برأت محكمة استئناف دبي أمس المدعى عليهم الستة في قضية الصفقات الوهمية على أسهم بنك دبي الإسلامي، وقضت هيئة المحكمة برئاسة القاضي عدنان الفرا ببراءة المتهم الأول زايد راشد بن عويضة، والمتهم الثاني يحيى عوض الله، والمتهم الثالث جبران عبدالرحمن جبران «زهير كسواني»، والمتهم الرابع خالد أحمد بن مجرن، والمتهم الخامس محمد جبران عبدالرحمن، والمتهم السادس بهاء خالد محمد من تهمة مخالفة أحكام القانون الاتحادي رقم (4) بشأن هيئة سوق الإمارات والسلع، وقضت بمعاقبة المتهم الثاني بالغرامة 20 ألف درهم عن تهمة ممارسة الوساطة دون الحصول على ترخيص من هيئة الأوراق المالية والسلع.
وووجهت النيابة العامة للمدعى عليهم عدة تهم منها التواطؤ في إجراء تعاملات على سهم معين في السوق، والقيام بإجراء عمليات وهمية وتقديم بيانات غير صحيحة لسوق دبي المالي، وكانت المحكمة الابتدائية قد أصدرت برئاسة القاضي أبو النصر عثمان حكما بحبس المدعى عليهم الستة ثلاث سنوات، وتغريمهم مليون درهم لكل منهم وإبعاد غير المواطنين خارج الدولة، كما تضمن الحكم إلزام المتهمين متضامنين بدفع مبلغ مليون درهم لهيئة الأوراق المالية والسلع وسوق دبي المالي كتعويض مؤقت.
وقضت المحكمة بالبراءة بعد أن استمرت قرابة سنة ونصف السنة في محكمة الاستئناف، وتأجلت للحكم وانتظار تقرير لجنة الخبراء لقرابة 12 مرة، وخلص التقرير إلى أن جميع عمليات التداول التي تمت بين المتهمين الأول والرابع من خلال مكتب الوساطة كانت عمليات شراء لحساب المتهم الرابع من حساب المتهم الأول، ولا توجد أي عمليات بيع من حساب المتهم الرابع إلى الأول.
أما بشأن مدى اتفاق التداولات المتمثلة بالصفقات التي تمت بين المتهمين الأول والرابع ونظام السوق، فذكر الخبراء أنه تم تنفيذ جميع التداولات التي تمت بينهما من خلال شاشة التداول وبالأسعار المعلنة وضمن الحدود المسموح بها لارتفاع أو انخفاض سعر السهم، وتمت جميعها من خلال مكتب وسيط واحد، إضافة إلى تنفيذها من خلال أوامر بسعر السوق وأوامر محركة، وأن سعر السهم يتحدد في السوق من خلال العرض والطلب.
وأن التداولات التي تمت بين زايد بن عويضة وخالد بن مجرن والتي لم تتجاوز 5 ,5% من مجموع التداولات على سهم بنك دبي الإسلامي لم تؤثر أو تساهم في توجيه سعر السهم في تاريخ 27 و28 أغسطس الماضي لضآلة نسبتها من مجمل تداولات السوق وبذلك لا يمكن أن تقود السوق، وأوضح أن الصفقات الوهمية تعني أن تتم عملية البيع والشراء بين طرفين فقط ببيعهما نفس الكمية وبسعر محدد، ومتى ما تم بيع هذه الكمية لعدة أطراف كما حدث عند عرض المتهم زايد بن عويضة لأسهمه عرضاً حقيقياً على شاشة التداولات واشترى منه أشخاص آخرون غير المتهم خالد بن مجرن فإن العملية تنتفي عنها صفة الوهمية.
كما أشار التقرير الى أنه لا يوجد ضمن التعليمات والأنظمة المعمول بها في السوق تحديد لعدد الأوامر التي يمكن للمستثمر إصدارها خلال فترة التداول أو تحديد الفترة الزمنية بين إصدار الأمر ( بيعا أو شراء ) والأمر الذي يليه، وبيّن التقرير بالتفصيل دور كل المتهمين بشكل عام ودور كل متهم خلال يومي التداول، وأرفق به حافظة مستندات بالتداولات والأدلة.
وعلق دفاع المتهمين المحاميان سمير جعفر وعلي الشامسي أن حكم البراءة انتصار للحق والعدل، وهو نصر للحق وللمحكمة قبل أن يكون للمتهمين، حيث أن هيئة الاستئناف حققت مع كل الخصوم وأعطت لكل حق حقه، ولما ارتأت الهيئة أنها بحاجة لخبرة متخصصة انتدبت لجنة فنية دققت وفحصت واطلعت على سير السوق والأسواق الأخرى، ومن ثم قدمت تقريرها المتضمن لكل الأدلة والمستندات اللازمة في القضية، والذي خلص إلى أن المضاربات والتداولات في يومي القضية كانت سليمة وعلى شاشة التداول ولا تخالف قوانين السوق.
وعليه فسخت محكمة الاستئناف حكم الابتدائي وأعلنت البراءة، وهذا الحكم المنصف ستعم آثاره على جميع المتعاملين في السوق وبأن السوق يحترم الأحكام ويلتزم بها، وبالتالي يعزز القوة الاقتصادية في التداول، وسيدخل المضاربون السوق وهم على ثقة من عدالة القضاء، كما أن الحكم جاء ليضفي المشروعية على التداولات التي حدثت، مقرا بذلك أنه لا توجد أي مخالفات أو تجاوزات حدثت في يومي الواقعة.
وأوضح الشامسي أن الفترة التي استغرقتها القضية كانت بحاجة للخبرة الحسابية وأنها كانت بحاجة لدراسة الملف، وهو ليس هينا، ولاسيما أنه أول قضية من هذا النوع تعرض على القضاء، وأن الوقت الذي استغرقته القضية لم يصرف هدرا بل مكنت لجنة الخبراء من الوصول للنتيجة العادلة للجميع، والتي لا يمكن انجاز التقرير فيها بأقل من هذا الوقت، والحكم أصاب صحيح القانون والواقع.
وعلق جبران عبد الرحمن أن الحكم هو إنصاف لقضاء دبي خاصة والإمارات عامة، فالقضية كانت شائكة وأغلب الناس كانوا على قناعة بأننا مخطئون، والمحكمة أخذت وقتها لتصدر حكمها بالبراءة وتطمئن كل مواطن ووافد أنه سيحصل على حقه كاملا من غير نقصان، وأكد أن مكتب الشرهان لن يطالب بأي تعويض عن الخسائر التي تكبدها خلال فترة النظر في القضية سواء كانت خسائر مادية أو معنوية، لكون القضية حديثة وأنه حدث التباس في فهم القوانين ومن واقع طبيعة عمل المدعين الذين يحاولون تعزيز استقرار السوق، وهذه الدعاوى تحدث في أغلب الدول إن لم تكن جميعها.
ويعتبر مكتب الشرهان للوساطة من أقدم المكاتب في الدولة والذي أنشئ في 1978 بالشراكة مع عبدالله سلطان الشرهان، واستقل جبران بمكتبه بعد 3 سنوات، ويعتبر مكتب الوساطة محل الدعوى من المؤسسين لسوق الأسهم قبل التنظيم وبعد إنشاء السوق، ومنع المكتب من العمل أثناء نظر القضية في المحكمة الابتدائية وانحصرت معاملاته على عمليات البيع فقط، وسيطالب المكتب بالسماح له بالعودة لمزاولة أعماله بالشراء والبيع معا.
قصة الخبر
تعود تفاصيل قضية صفقات دبي الإسلامي الوهمية إلى يومي 27 و 28 من شهر أغسطس من عام 2005، عندما أجرى المتهمون صفقات وهمية على سهم بنك دبي الإسلامي، وقررت هيئة الأوراق المالية والسلع تشكيل لجنة تحقيق في هذه الصفقات غير الشرعية، ووقف المتلاعبين وشركات وساطة عن التداول مؤقتا لحين انتهاء التحقيق.
وتوعدت الهيئة في بيان أصدرته آنذاك باتخاذ إجراءات عادلة وصارمة بحق كافة المشاركين في التلاعب، مشيرة إلى أن القانون يمنحها صلاحيات رقابية تمكنها من مراقبة الأسواق بدقة والتصدي لأي تعاملات غير سليمة. وبلغت إجمالي تداولات المستثمرين الستة الذين قاموا بتنفيذ الصفقات الوهمية، والتي اضطر على إثرها سوق دبي المالي إلى إلغاء كافة تداولات سهم بنك دبي الإسلامي 7 مليارات درهم، من إجمالي 3,9 مليارات درهم إجمالي تداولات السهم بما يعادل أكثر من 75%.
وبذلك وجهت إدارة سوق دبي المالي ضربة قوية للمتلاعبين بأسعار الأسهم عندما أعلنت إلغاء جميع الصفقات التي جرت في ذلك اليوم على سهم بنك دبي الإسلامي، وأعلن السوق في بيان أنه ألغى سبعة آلاف و844 صفقة اشتملت على 2 ,268 مليون سهم بقيمة 3 ,9 مليارات درهم، بعدما تكشف قيام اثنين من المستثمرين بعقد صفقات وهمية متقابلة بكميات كبيرة على السهم أدت إلى التأثير في سعر السهم الذي سجل لليوم الثاني على التوالي، للحد الأعلى المسموح به ارتفاعاً والذي يصل إلى 30 ,37 درهماً بناء على خلفية شائعة زيادة رأسمال بنك دبي الإسلامي التي نفاها البنك.
ورفعت الصفقات الوهمية قبل إلغائها حجم التداول إلى 1 ,11 مليار درهم مقارنة مع ستة مليارات، وبإلغاء الصفقات أصبح إجمالي تداولات سوق دبي ذلك اليوم 7 ,1 مليار درهم وبدأ التعامل على سهم بنك دبي الإسلامي اليوم التالي بسعر الإغلاق الأسبق وهو 45 ,32 درهماً.
وقال بيان سوق دبي في تلك الفترة إن الصفقات الوهمية التي جرت على سهم بنك دبي الإسلامي أثرت على سعر السهم صعوداً وهبوطاً، ليحقق المتلاعبون أرباحاً سريعة ما تسبب في إلحاق ضرر بالغ ببقية المتعاملين، الذين لم يكن لهم أي دور في تلك المضاربات غير الشرعية، موضحا أن إلغاء تلك الصفقات جاء لحماية حقوق المتعاملين والحرص على الشفافية في التعاملات. وقال إن حجم التداول غير الطبيعي الذي جرى على سهم دبي الإسلامي كان دافعاً لهيئة الأوراق المالية وسوق دبي للتحري والتحقق من مدى قانونية الصفقات المنفذة لردع المخالفين ومنع تكرار التلاعب.
وأوضحت مصادر شركات الوساطة التي تعامل من خلالها المخالفان أن أحدهما خسر قرابة 300 مليون درهم من جراء تعاملاتهما بسبب الحركة المعاكسة للسوق وفشل المخالفين في الوصول إلى السعر المستهدف لتحقيق أرباح خيالية، وحسب المصادر فإن المستثمرين المحليين يمتلكان مجموعة شركات متعددة النشاط وكانا يضاربان بأموال شركاتهما وبدآ بالتلاعب في جلسة السبت بتاريخ 26 أغسطس واستمرا في جلسة الأحد مستغلين شائعة زيادة رأسمال البنك واندفاع صغار المستثمرين نحو الشراء رغم نفي البنك للشائعة.
قضية أخرى مشابهة
وعلى صلة أخرى لا تعتبر هذه القضية هي الفريدة من نوعها بل قامت إدارة سوق دبي المالي باتخاذ قرار في يوم 26 مايو من عام 2004 بإبطال الصفقات التي تمت على سهم بنك دبي الإسلامي، يوم السبت 15 مايو 2004 والتي تبين مخالفتها لأحكام القانون الاتحادي رقم (4) لسنة 2000 في شأن هيئة وسوق الأوراق المالية والسلع والقرار رقم (3) لسنة 2000 الصادر عن مجلس إدارة الهيئة في شأن النظام الخاص بالإفصاح والشفافية.
وجاء في قرار سوق دبي المالي «بعد النظر في توقيت الإفصاح عن قرار مجلس إدارة بنك دبي الإسلامي زيادة رأسمال البنك من خلال الطرح الخاص للمساهمين، وما تم من تداول على أسهم البنك يوم السبت الموافق 15 مايو 2004 والشكاوى المقدمة إلى السوق من قبل بعض المتعاملين بأسهم البنك في هذا الخصوص. وانطلاقا من حرص السوق الدائم والأكيد على سلامة وعدالة التداول وشفافية المعلومات والقرارات ذات الأثر.
وبعد التشاور مع هيئة الأوراق المالية والسلع، واستنادا إلى أحكام القانون الاتحادي رقم (4) لسنة 2000 في شأن هيئة وسوق الإمارات للأوراق المالية والسلع، والقرار رقم (3) لسنة 2000 الصادر عن مجلس إدارة الهيئة في شأن النظام الخاص بالإفصاح والشفافية، تقرر إبطال تلك الصفقات التي تبين مخالفتها لأحكام القانون والنظام المشار إليهما أعلاه من مجموع الصفقات التي تمت على أسهم البنك في ذلك اليوم، واعتبار الصفقات غير المخالفة صحيحة وملزمة». وقام السوق بمخاطبة كافة الأطراف ذات الصلة بالصفقات التي تم إبطالها لتسوية حقوقهم.
وكانت معلومات قد تسربت إلى السوق انذاك وقبل إبلاغ سوق دبي المالي رسمياً من قبل بنك دبي الإسلامي عن اعتزامه رفع رأسماله إلى 3 مليارات درهم، عن طريق إصدار أسهم للمساهمين في البنك الأمر الذي جعل أطرافاً بعينها دون أخرى في السوق تستفيد من المعلومات، حيث ارتفع سعر السهم في 15 مايو 2004 بنسبة 12% وجرى التداول على مليون و280 ألف سهم.
دبي ـ سامية الحمودي