لاحت بوادر إعادة اللحمة لحركة «فتح» بعد هزيمتها أمام حركة «حماس» في قطاع غزة، عبر إعلان اثنين من كبار قادتها، هما مروان البرغوثي وأحمد حلس، عن دعمهما لحكومة الطوارئ الفلسطينية برئاسة سلام فياض الذي وجد مساندة من واشنطن تمثلت في إعادة تقديم المساعدات الكاملة.
إضافة إلى تطبيع فوري في العلاقات أعلنه الاتحاد الأوروبي. كما أعلنت إسرائيل أنها ستفرج عن أموال الضرائب. في حين ووجهت حكومة فياض بمعارضة إيرانية وتحذير سوري من دعم طرف على حساب طرف، وسط مساع إسرائيلية لاستغلال هذه الأزمة وتفتيت وحدة الأراضي الفلسطينية بترويج رئيس الوزراء إيهود أولمرت في واشنطن فكرة دولة في الضفة الغربية وعزل غزة، وهو ما ترجمته تل أبيب على الأرض، باستئناف ضخ الوقود إلى القطاع مقابل خنقه غذائياً.وأكد الرئيس الأميركي جورج بوش على دعمه للرئيس «أبو مازن» بعد سيطرة حركة «حماس» على غزة.
وقال الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة «تلقى الرئيس الفلسطيني اتصالاً من بوش الذي أكد له على دعمه لقيادته ولسياسته». وأوضح: «عبرت الولايات المتحدة على غرار الاتحاد الأوروبي عن دعمها الكامل للرئيس بعدما أقال رئيس حكومة الوحدة الوطنية إسماعيل هنية وكلف سلام فياض تشكيل حكومة الطوارئ على اعتباره شخصية تحظى بثقة دولية».
ولاحقاً، التقى فياض القنصل الأميركي في القدس جيكوب وايلز، الذي أكد على «إعادة تطبيع العلاقات بين واشنطن وحكومة الطوارئ»، وأضاف وايلز «سنعمل على معالجة الوضع الإنساني والتأكد من ان سكان غزة لن يعانوا نتيجة الأحداث التي شهدها القطاع». واعلنت وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس امس ان الولايات المتحدة قررت اعادة تقديم مساعدتها الاقتصادية «كاملة»الى الحكومة الفلسطينية.
وقالت للصحافيين بعد دقائق من اعلان الاتحاد الاوروبي قرارا مماثلا ان الولايات المتحدة قررت «رفع القيود المالية» التي فرضتها قبل خمسة عشر شهرا على الفلسطينيين، و«تطبيع العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الفلسطينيين».
واشارت الى انه سيتم «اعادة جدولة» مساعدة قيمتها 86 مليون دولار كانت الولايات المتحدة تنوي الافراج عنها للقوى الامنية التابعة لرئيس السلطة الفلسطينية.واضافت: ان بلادها قررت ايضا الافراج عن مساعدة انسانية عاجلة قيمتها
اربعون مليون دولار لوكالة غوث اللاجئين وتشغيلهم (اونروا)، على ان تخصص لسكان قطاع غزة الذي تسيطر عليه حماس. واكدت «لن ندع 5, 1 مليون فلسطيني تحت رحمة منظمة إرهابية ».
وفي نيويورك قال رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت إن «حكومته ستفرج عن عائدات الضرائب الفلسطينية المجمدة (562 مليون دولار)، وستتخذ المزيد من خطوات التعاون مع حكومة (أبو مازن)». وذكر مقربون من أولمرت أن «اللقاء الذي سيجمع رئيس الوزراء اليوم مع بوش سيتركز على إمكانية إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وعزل (حماس) اقتصادياً ودبلوماسياً وعسكرياً في غزة».
والتقى أولمرت أيضاً الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في منزل السفير الإسرائيلي في نيويورك داني غيلرمان، وأكد له على أن «الأحداث الأخيرة في غزة برهنت بأن إسرائيل كانت محقة دائماً في نهجها تجاه حكومة (حماس)»، وعن مسألة نشر قوات دولية بين غزة ومصر، قال مسؤول إسرائيلي إن «هذه الفكرة شطبت من جدول الأعمال، حيث أن مصر تعارض نشر قوة تفصل بينها وبين دولة عربية».
وفي بيان تبنته دول الاتحاد الأوروبي ال27 في لوكسمبورغ، أعلن الاتحاد أمس «التطبيع الفوري» لعلاقاته مع السلطة الفلسطينية «بعد تعليقها جزئياً منذ وصول حركة حماس الى السلطة.وجاء في النص الذي تبناه وزراء خارجية الاتحاد أن الاتحاد الأوروبي «سيوفر الظروف (لتقديم) مساعدة مالية وعملية عاجلة» إلى السلطة الفلسطينية «تشمل مساعدة مالية مباشرة للحكومة» الفلسطينية.
وقبيل توجهها إلى لوكسمبورغ لحضور اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، قالت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني إن «إسرائيل ستنتهز فرصة أتاحتها لها الانقسامات السياسية بين الضفة والقطاع». وأضافت «يجب أن نستغل هذا الانقسام حتى النهاية، إنه يفرق بين المعتدلين والمتطرفين».
وبعد وصولها لوكسمبورغ قالت ليفني إن إسرائيل مستعدة لان تدفع للحكومة الفلسطينية الجديدة مبلغ 600 مليون دولار من أموال الضرائب التي جمعتها باسم السلطة الفلسطينية والتي كانت تحتجزها منذ وصول حماس الى السلطة مشيرة مع ذلك إلى وجود «تفاصيل» يجب تسويتها.
وقالت: إن «إسرائيل ستعمل مع رئيس (السلطة الفلسطينية) محمود عباس و(رئيس الوزراء) سلام فياض على تحويل هذه الأموال». وأضافت: «على إسرائيل وفياض ان يتفقا على التفاصيل وعقد اجتماع لدراسة القرارات» لكننا «لا نبحث عن ذرائع لنقل هذه الأموال». ولم تحدد موعدا لتحويل المبالغ المستحقة للسلطة الفلسطينية.
وأعادت إسرائيل عملياً ضخ إمدادات الوقود بالكامل إلى القطاع بعدما أوقفتها، لكنها أصدرت بالمقابل أوامر بوقف شحنات البضائع إلى القطاع. وقلل المسؤول في وزارة الدفاع الإسرائيلية شلومو درور من كارثية هذه المسألة، موضحاً أنها «ترتبط كما ذكرت وزارة المالية الإسرائيلية بالمسائل الجمركية». وقال إن «إسرائيل ستنقل المواد الغذائية جواً إذا لزم الأمر لمنع حدوث كارثة إنسانية في القطاع»، الذي يعيش فيه 5 ,1 مليون فلسطيني. وظلت المعابر الأساسية بين غزة وإسرائيل مغلقة معظم الوقت لعدة أيام.
وفي رام الله واصل أبو مازن خطواته في تصويب أوضاع الأراضي الفلسطينية بعدما عاشت لعام ونصف في حالة فوضى، وقرر حل مجلس الأمن القومي الذي شغل محمد دحلان منصب أمينه العام وبعضوية هنية. وتعهدت حكومة الطوارئ الفلسطينية، التي عقدت أول جلسة لها، باستئناف المساعدات وبسط سلطتها على غزة.
وقال وزير الإعلام الجديد رياض المالكي للصحافيين بعد اجتماع الحكومة في رام الله بالضفة الغربية إن «رئيس الوزراء سلام فياض تعهد بفرض سلطة الحكومة على جميع الأراضي الفلسطينية بغض النظر عما حدث في غزة». لكنه كشف عن أن «حكومة الطوارئ ليس لديها لغاية اللحظة خطة واضحة». ورداً على سؤال بشأن كيف سيفرض القانون في القطاع أقسم وزير الداخلية الجديد عبد الرزاق يحيى بأنه «لا يعرف».
وأفاد تقرير «المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان» في مدينة غزة بأن «الأحداث الدموية الأخيرة في القطاع أسفرت عن مقتل 146 شخصاً، 36 منهم من المدنيين، بينهم خمسة أطفال وثماني سيدات، إضافة إلى إصابة نحو 700 آخرين بجراح خلال أسبوع من الأحداث».
وطالب النائب الأسير مروان البرغوثي في رسالة من تسع نقاط هنية بالالتزام بالشرعية المتمثلة بالرئيس الفلسطيني، مؤكداً على تأيد أسرى «فتح» في سجون الاحتلال لحكومة الطوارئ، كما دعا عضو المجلس الثوري للحركة أحمد حلس إلى إجراء محاسبة شاملة لجميع المسؤولين عن أحداث غزة، مشدداً على «ضرورة بقاء كوادر (فتح) في غزة والعودة إلى أماكن عملهم والالتزام بقرارات الحكومة الجديدة حتى لو كلفهم ذلك الموت على أيدي ميليشيات (حماس)».
وجددت كتلة «حماس» البرلمانية رفضها حكومة فياض، بدعوى أنها لم تأخذ الموافقة من المجلس التشريعي. ووصف الناطق باسم الكتلة صلاح البردويل في مؤتمر صحافي عقد في مقر المجلس التشريعي في غزة «الحكومة بـ (حكومة دايتون) وبـ (غير القانونية)»، مؤكداً على تمسك الحركة «بالشراكة السياسية ووحدة الوطن ووثيقة الوفاق الوطني». وحذر من «التمادي في الجرائم القانونية».
ووجه رسالة إلى الدول العربية بضرورة ترجمة قرار مجلس وزراء الخارجية العرب بتقصي الحقائق عملياً. ودعا أبناء الشعب الفلسطيني إلى المزيد من التسامح والإخاء والبعد عن الاقتتال فيما بينهم. وأعلن نائب وزير الخارجية الإيراني مهدي مصطفوي عن أن «حكومة الطوارئ التي شكلها (أبو مازن) مخالفة للديمقراطية». وقال إن «تشكيل حكومة طوارئ فلسطينية تزيد من حدة التوتر السياسي في فلسطين المحتلة». وتابع «لطالما نصحنا المجموعات الفلسطينية بإجراء محادثات لتعزيز حكومة إسماعيل هنية لأننا نعتبر أن الأعمال التي تضعف هذه الحكومة غير مفيدة».
ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية عن وزير الخارجية منوشهر متقي «دعم طهران إلى حركة (حماس)» وتابعت أن «الحكومة الإيرانية تلقي باللوم على الولايات المتحدة وغيرها من الأطراف الأجنبية في الأزمة الفلسطينية الداخلية». وفي دمشق، دعا وزير الخارجية السوري وليد المعلم الفلسطينيين إلى «وحدة الصف». وحذر من «دعم أحد الأطراف على حساب الطرف الآخر» في رده على موقف دمشق من حكومة الطوارئ، داعياً إلى «المساعدة في فك الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني». وجددت الحكومة السعودية موقفها الداعي إلى «وحدة الفلسطينيين»، وناشدت «القادة الفلسطينيين الذين تعاهدوا أمام الكعبة المشرفة بألا يتقاتلوا بالعودة إلى الحوار».
