هي أم المؤمنين حفصة.. بنت أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب الذي أعز الله به الإسلام، وأمها زينب بنت مظعون؛ صحابية جليلة، وأخوها عبد الله بن عمر أول من دخل الإسلام من الأسرة العُمرية ؛حتى قبل أبيه.. فرضي الله عنهم أجمعين.
وأمنا السيدة «حفصة» لها مآثر كثيرة وصفات جليلة، ورثت بعضها من أبيها منذ الصغر، وتحلت ببعضها عندما دخل نور الإسلام إلى قلبها وهي في مستهل حياتها لها مع القرآن قصة طويلة، فقد أحبته بكل كيانها، ودرسته وحفظته ووعته وكانت تلقب في عصرها بحافظة المصحف الشريف.
ولدت السيدة حفصة في العام الخامس قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما كبرت وكَثر خُطابها لم يوافق أبوها إلا على أحسنهم فكان زواجها من «حذافة بن قيس بن عدي السهميّ القرشي» وقد كان حُذافة من أوائل المسلمين الذين شرح الله عز وجل قلوبهم للإسلام، فكان من أصحاب الهجرتين؛ هاجر إلى الحبشة مع المهاجرين الأوائل ثم إلى المدينة، وشهد حذافة موقعة بدر وأُحد ثمّ مات متأثراً بجروحه، بعد أن ترك وراءه أرملته الشابة حفصة وهى مازالت ابنة الثامنة عشرة.
عادت حفصة إلى بيت أبيها يكسوها الحزن وتملأ نفسها الوحدة، فتأثر أبوها بها أيما تأثر، وقد كان سيدنا عمر رضي الله عنه على الرغم من شدته المعهودة وصرامته المتعارف عليها إلا أنه تخلق بروح الإسلام واتصف برحمته فكان أباً حانياً ورحيماً بأبنائه.
وكانت مشاعر الأسى والحزن تملأ قلبه يوماً بعد يوم كلما رأى ابنته على حالها..ولم يتردد سيدنا عمر طويلاً، فقد كان رجلاً حكيماً لا يسمح للمشاكل أن تغتاله بل كان هو من يتغلب عليها..فما أن انقضت شهور عدة ابنته؛ حتى أخذ سيدنا عمر رضي الله عنه يبحث لابنته عن زوج صالح تأنس به في وحدتها، وربما تُرزق منه بطفل صغير..ولعل الأب المسلم هنا عليه أن يتأسى بما فعله عمر مع ابنته، فيهتم بشأنها وييسر أمر زواجها، بل يسعى هو بنفسه للبحث لها عن زوج مناسب، ولو حدث ذلك لصلح أمر الفتاة المسلمة بل الأسرة المسلمة بكاملها.
ولقد حدث لسيدنا عمر في هذا الشأن أمر لطيف لا يخلو من الفكاهة المؤلمة...
أول ما فكر عمر لابنته في زوج بدا أمامه «أبو بكر الصديق» فهو صفي النبي صلى الله عليه وسلم، وأول من آمن وأول من بايع، وهو بطبعه الوديع الحكيم سوف يحافظ على ابنته، ولم يتردد عمر بل سعى من فوره إلى أبي بكر، فحدثه عن حفصة، والصديق يستمع إلى عمر في عطف ومواساة ولما عرض عليه عمر الزواج من ابنته الشابة التقية.. أمسك أبو بكر عن الإجابة وصمت ولم يجب عليه ! تعجب عمر من موقف أبي بكر وانصرف وهو لا يكاد يفهم موقف صاحبه منه ومما بدر منه..!
لم يستسلم عمر رضي الله عنه ولم يقل: «ولمَ أُعرض حالي إلى هذا الموقف!» ولم يترك ابنته تواجه صعوبات الحياة بمفردها بل وقف بجانب ابنته وقفة سجلها له التاريخ وكانت سبباً في فرحه وعزته فيما بعد...
ذهب الأب الحنون إلى شخص آخر ترتاح له نفسه ورأى فيه الزوج الذي يصلح لابنته، ذهب إلى «عثمان بن عفان» الذي ماتت عنه زوجته السيدة «رُقية» بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذهب إليه وهو يجر خطاه وهو ما زال متذكراً لمهانة الرفض من أبي بكر، وإن حاول جهده أن يكظم غيظه، فلعل الله قد اختار لحفصة عثمان...وظل يصبر نفسه حتى فاتح عثمان في الأمر فما كان من عثمان إلا أن استمهله عدة أيام ثم حدث منه أشد ما حدث من أبي بكر، فإذ به يأتيه بعد يومين أو أكثر بإجابة لم يتوقعها عمر ! فقال له ما نصه «ما أريد أن أتزوج اليوم».
فاغتاظ عمر من قسوة الموقف، واشتد به الغضب فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو صاحبيه.. أمثل حفصة في شبابها وتقواها وشرفها تُرفض..؟ واستأذن عمر في الدخول على رسول الله وما يملك نفسه من غضب وقهر... فتبسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له قولته الشهيرة «يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، وتتزوج عثمان من هي خير من حفصة»...
فظل الأب الحنون مأخوذاً من المفاجأة أيتزوج النبي ابنته حفصة ؟ فيا له من شرف عظيم لم يخطر لعمر ببال... ولكنه الله العظيم الذي أراد أن يكافئ هذا الأب الحنون وتلك الابنة المؤمنة التي ما نسيت ربها في شدتها بل كانت تصوم نهارها وتقيم ليلها وتدعو ربها بأن يفرج كربها فما كان من الله العظيم إلا أن رزقها وأباها خير زوج إلى قيام الساعة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرفها بأن تنادى بأم المؤمنين. كانت حفصة هي ثالث الأمهات المؤمنات بعد أمنا سودة بنت زمعة، وأمنا عائشة بنت أبى بكر.
عُرِفَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمته بزوجاته وعدم التشدد معهن وقد كن أحياناً يراجعنه وربما يظل يومه غضبان..ولما عَرف عمر ذلك ذهب إلى ابنته محذراً من أن تغضب زوجها رسول الله ولكن يبدو أن ذلك لم يحدث فطلق رسول الله حفصة طلقة واحدة، ولما علم أبوها بذلك حزن حزناً شديداً إلى حد البكاء..!
وتألمت السيدة حفصة وندمت على شدة مراجعتها لنبي الله فما كان من الله عز وجل إلا أن ترفق بها وبأبيها فنزل سيدنا جبريل عليه السلام بأمر من رب العالمين، وقال للنبي: «ارجع حفصة، فإنها صوامة، قوامة، وإنها زوجتك في الجنة».
إعداد: جيهان محمود