يقولون لك إن الله رحيم. إن الله كريم. وأنه عفو تواب. ولو قدروا هذه الصفات قدرها لأحبوا الله واستحيوا منه، فصفات جمال وجلال الله، وصفات رحمة وغضب الله لا يمكن أن تعني لمن عرف الله حق المعرفة وأحبه حق الحب تفريطاً في جنبه عز وجل واستسهالاً لإغضابه، وإسخاطه سبحانه تعالى.

«الحب» لا يمكن أن يعني في حال من الأحوال استخفافاً بالمحبوب واستسهالاً لمعصيته واستهتاراً بحقهِ على من عرف وأحب، واسألوا أهل الدنيا عما يعرفونه عن حب المخلوقين وعما يقتضيه ويستلزمه من حسن أدبٍ وعمل وسهر على رضا المحبوب، فما الذي يغر العبيد الذين يدعون حب الله بمحبوبهم! فيعرضون عنه ويمعنون في إغضابه ثم يطمعون في كرمه ورحمته.

وإذا كان المحبوبون من خلق الله وهم أناس فقراء ومحدودون لا يرتضون من محبيهم أن يطمعوا في رضاهم وإقبالهم دون حسن عملٍ وإقبال من المحبين عليهم، فكيف يكون الحال مع رب العزة وهو الغني عن حب محبيه من أهل الأرض، وهو من ارتضى - في عليائه - أن يكون محبوباً ومحباً للعبد الفقير الحقير كرماً منه وإكراماً له. حب الله والتقرب إليه له أصول وأسباب وردت في المأثور وهي القيام بالفرائض الكاملة وبالنوافل الممكنة.

فإذا أحسن العبد في إقباله على الله بالفرائض والنوافل وامتنع عن المحرمات والمكروهات صار عين الله التي يبصر بها وأذن الله التي يسمع بها ويد الله التي يبطش بها وقدم الله التي يمشي عليها، وما تقرب العبد من ربه شبراً إلا وتقرب ربه منه ذراعاً، وما تقرب العبد من ربه ذراعاً إلا وتقرب إليه ربه مداً، وإن أتى العبد ربه مشياً أتى الحق سبحانه وتعالى هرولة.

هذا هو كرم المحبوب الإلهي الغني عن عباده الفقراء، وهو كرم لا يتصف ببعضه محبوبو الأرض من خلقه وعباده، ولو عدتم إلى ما تعرفون عن سلوك محبوبي الأرض من ترفع وتمنع ودلال وغنج، لعرفتم مقدار خطأ الإنسان عندما يبذل ما يستطيع في حب إنسان جبل بالشح والبخل وينصرف عن حب الله وهو أحسن وأعظم إقبالاً على محبيه إذا سعوا في رضاه.

ماهر سقا أميني