نعم الله على الإنسان كثيرة، والإنسان الموفق هو الذي يدرك ذلك ويقابل كل نعمة بالشكر عليها، قال تعالى: »لئن شكرتم لأزيدنكم». ووعد الله حق.
والحق سبحانه وتعالى يحب عبده الشاكر، والإنسان الذي يغتر بنعم الله وينسى المنعم لاشك أنه معرض لمقت الله.
لقد شاءت الأقدار أن أتعرف على إنسان كان يعيش حياة بسيطة في حدود دخله وكان يشعر أنه قد جيزت له الدنيا بحذافيرها. كان يتمتع بصفات حبب إليها الإسلام وحث عليها، فكنت أراه لايترك فرضاً ولايفتر لسانه عن ذكر الله عز وجل، وكان لايتوانى عن السعي في مصالح الناس، وكان يجالسهم ويستمع الى شكواهم في تواضع جم ولذا كثر أصدقاؤه ومحبوه.
اشتغل بالتجارة وفتح الله عليه ووسع عليه في الرزق.
قال تعالى: والله يرزق من يشاء بغير حساب (النور 18) وبعد أن حقق ثروة طائلة وجدته ابتعد عن الأصدقاء والمحيطين به من الأقارب بحجة انه مشغول وليس لديه وقت للتواصل وتغيرت اخلاقه فرأيته شامخا بأنفه متعالياً على الناس.
إذا تكلم مع أحد تكلم بعنجهية وغرور، وإذا طلب منه احد أن يساعده رفض ووجّه اليه النقد الجارح، ونسي أنه في تصرفه هذا لايتخيل ان سهام القدر قد تصيبه في يوم ما، وقلت في نفسي ما الذي جعله مزهوا هكذا، إذا مشى مشى مختالا كالطاووس حتى أوشك ان ينفجر من فرط الاختيال.
لقد صار يتباهى بثروته وما يمتلكه من أثاث فاخر وسيارات فارهة وظن انه قد أوتي نعيما لايفنى وسعادة لاتزول ونسي ان المال الذي جمعه ما هو إلا امتحان من الله تعالى والإنسان الموفق هو الذي يستخدمه في حقه.
وفجأة بدأت تصاريف القدر تنهش غروره المدمر وتستل بهجته وتجرده من مباهج الحياة فأصيب بداء عضال لدرجة ان الدواء الذي كان يأخذه كعلاج صار يحدث اثرا عكسيا فيه، وأصبح الفزع والقلق سمتان من سمات حياته وملمحان من ملامح وجوده.
لقد تبين له أن المال الذي غير أخلاقه وبدل تصرفاته حتى سلخه من ماضيه جعله ينصهر في بوتقة الأحزان والآلام والأمراض التي حرمته من متع الحياة الزائلة.
من هنا نقول على المسلم الواعي، المسلم العاقل أن يكون بصيراً في التصرف بماله، بما يعود عليه بالخير والمثوبة والأجر.
قال تعالى: ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون، من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (النحل 96، 97).
روي عن حذيفة رضي الله عنه قال: أُتي الله بعبد من عباده اتاه الله مالا فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟
قال: ولا يكتمون الله حديثا، قال يارب آتيتني مالا فكنت أبايع الناس وكان من خُلقي الجواز (اي التسامح) فكنت ايسِّر على المويسر وانظر المعسر، فقال الله تعالى: انا احق بذلك منك تجاوزوا عن عبدي.
فقال عقبة بن عامر، وابومسعود الأنصاري: هكذا سمعناه من فيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم هكذا موقوفا على حذيفة ومرفوعا عن عقبة وابي مسعود. وليعلم المسلم أن الغرور مدمر لصاحبه ومن تواضع له رفعه.
والمسلم المستنير بتعاليم الإسلام كريم جواد، يداه مبسوطتان تهيمان بالخير على ابناء مجتمعه في شتى المناسبات والأحوال.
قال تعالى: وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين. (سبأ 39)
حامد واكد