عندما حضر والدها أحضر معه بضعة ملايين من الدولارات فهو تاجر ذهب معروف ولمحلاته فروع في كل بقاع الدنيا، لذا كان دائم السفر بين هذه الدولة أو تلك ولأن الوقت عنده يساوي الملايين كانت له طائرته الخاصة يتحرك متى شاء. هكذا هم رجال الأعمال المهمون فهم يحسبون الوقت بالدقيقة وحتى بالثانية، عندما حضرت (س) مع والدها المليونير ووالدتها كان عمرها 3 سنوات ولأن والدها (ك) ليس له غيرها فقد كانت تتناول طعامها بملعقة من ذهب.

حارس الفيلا

كان (ك) وأسرته الصغيرة (زوجته وابنته) يسكنون في فيلا ضخمة تحيط بها الحدائق من جهتين أما الجهتان الأخريان فقد كانت تحيط بهما بحيرة اصطناعية.

أحبت زوجة (ك) المكان وهدوءه رغم أن لها في بلادها وفي اسبانيا وأوتاوا ونيويورك قصوراً ضخمة، لكنها وجدت في هذا المكان كل ما تريد.

ومع أن (ك) كثير التنقل والسفر إلا أنه كان يشعر بأمان مع أسرته، ولكن لزيادة الاطمئنان على زوجته وابنته استأجر حارس أمن من إحدى الشركات الخاصة واشترط أن يكون هذا الحارس من بلاده وذلك كي يضمن ولاءه لأسرته في هذه الغربة، عندما جاء الحارس تفحصه (ك) جيدا فهو في أواخر الثلاثينات من العمر، قوي البنية يجيد استخدام السلاح والكاراتيه وغيرها من فنون القتال التي يستطيع من خلالها ان يحمي أسرة (ك).

سأله (ك) عن اسمه فقال اسمي (ب) وأنا من اقليم (.....) ومن مدينة (.....) فرح (ك) كثيراً لان (ب) ينتمي إلى ذات الإقليم الذي هو منه، ومدينتاهما قريبتان من بعضهما البعض، ولهذا قال له (ك) أنا سأعطيك ضعف المبلغ الذي اتفقت مع الشركة ان أعطيه لك وقد أجعله ثلاثة أضعاف ان أنت أعطيت كل اهتمامك لحماية أسرتي.

بدأ (ب) عمله على الفور حيث يبدأ من الساعة السابعة والنصف ويقوم بتوصيل (س) إلى المدرسة ثم يصاحب زوجة (ك) إلى المراكز التجارية والى أي مكان تريده ثم يعود لأخذ (س) من المدرسة ويوصلها إلى البيت أما فترة المساء فقد كان (ب) يهتم بحديقة الفيلا أما إذا كان (ك) موجوداً فقد كان الحارس يلازمه طوال الوقت.

طلب استغاثة

كان الحارس الشخصي الذي استأجره (ك) أنساناً مخلصاً في عمله والاهم من ذلك أنه كان خلوقاً وحريصاً على سلامة الأسرة التي أؤتمن عليها، وكان اثناء غياب (ك) في الخارج يبذل جهوداً مضاعفة من أجل سلامة العائلة وحمايتها.

في أحد الأيام تلقى (ب) رسالة من أهله تفيد بأن بيتهم تهدم بسبب الحرب الأهلية الدائرة هناك وأن زواج أخته قد لا يتم وذلك لان العائلة لا تمتلك أموالاً كافية لإعادة بناء البيت وللإنفاق على الزواج، لذا طلبت العائلة من (ب) أن يرسل لها أموالا تقدر بنحو 20 ألف دولار، كانت هذه الرسالة بمثابة صاعقة نزلت على رأسه حيث أصبحت أسرته في العراء كما انه حريص على تزويج أخته، التي إن ضاعت منها هذه الفرصة فقد لا تعود أبداً، والأهم من ذلك أن عاداتهم تقتضي بأن يقوم أهل العروس بدفع تكاليف كل الجهاز ودفع مهر للعريس.

أحس الرجل بأن الدنيا أطبقت عليه من كل جانب، حاول أن يدبر الأمر لكنه وجده مستحيلاً، لجأ إلى الشركة المسؤولة عنه لكن الشركة رفضت تقديم أكثر من 500 دولار تسدد على أقساط شهرية. لذا فكر بأن يطلب المبلغ من الأسرة التي يقوم بحمايتها فهذه الأسرة قادرة على دفع أضعاف المبلغ، ثم كيف يقوم هو بحماية الآخرين ولا يجد من يحميه، إلا أن المشكلة التي واجهته هي أن الرجل الذي يعمل عنده غير موجود، في هذه الأثناء تلقى (ب) اتصالاً من والدته تطلب منه أن يرسل المبلغ فوراً لحاجتهم الماسة إليه.

مرت أربع وعشرون ساعة على (ب) لم يعرف فيها طعم النوم أو الطعام أو الماء فهو يعرف طبيعة منطقته وقساوة أهلها والوضع المأساوي الذي تعيشه أسرته لذا قرر أن يفاتح زوجة (ك) في الأمر لأن زوجها كان في تلك الفترة مسافراً إلى الخارج كعادته.

انتهز (ب) خروجه لإيصال الزوجة إلى أحد المراكز التجارية وفاتحها في الأمر طالبا منها أن تساعده على اجتياز تلك المحنة وأن تحمي أسرته من الضياع، إلا أن المرأة قالت ان المبلغ كبير ولا تستطيع أن تتصرف بأي مبلغ إلا بإذن زوجها، طلب (ب) منها أن تتصل بزوجها، لكنها رفضت ذلك معتبرة أن الأمر لا يستدعي أن تزعج زوجها وتشغله في مثل هذه الأمور، وطلبت منه أن ينتظر حتى يعود زوجها ثم يطلب منه ما يريد إلا أن هذا الحل لم يعجب (ب) وبدأ يفكر في اتجاه آخر يحصل من خلاله على ما يريد من مال بل وأكثر مما يحتاج.

سأل (ب) نفسه سؤالا وهو لماذا أحمي هؤلاء الناس وهم يمتلكون الملايين ولا يشعرون بما أعانيه أنا وأسرتي ثم إن فاقد الشيء لا يعطيه فإذا كنت لا أشعر بالأمان فلماذا يشعر الآخرون به؟ فأنا أعرض حياتي للخطر وربما للموت من أجلهم، أفكار متضاربة كثيرة خطرت بباله، وجعلته يتصرف كالمجنون، فكر في أن يختطف زوجة (ك) أو حتى يقتلها ويأخذ ما لديها من مال ومجوهرات، فقد وجد أن الفرصة سانحة فزوجها في الخارج وابنتها في المدرسة وحتى لو كانت معها فلن تستطيع مساعدتها، لكنه في آخر لحظة تراجع عن هذه الفكرة فهذه السيدة إنسانة فاضلة.

ورغم غناها الفاحش إلا أنها متواضعة وكثيراً ما عطفت عليه وأعطته أموالا له ولأسرته وفي رمضان أعطته مبلغاً كبيرا كجزء من زكاة أموالها فكيف به يخونها ويغدر بها. وقع (ب) في صراع طويل لم يفق منه إلا بهاتف جاءه من السيدة تطلب منه أن يذهب ويحضر (س) من المدرسة ويأتي بها إلى المركز التجاري حيث ستتناول طعام الغداء هناك.

الهروب إلى بيت مهجور

في أثناء ذهابه لإحضار (س) من المدرسة كان (ب) وصل إلى قرار مهم في حياته وهو أن يخطف الطفلة ويطالب أهلها بفدية فهذه الطريقة الوحيدة التي ستجعل (ك) يأتي من الخارج ويدفع أي مبلغ، فكر كثيراً في نتائج هذا العمل وأخيرا وجد نفسه يقود سيارة العائلة إلى مكان بعيد يبعد عن سكنها نحو 130 كيلومتراً.

بدأت (س) تسأل الرجل لماذا لا نذهب إلى البيت وكان يقول لها سنذهب فيما بعد، بدأت الطفلة تبكي لكنه طمأنها بأنه سيأخذها إلى أمها قريباً، قام (ب) بشراء طعام وخبز وماء وبعض المعلبات ثم اتجه إلى بيت مهجور، وهناك جلس يفكر في العمل الذي قام به في هذه الاثناء كانت والدة الطفلة تتصل بـ (ب) على هاتفه النقال لكنه رفض أن يجيب، اتصلت عشرات المرات وأخيراً أقدم على إغلاق هاتفه حتى لا ينزعج من كثرة الاتصالات، كانت الطفلة تشعر بخوف شديد لكن (ب) طمأنها بأنها ستكون بخير وأنه سيعيدها إلى والدتها قريباً.

بعد أن غابت الشمس قرر (ب) أن يتخلص من السيارة حتى لا تكون دليلاً على وجوده فتركها في واد «قريب ثم عاد إلى البيت حيث كانت الطفلة نامت من كثرة البكاء والتعب أما هو فقد حاول أن ينام لكنه لم يستطع فقد بدأ يندم على فعلته، لكن الندم جاء متأخراً فقد قام باختطاف الطفلة وعليه أن يكمل حتى النهاية.

في صباح اليوم التالي قام (ب) بالاتصال بالسيدة قائلاً لها بأنه خطف ابنتها لكنه، لن يؤذيها وأنها موجودة عنده حتى تدفع 100 ألف دولار وطلب منها عدم اخبار الشرطة وإلا فإنه سيقوم بقتل الطفلة وينتحر، لكن السيدة كانت اتصلت من قبل بالشرطة وأخبرتهم أن ابنتها وسائقها لم يعودا، في هذه الاثناء كانت السيدة اتصلت بزوجها حيث قرر أن يعود فوراً قامت السيدة بالاتصال بالشرطة وأخبرتهم عن فحوى المكالمة التي دارت بينها وبين (ب).

فوضعت الشرطة هاتف السيدة تحت المراقبة وطلبت منها إذا اتصل بها الخاطف أن تطيل الحديث معه أكبر قدر ممكن وذلك حتى يتم تحديد مكانه، انتظرت السيدة ساعات عدة لكن (ب) لم يتصل بها وذلك لان هاتفه النقال أصبح يحتاج إلى شحن بطاريته لذا قام في اليوم التالي بالاتصال من هاتف عمومي وطلب من السيدة ان تجهز له المبلغ حتى يحضر ويأخذه منها ثم يعيد إليها ابنتها.

في هذه الاثناء كان (ك) عاد إلى بيته لكن الشرطة طلبت منه عدم التحدث إلى الخاطف في حالة اتصاله وأن تتحدث إليه السيدة فقط، بعد مرور ساعات كانت بالنسبة إلى أهل الطفلة كالدهر اتصل (ب) بالسيدة طالبا منها أن تضع المبلغ في حقيبة سوداء وأن يأتي إلى المكان الذي سيحدده فيما بعد دون ان يصحبها احد وان تستخدم سيارة أجرة، أكدت له السيدة بأن طلباته كلها ستكون مجابة ولكن عليها أولا ان تطمئن على سلامة ابنتها هنا قال لها بأنه سيحضر ابنتها بعد قليل لتكلمها، لكنه أكد عليها بعدم اخبار الشرطة، كانت السيدة وصلت إلى حافة الانهيار العصبي بسبب خوفها على حياة ابنتها، بعد نحو ساعتين اتصل الخاطف بالسيدة وقام بإسماعها صوت ابنتها.

فما كادت السيدة تسمع صوت الطفلة حتى فقدت الوعي والنطق لبعض الوقت في هذه الاثناء تمكنت الشرطة من تحديد المكان الذي يتكلم منه الخاطف حيث انطلقت الشرطة ورجال التحريات بحثاً عنه بعد أن حصلت على صورته من الشركة التي كان يعمل بها وكذلك على صورة للطفلة من والدتها وقامت بتعميم الصورتين على الأجهزة الأمنية.

بعد أن اعتقدت الشرطة بأنها اقتربت من القبض على الخاطف سريعاً ضاع أملها فقد اتصل بالسيدة من مدينة تبعد نحو خمسين كيلومتراً عن المدينة الأولى وهنا طلب من السيدة أن تحضر المال وأن تأتيه عند محطة الكهرباء القديمة، على أن تأتي وحدها قائلاً بأنه لن يحضر الطفلة معه لأنه، ان شعر بأنه مراقب فانه لن يخبرها أين يخفي ابنتها وقد تموت في المكان الذي يخبئها فيه.

أعطت السيدة الخاطف وعوداً بأنها ستكون وحدها في هذه الاثناء طلبت منها الشرطة ان لا تقدم على أية خطوة دون استشارتها أو التنسيق معها، وذلك من أجل القبض على الخاطف إلا ان السيدة قررت ان تتصرف بطريقتها الخاصة وذلك حفاظاً على ابنتها. حدد الخاطف للسيدة أن تأتي إلى محطة الكهرباء القديمة الساعة العاشرة ليلاً وان تأتي بسيارة أجرة وتنزل منها على مسافة بعيدة ثم تأتي سائرة على الاقدام وذلك كي يتأكد بأن أحدا لا يتتبعها.

عرفت الشرطة كل شيء وعندما حاولت أن تثني السيدة عن عدم الذهاب وإعطاء الخاطف النقود رفضت ذلك وبدأت تصرخ في وجوههم فهي لا يهمها القبض على الخاطف ولكن المهم عندها سلامة ابنتها.

أخيراً أقنعها الضابط ان كانت مصممة على رأيها ان تأخذ حقيبة من الشرطة مثبت بها جهاز انذار صغير يمكن من خلاله تتبع المجرم. وافقت السيدة على ذلك، وفي الساعة المحددة جاءته وهي تحمل الحقيبة، عندما فتح الرجل الحقيبة ووجد النقود قام بإفراغها في كيس كان يحمله معه ثم طلب من السيدة أن تأتي معه لتأخذ ابنتها.

وافقت على ذلك حيث قاما باستئجار سيارة أجرة وانطلقا حيث توجد الصغيرة، عندما وصلت السيدة وجدت ابنتها نائمة لم تصدق عينيها وهي لم تشاهد ابنتها منذ فترة، فأخذتها في أحضانها، وبكت من شدة الفرح وكذلك الطفلة بعد عناق طويل بحثت السيدة عن الخاطف فلم تجده فقد استغل انشغالها مع ابنتها وتسلل في الظلام عبر الجبال متجهاً إلى دولة مجاورة. في هذه الاثناء كانت الشرطة تحاول تتبع الحقيبة عبر الجهاز المثبت بها لكنها فوجئت بأن الحقيبة لا تزال عند محطة الكهرباء القديمة ولا أثر للرجل والسيدة.

عبر هاتفها النقال استطاعت السيدة تحديد مكانها، وعندما وصلت الشرطة إليها بدأت في البحث عن الخاطف.

في اليوم الثاني تم العثور عليه حيث كان ملقى بين الصخور بين الحياة والموت منهكا من شدة الجوع والتعب والخوف، ثم نقل الرجل الى المستشفى ووضع تحت الحراسة كي يقدم للمحاكمة في حين أقامت أسرة (ك) احتفالا كبيرا بعودة الصغيرة وسلامتها.

بعد يومين بدأ الخاطف يفيق وكان باستطاعته أن يتكلم وعندما أفاق كانت المفاجأة أكبر مما يتصورها إذ كانت الصغيرة ووالدها ووالدتها يقفون بالقرب من سريره، والصغيرة تحمل باقة ورد قدمتها له. لم يتمالك نفسه من البكاء ثم ترك سريره ونزل الى قدمي (ك) يقبلهما ويطلب السماح.

أخبره (ك) بأنه ذهب إلى مركز الشرطة وتنازل عن حقه وحق ابنته الشخصي ثم أعطاه مبلغاً من المال وقبل أن ينصرف قال له شكراً لك لأنك لم تؤذ ابنتي، دخل الرجل في موجة من البكاء وهو يقول :أنا لست مجرماً الظروف هي التي دفعتني إلى هذا.

إعداد: أحمد سلطان