أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي عن إنشاء «مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم» لإطلاق جهود التنمية العربية الإقليمية. وقال سموه: إن المبادرة التي خصص لها وقفا بمبلغ عشرة مليارات دولار (37 مليار درهم) «تستهدف إعداد أهل المعرفة ومجتمع المعرفة في منطقتنا وذلك بتقديم الدعم للعقول والقدرات الشابة والتركيز على العطاء للبحث العلمي والتعليم والاستثمار في البنية الأساسية للمعرفة».

وجاء الكشف عن هذه المبادرة الأولى من نوعها في المنطقة في توقيت بالغ الأهمية والحساسية، حيث تشير الأرقام الإحصائية إلى أن الدول العربية تقع في ترتيب متأخر في المجالات العلمية والمعرفية والتعليمية مقارنة مع باقي دول العالم. وقد أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أن «عبور الفجوة المعرفية ليس موضوعا قابلا للتأجيل وليس خيارا متاحا بين خيارات عديدة.. إنه الخيار الوحيد الذي لا بديل عنه». وحدة الدراسات في صحيفة «البيان» نظمت ندوة حول هذه المبادرة وأهميتها تحت عنوان:«مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم.. التنمية العربية برؤية معرفية»تحدث المشاركون عن الواقع العلمي العربي وسبل معالجة مكامن الخلل للخروج من فكر الهزيمة الذي يسود قطاعا واسعا بعد هزيمة عام 1967. ودور الوقف الخيري ومدى إسهامه في دعم مشروع مؤسسة الشيخ محمد لنشر المعرفة العربية والنهوض بالأمة العربية والإسلامية، وركز المحدثون على أهمية المؤسسة في التأسيس لنهضة معرفية وعلمية واعدة بالإضافة للاستفادة من العقول العربية والإسلامية المهاجرة خدمة للمشروع العربي الإسلامي الحضاري وإعادة لمساهمة هذه الحضارة في رفد وريادة الحضارة العالمية كما حصل في عصور كثير زاهية.

ردود ومساهمات

وقد وصلتنا عدة ردود ومساهمات من المدعوين للمشاركة في الندوة ولكن حالت الظروف دون تمكنهم من الحضور و«البيان» تقوم بنشر هذه المساهمات تباعا ونبدأ اليوم بنشر دراسة للدكتور احمد عبد العزيز الحداد والذي شارك في الندوة ولكنه رأى أن مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد تستحق منه المساهمة بشكل أوسع وفيما يلي نص الدراسة:

طالما كنت أتمنى أن يظهر من بيننا من يجدد مجد أمتنا الإسلامية السليب أو الضائع بالأحرى، في الريادة المعرفية التي صدرناها سابقاً لغيرنا، ثم تقاعسنا وسبقونا فيها حتى أصبحوا كأنهم أهلها ويرون أنهم أحق بها دون سواهم.

فنحن الذين أنشأنا المعارف في الطب والفيزياء والرياضيات والبصريات... فضلاً عن أننا أمة نظام تشريعي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ونحن الذين طوعنا الفلسفة اليونانية والإغريقية وجعلناها معارف إسلامية وعربية.

كذلك كنا من قبل، ولكن ما الذي حل بنا حين تأخرنا وتقدم غيرنا ؟!

أنه لا يكفينا أن نتغنى بالماضي حتى نوصله بالحاضر والمستقبل كما قال الشاعر الحكيم:

لسنا وإن كنا ذوي حسب

يوما على الأحساب نتكل

نبني كما كانت أوائلنا

تبني ونفعل مثلما فعلوا

وذلك لنكون جديرين بالخيرية الإنسانية التي منحنا الله تعالى إياها بقوله:(كنتم خير أمة أخرجت للناس).

ولقد كان يعتصرني الألم يوم أن أقرأ أن رجلاً مثل بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت الذي يعتبر أكبر أثرياء العالم حيث تقدر ثروته ب50 مليار دولار سيخصصها للعمل الخيري، وتلاه وارني بافيت، ليفعل مثله ويتبرع ب37 مليار دولار للأعمال الخيرية، وذلك من خلال مؤسسة بيل وملندا غيتس.وكذلك حينما أقرأ أن كثيراً من الجامعات الأمريكية والأوروبية العريقة تعيش على الوقف.

فكنت أقول: هذا منهجنا وتاريخنا فكيف ذهب عنا، لقد كانت بلاد مصر والشام واليمن والأندلس والمغرب التي عرفت بالنهضة العلمية الرائدة حتى كادت الأرض تفاخر السماء بكثرة العلماء، لاسيما في القرن السابع بعد سقوط الدولة الإسلامية، بفعل الوقف الذي عمرت به المساجد والمدارس والزوايا.. فكانت له تلك المخرجات من العلماء الأعلام والذين يعدون من عظماء البشرية، أمثال الخوارزمي وابن سينا وابن رشد والرازي وابن الهيثم وابن خلدون وابن بطوطة وغيرهم كثير في العلوم الشرعية تفسيرا وحديثا وفقها وأصولا ولغة والعلمية طبا وحسابا وبصريات واجتماعيات وفلكا ومساحة وغير ذلك... فضلا عن كونهم من علماء الإسلام الشرعيين.

فنحن الذين سبقنا غيرنا في الأوقاف الإسلامية التي عم خيرها الإنسان والحيوان والبلدان..نحن الذين أوقفنا الوقوف الكثيرة لسائر أبواب البر والحاجة الإنسانية والحيوانية والبيئية، فما من بلد من بلاد الإسلام إلا وقد كان أهلها يعيشون في واحة وارفة الظلال من الأوقاف الخيرية والذرية والأهلية..

الوقف الإسلامي

فالمدارس والمساجد والربط والزوايا والآبار والطرقات والجسور والمستشفيات والعلماء والفقراء والأيتام وأبناء السبيل والغارمون ومريدو الزواج والحجاج والمجاهدون وأهل الثغور ودوابهم وأنواعهم، والأرقاء وإجراء الأنهار وإنشاء البساتين والحدائق والمزارع... كل ذلك وغيره كان يعمره الوقف الإسلامي الذي يفعل ابتغاء رضوان الله والدار الآخرة، عملاُ بقوله سبحانه: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) الذي ما أن طرق أسماع الصحابة حتى امتثلوه، فقد جاء أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه يقول لرسول صلى الله عليه وسلم:

«إن أحب أموالي إليّ برجاء - بستان له فيه ماء طيب- فضعه يا رسول الله حيث شئت» كما أخرجه البخاري ومسلم، وكذلك غيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كسعد بن أبي وقاص، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كما قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف.

وسار على نهجهم أصحاب القرون المفضلة، وعصور الإسلام الأولى لعلمهم بفائدة المال، وحاجتهم إليه في المآل، وحبهم للتقرب إلى الملك المتعال. في الوقت الذي لم يكن العالم الغربي أو الشرقي يعرف مثل هذه الأوقاف ولا تلك الإسهامات العظيمة التي يفعلها أبناء المجتمع المسلم لبلدانهم وإخوانهم. كما تدل عليه رسالة: جورج الثاني ملك إنكلترا والسويد والنرويج،لهشام الثالث أحد ملوك الأندلس. فقد جاء فيها ما نصه:

الرقي العظيم

فقد سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الضافي معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة، فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج هذه الفضائل لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم لنشر أنوار العلم في بلادنا التي يحيط بها الجهل من أركانها الأربعة..وقد وضعنا ابنة شقيقنا الأميرة: دوبانت على رأس بعثة من بنات أشراف الإنكليز لتشرف بلثم أهداب العرش والتماس العطف وتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم، وفي الحاشية الكريمة والحدب من قبل اللواتي سوف يقمن بتعليمهن.

فأجابه هشام الثالث ملك الأندلس بقوله:

اطلعت على التماسكم، فوافقت على طلبكم بعد استشارة من يعنيهم الأمر من أرباب الشأن، وعليه نعلمكم أنه سوف ينفق على هذه البعثة من بيت مال المسلمين دلالة على مودتنا لشخصكم الملكي.

هكذا كان المسلمون في الأندلس ودمشق وبغداد والقاهرة وغيرها من الرقي العلمي والتقدم الحضاري بفعل اهتمامهم بالعلم والعلماء، فلم يألوا جهدا ولم يدخروا وسعا في تقدم أمتهم، كل بما يستطيع فعله وبذله من أفراد ومؤسسات.

حتى تقاعس المسلمون عن واجبهم الإنساني و الإحساني، بينما ربهم سبحانه يندبهم بمثل قوله جل شأنه:(إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم) فنسي المسلمون في عصرنا هذا- عصر الانحطاط الثقافي والعلمي والصناعي والحضاري- واجبهم نحو أنفسهم وأمتهم، فلم يقم الوقف بدوره في شيء مما كان يقوم به عند سلفنا؛ اتكالاً على ما تقوم به الدول أحياناً، بينما هي قد لا تقدر على القيام بواجب قيام نفسها كدولة، أوشحاً في المال مع جهل بحقيقة وضعه، وما ينبغي أن يكون عليه..

بينما نرى أثرياء الغرب والشرق عرفوا كيف يوجهون المال نحو تنمية الفرد والمجتمع والبيئة والصناعة والإنسان والحيوان.. فأوقفوا الوقوف الكثيرة لإنشاء الجامعات ومراكز الأبحاث والبرمجيات..فتقدموا كثيراً ومازالوا يتقدمون بسرعة الصاروخ، وأمتنا إن مشت لا تعدو مشي السلحفاة..

فما زال يعصرني ألم على هذا الوضع الذي تمر به الأمة الإسلامية في هذا المجال بالأخص الذي هو مفتاح التقدم العلمي والمعرفي، حتى جاء هذا الرجل الموهوب الذي يعتبر فلتة من فلتات الدهر في أمتنا الإسلامية والعربية؛ إنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم - حفظه الله ووفقه- فبدأ يحمل هم الأمة العربية والإسلامية ؛ يفكر كيف يساعدها، كيف ينهض بها، بدأ يفكر في ملء البطون الجائعة، فأنشأ لها مؤسسة محمد بن راشد للأعمال الخيرية، وفكر في بُعد كثير من أبناء الأمة عن كتاب ربها وعن علمائهم الأفذاذ، فأنشأ جائزة القرآن الكريم العالمية.

وتكريم الشخصية الإسلامية، فلم ترويا غليله مع كبير أثرهما وكثير نفعهما إقليمياً وعالمياً، ففطن إلى سر تأخر الأمة ومفتاح تقدمها، وأن ذلك هي المعرفة بمفهومها الشامل التي أسلمنا قيادها لغيرنا، ففتحوا بها الآفاق وركبوا بها الطباق وفتحوا كنوز المعارف الفيزيائية والذرية والبيولوجية... وملكونا صيتها، فأصبحت لهم الريادة والتحكم بالبشرية، ينفعونها حيناً ويضرها أحياناً أخرى، لأن الذين ملكوا مفاتيح العلوم نظر كثير منهم إليها من زاوية المادة والكسب، لا من زاوية الوازع الديني، أو الضمير الأخلاقي، أو الحس الإنساني...

تدمير البشرية

فقد أنتجوا لتدمير البشرية الأسلحة الفتاكة من جرثومية وذرية وبيولوجية الكثير الخطير؛ فمنهم من يملك ما يدمر العالم مئتي مرة، ومنهم الأقل أو الأكثر، ومنهم من أنتج ما يفسد النوع البشري الإنساني الكريم على الله بالاستنساخ الهمجي؛ إلى غير ذلك من أنواع الفساد باسم العلم؛ لأنهم لم يؤصلوا العلم على قيم إسلامية أو إنسانية (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) .

ومنهم من نفع كثيراً فأثمر علمهم كهرباء وهاتف وإذاعة وتلفزيون وسيارات وطائرات وطب وهندسة بشرية ومدنية وزراعية.. وغير ذلك مما أفاد كثيراً، وإن خلا عن إرادة وجه الله والدار الآخرة، غير أن الله لا يخيبهم من فضله فأعقبهم في دنياهم ثناء عطراً وذكرى حسنة، فكانوا خالدين في هذه الدنيا بالذكر الحسن، والذكر للإنسان عمر ثان...

وقد دعا إبراهيم عليه السلام ربه بقوله: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) قال المفسرون هو: الثناء الحسن. فلذلك كل الديانات السماوية تنشد دين إبراهيم عليه السلام؛ لأنه أتى بدين يتماشى مع الفطرة الإنسانية، فنال إبراهيم عليه السلام ثناء أهل الديانات كلها، وكلها تفتخر بالانتساب إليه، لما أتى به من حنيفية سهلة مائلة عن الأديان الباطلة، فكان حيا في قلوب العباد، وهذا ما أشار إليه المتنبي بقوله:

ذِكرُ الفَتى عُمرُهُ الثاني وَحاجَتُهُ

ما قاتَهُ وَفُضولُ العَيشِ أَشغالُ

وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو دعوته ومن نسله هو أولى الناس به وأمته من بعده كذلك كما قال الله تعالى: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) وقال الله تعالى لنبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:(ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين)وكان صلى الله عليه وسلم يقول عن نفسه: بعثت بالحنيفية السمحة.كم أخرجه أحمد وغيره من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه. وقد جاء الدور الآن للأمة الإسلامية لتنهض وتعود للصدارة و الريادة من جديد..

وذلك بفعل المبادرة السخية التي قدمها زعيم النهضة الحديثة والطود الاقتصادي والفكري والسياسي العظيم؛ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم- أمده الله بمدده وزاده بسطة في العمر والتوفيق - بإطلاق جهود التنمية العربية والإقليمية، والتي رصد لها عشرة مليارات دولار، أي 37 مليار درهم. والتي بدأت تشق طريقها للبناء المعرفي في الأمة العربية والإسلامية.

. وهي مؤسسة عابرة لحدود الإمارات، يمكن أن تصل كل بيت عربي ومسلم، إذا وجدت الاستعداد الذهني والفكري في شباب الأمة..فهي تبحث عن العقول النابغة لتؤهلها بتملك المعرفة المعاصرة، من حيث انتهت عند الأمم والشعوب، وتبحث عن الطاقات الكامنة التي لم تجد جذوة نار تشعلها فتضيء سماء المعرفة الإسلامية والإنسانية...

فقد أدرك سموه حفظه الله ورعاه أن البناء العمراني، والتخطيط الحضري هو أسهل ما يمكن فعله للبشر، لأنه عبارة عن استيراد عقول وطاقات ووضعها على الأرض، غير أن المحافظة على هذه الحضارة وتطويرها، وابتكار أساليبها لا يمكن أن يكون في أيدي غير أبناء الأمة إلى الأبد، فإنه إن كان الأمر كذلك سنظل في أسرهم فهم يحكمون ويعطون ويمنعون، وقد قالوا:

لن يبلغن شعب إلى أوج العلا

ما لم يكن بانوه من أبنائه

فالدول التي سادت اليوم هي أقل من كثير من بلادنا العربية تخطيطاً عمرانيا وحضاريا،فدبي مثلا سبقت كثيرا من البلاد الأوروبية في التخطيط والتطور الحضري،فلم يؤثر عليه تقدم دبي عليها في ذلك، لأنها تملك زمام المبادرة، فلذلك يضرب بها المثل في التقدم، ولا يضرب بنا كذلك إلا قليلاً.. لأننا لا نملك زمام المبادرة في التقدم المعرفي، وقد كان يقول الشيخ زايد رحمه الله تعالى، وكررها الشيخ محمد كثيرا: إن بناء الإنسان أهم من بناء البنيان، وأن الثروة الحقيقية هي بناء الإنسان الإماراتي لأنه هو الذي يصنع الحضارات.

فأدرك الشيخ محمد من أين تؤكل الكتف كما يقول المثل السائر، فبادر إلى هذا العطاء السخي، ليكون أول نقطة من عطاء أثرياء أمتنا العربية والإسلامية، الذين تبلغ ثرواتهم نحو 800 مليار دولار 90 % منها في الدول الخليجية،وأكثر من ثلثي هذه الثروة تعيش في الدول الخارجية، وتنفع أبناء تلك الدول، كما بينتها بعض الإحصائيات المنشورة، أي أنها على خطر عظيم من العود لأصحابها، كما هو مشاهد...

فإذا تبعه آخرون بمثل عطائه أو أقل فكم يا ترى سيكون زخم التقدم العلمي لدى أوساط شبابنا وشاباتنا،في فترة قياسية لأننا سنبدأ من حيث انتهى الآخرون، وهذا أسهل بكثير من البداية من نقطة الصفر، وعندئذ سنرى كيف ستتحول مراكزنا البحثية البسيطة والبدائية من حقول تجارب إلى مزارع إنتاج تثمر ويُحصد فيها الكثير الخير الوفير.

فلو أن ربع هذا المبلغ استُثمر في البناء المعرفي ـ ولا نقول وقف لوجه الله تعالى- كما فعل الشيخ محمد فلعله لا يبارى بذلك، وإن كان أملنا في أثرياء الأمة كبير بعد أن سن لهم هذه السنة الحسنة، التي سينال أجرها، وأجر من عمل بها من بعده، لو أنه استثمر ربع ذلك المبلغ في البناء المعرفي للإنسان العربي والمسلم، فكم سيكون مردود هذا الاستثمار؟! فكثير من البلاد الغربية لا تملك البترول ولا الغاز..

وهي في أوج الغنى والتقدم الصناعي والتقني، وأمتنا التي تملك الغاز والبترول والمعادن النفيسة، لا تزال في عداد الدول النامية ـ الفقيرة ـ لأن الغنى لا يقاس بالمال بل بالإنتاج والابتكار، فإنتاج الدول العربية مجتمعة لا يوازي إنتاج إسبانيا التي تعد من الدول الأقل غنى بين الدول المتقدمة، فكم نسبة ما تملك كل دولة على الانفراد مهما كان لها من صادرات نفطية وغازية ونحوها..؟!

ولا ريب بأن المسؤولية في هذه وإن كانت مشتركة بين المؤسسات والأفراد، إلا أنها بالمؤسسات الرسمية ألصق، لكن لا يعني ذلك تخلي الأفراد عن مسؤولياتهم، بل يجب عليهم أن يتحملوها كاملة، فلئن كان لبعض المؤسسات الرسمية عذر بانشغالها بالبنية التحتية للبلاد، وتوفير الأساسيات للعباد، فإنه لا عذر لأصحاب 800 مليار في تخلف أمتهم وبلدانهم..

فإن المال الذي بأيديهم يجب أن يوظف مع ملكهم له - إن لم يجودوا ببعضه - لصالح المجتمعات بالإنشاءات والصناعات، وأهم شيء في ذلك البناء المعرفي الذي تبين أنه حجر الزاوية لكل تقدم ورقي، وأمتنا العربية التي بلغ الجهل والأمية فيها مبلغا مخيفا،حيث اقتربت نسبة الأمية من70 مليون شخص، كما في إحصائية منظمة الإليسكو، وأرجعت المنظمة ذلك إلى الحالة التعليمية المزرية في المنطقة العربية.

النساء والأمية

وقالت المنظمة إن نسبة النساء الأميات في البلدان العربية فاقت 5,46% بينما لم تتجاوز نسبة الذكور1,25 %، ودعت للتركيز على محو أمية الإناث بالمناطق الريفية والفقيرة، فمن المسؤول عن هذه الأمة غير حكامها وأغنيائها؟ فإن ضيعوا واجبهم فإن الله سائلهم عن ذلك.

فقد قال الله تعالى مخاطبا أصحاب الأموال:(وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) فهو مال الله تعالى، وضعه الله في أيديهم ليبتليهم به، هل يؤدون شكره فيفوزون بالأجور، كما قال الصحابة الكرام الفقراء رضي الله عنهم: ذهب أهل الدثور بالأجور؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم.. الحديث كما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وكما قال سبحانه: (إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم) أو يخسرون في الابتلاء، والابتلاء قد يكون بالخير كما يكون بالشر قال سبحانه: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) أو كما قال الناظم:

قد يبتلي الله بالضراء وإن عظمت

ويبتلي الله بعض القوم بالنعم

وسر نجاحهم في الابتلاء أن يوظفوه لصالح أنفسهم ومجتمعاتهم، لا أن يكنزوه في الأرصدة الخارجية التي لا يقدرون على استردادها عند الحاجة إليها، ولا في تنميته بالعدد الرقمي، وقد يكون ربوياً، فإن المال ما نفع لا ما جمع، كما قالوا:

وَمَن يُنفق الساعات في جَمع ماله

مخافة فَقر فَالَّذي فَعل الفقر

والمعنى أن المال إنما يجمع لينفق في الصالحات والمباحات واقتناص معالي الصهوات

وذروة المجد الذي يشترى بأعز الممتلكات، كما قال الشريف الرضي:

اِشتَرِ العِزَّ بِما بيـ

عَ فَما العِزُّ بِغالِ

بِالقِصارِ الصُفرِ إِن شِئـ

تَ أَوِ السُمرِ الطِوالِ

لَيسَ بِالمَغبونِ عَقلاً

مَن شَرى عِزّاً بِمالِ

إِنَّما يُدَّخَرُ الما

لُ لِحاجاتِ الرِجالِ

وَالفَتى مَن جَعَلَ الأَمـ

والَ أَثمانَ المَعالي

نعم يدخر المال ليشتري به العز والسؤود في الدنيا والآخرة، وليس هناك أعز من الأوطان والبلدان، لأن المرء كثير بقومه وشعبه، لا بنفسه وماله، فكم من عزيز إذا تركه شعبه وقومه ذل، وكم من ذليل في نفسه إذا أكرمه قوه عز، والقوم لا يكرمون إلا من أكرمهم، فقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها، كما ورد في الأثر، والإحسان للأمة يخلد الذكرى ويبارك الله تعالى للإنسان في نفسه وماله وأهله وولده.

وهذا هو أجل ما يسعى إليه المرء العاقل، وإذا كان الناس اليوم يتبادرون ليدخلوا في أرقام جينِس العالمية، فلن يدخلوها بأفضل من العطاء السخي للأمة والبلاد، وإذا كان رموز الأمة قد تخلدوا بآثارهم العلمية كالأئمة الأربعة وغيرهم كالرازي وابن رشد وابن سيناء والخوارزمي وابن خلدون وغيرهم كثير، فإن بمقدور أثرياء أمتنا أن يصنعوا مثل أولئك الأفذاذ اليوم ببناء الصروح العلمية والرعاية الخاصة للموهوبين، والمراكز البحثية، ونحو ذلك...

ولا نشك إن شاء الله تعالى أن اللبنة الأولى التي وضعها هذا الرجل الملهم ـ محمد بن راشد ـ ستتبعها لبنات من أغنياء أمتنا الإسلامية والعربية، الذين يرجون الله والدار الآخرة، حتى يكتمل صرح البناء؛ لأنهم يعلمون أن المال ليس مقصوداً لذاته بل لنفعه وأثره، وإلا فإنه قد يكون وبالاً على صاحبه، فيهلكه في الدنيا بإغراء الناس عليه وحسدهم وبغضهم له ومحاولة سلبه ونهبه، وفي الآخرة بما بينه الله تعالى بمثل قوله:(والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم..) الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم تفسيراً لقوله تعالى (ألهكم التكاثر...) يقول ابن آدم: مالي وهل لك يابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت.. كما أخرجه مسلم يعني: وما وراء ذلك فإنما هو مال وارث على من جمعه حسابه، ولوارثه مهنؤه.

وهو يسأل عنه من أين اكتسبه وفيما أنفقه، ولو أنه قدمه أو شيئا منه لدار آخرته لو جد الله غفورا رحيما، ووجد أجره عظيما، كما قال الله تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) وهو إغراء دنيوي وأخروي، فهي نفقة مخلوفة في الدنيا ومزروعة للآخرة، كما قال سبحانه (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين) .

وليس هذا من قول البشر الذي يمكن أن يصدق أو يكذب، بل هذا كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (ومن أصدق من الله قيلا) فهل يشك أحد من المسلمين بل من العقلاء في هذا الوعد من الملك الكريم؟ كلا. غير أن النفوس قد تحجم عن ذلك لعدم المبادرات المشجعة التي تحمل على التأسي، فها هي المبادرة الجريئة قد حصلت فأين أولو الألباب؟

فقد أسمعت - يا شيخ محمد- لو ناديت حيا!!.

وأحياء أمتنا العربية والإسلامية كثيرون بحمد الله إذا وجدوا من يشجعهم ويأخذ بأيديهم ويأنسون لقوله وفعله. فأسأل الله تعالى أن يجعل هذه المبادرة مفتاح خير وبركة على أمتنا الإسلامية والعربية وأن يجعل خيرها وبركتها وثمرتها في ميزان حسنات منشئها، يجد ذخرها وبره وبركتها في دنياه وآخرته يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.