قال الشيخ: ما زرت مقبرة يوماً إلا وذكرت ما أوصى به أبو العلاء المعري بأن ينقش على قبره: هذا الذي جناه علي أبي ولم أجن على أحد فأبو العلاء لم يتزوج ولم ينجب أولاداً ـ ولم أجن على أحد ـ لأنه على ما يبدو من كلامه كان يرى في الحياة الإنسانية عبئاً ثقيلاً وامتحاناً عسيراً كأنه يردد أصداء السورة الكريمة (العصر): (والعصر إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).

قال الإمام الشافعي رحمه الله في معرض حديثه عن إعجاز القرآن: لو لم يكن فيه إلا سورة العصر لكفتهم.

خلق الإنسان من طين، وجُبل بأخس الشهوات والغرائز، ومزجت جبلته بالأهواء والرذائل، فهو هلوع جزوع منوع وهو بخيل شحيح ـ ولا ينجو يوم القيامة إلا من زحزح عن شحه ـ وهو من وصفه رب العزة «قتل الإنسان ما أكفره».

ها هي الايام تبرز صورة الإنسان على حقيقتها المرة، حتى سئم البرتو مورافيا وأصاب كامو الغثيان ولجأ كولن ويلسون إلى اللا انتماء، ووقفت البشرية وراء هذه النخب على شفا هاوية من انعدام المعنى والقيمة ومن الانتحار.

الحياة بلا إيمان بالله وبلا حب له ولرسوله تجارة خاسرة ومأزق عسير و«مقلب» كبير، قوة سرعان ما تنتهي إلى ضعف، وصحة سرعان ما تنتهي إلى مرض، وشباب يذوي سريعاً، وهوى يؤول صريعاً، حياة لا تبدأ إلا لتنتهي، ولا يغتر بها إلا المعتوه الغبي.

لم أفهم حتى الآن سر تعلق الإنسان بأسطورة الفناء، وهل تساوي متع الحياة الضئيلة ما يستحق أن يرجح الإنسان العدم على الحياة الأخرى. قيل لي يوماً ان رجلاً استمع إلى قول يرجح أن الكافرين بعد أن يذوقوا عذاب جهنم ألواناً يفنيهم الله كالحيوان، فآلمه العدم ولو كان وسيلته الوحيدة للنجاة من جهنم لا أصابكم الله بعزيز، عندما يقف الواحد منا عند فقد حبيب يكاد يجن ويذهل عن عقله واتزانه، ولولا الإيمان بالله واليوم الآخر، والأمل باللقاء في جنة عرضها السموات والأرض، والإحساس بالقدرة على التواصل مع الراحل وإهدائه ثواب الأعمال الصالحة والدعاء له لكان فقد الأعزاء مصيبة مرة كالعلقم.

يقول شاعرنا «مأمون شقفة»:

ياليتني كنت صغراً لا يعاقبني

ربي على أي ذنب أو يحاسبني

لكنني كنت إنساناً وذلك

فضل الكريم لعل الله يرحمني

على كل منا أن يختار بين أن يكون إنساناً أقرب إلى الحيوان، كل نصيبه ملذات عابرة، تخترقها آلام ومصائب ومصاعب، ثم يكون الموت كالعدم أو الفناء إن شاء الله وكخطوة إلى جهنم وساءت مصيراً، وبين أن يكون إنساناً كرمه الله وشرفه فأباح له الطيبات وهو يثيبهُ على إتيانها، فإن أصابه ضر صبر فسما وارتقى وإن ناء بكدحه احتسب تعبه وإرهاقه عند ربه في حياة أخرى لا تزول ولا تفنى. ثم هو في كل الأحوال ومع مرور الأيام وتوالي السنين مقبل على رب كريم ومن أسمى آيات كرمه وصوره المتجلية أنه ارتضى مع غناه واستغنائه أن يكون محبوباً ومحباً للإنسان الذي خلقه بيديه.

هل تلذ الحياة وهي تمضي سراعاً في كدح وكبد وصراع وتقاتل وأثرة وشح وأنانية وحرص وملذات عمرها قصير وآلام وجعها خطير، ثم ضعف وانحدار ومرض وشلل، ثم موت وعدم ونهاية وفناء «قتل الإنسان ما أكفره».

أيها الإنسان الخاسر ما الذي يجعلك تصر على الخسران، ما الذي يجعلك تصر على أن تبقى حقيراً، ما الذي يشدك إلى الطين والتراب، ما الذي يجعلك تراهن طوال عمرك على السراب، سراب يسلمك لسراب، ووهم يقودك إلى وهم، وحياتك كلها ظنون وخيال. ألا ترى المنايا تخبط حولك وما أظنها تخبط عشواء، فسيأتي يوم ترى فيه نفسك وحيداً على سريرك لا تقوى على تحريك بدنك، وعيناك تتوجسان في انتظار علائم الموت ورسله، ومن حولك لا تهتم لهم إن صدقوا في أحزانهم أو كذبوا.

ماهر سقا أميني