72 ساعة من العمل الشاق والمضني، في مواجهة أعتى أمواج تضرب سواحل كلباء، لم يقفوا خلف السواتر الترابية، بل في مواجهة الأمواج بكل قوة وجرأة وعزم، بجميع الآليات والمعدات المتوافرة، لم تفتر قواهم أو يقل عزمهم ثلاثة أيام متواصلة، لينجحوا في أول اختبار حقيقي يقيس مدى حبهم وتفانيهم للوطن وترابه وأهله، عمال عاديون نزعوا عن أنفسهم الألقاب، وضحوا بساعات الراحة لينقذوا مدينتهم الجميلة من بطش الأمواج العاتية التي خلفها الإعصار «جونو».

يوسف إبراهيم مسؤول العلاقات العامة ببلدية كلباء احد الأشخاص الثمانية الذين عينوا بلجنة الطوارئ قبل مداهمة الأمواج للمدينة بثلاثة أيام، يحدثنا عن تجربته بقوله: انه رغم تضارب الأنباء حول تأثر الدولة أو عدم تأثرها بإعصار «جونو» إلا أن البلدية عكفت على تشكيل لجنة طوارئ للاستعداد للاحتمالات كافة، حيث باشرت اللجنة منذ استلمت مهام عملها بالطلب من بلدية الشارقة بزيادة الآليات وصهاريج المياه، استعدادا لأي طارئ.

وقامت بلدية الشارقة مشكورة بتوفير 60 صهريجاً و70 عاملاً و16 مضخة عملاقة لسحب المياه، ويستطرد يوسف قائلا: صبيحة يوم الثلاثاء بدأ المد البحري بالارتفاع في تمام الساعة الحادية عشرة والنصف، حيث تمكنا من السيطرة عليه في اقل من ساعتين تقريبا، وكأن شيئا لم يكن، ولكننا بقينا على أهبة الاستعداد قريبين من الشاطئ استعداداً لأي طارئ.

وأضاف انه في تمام الساعة العاشرة والنصف من ليلة الأربعاء عاود المد الارتفاع بصورة اشد من المرة الأولى، واستطاع رجال البلدية محاصرة المياه والسيطرة عليها، من خلال عمل وجهد متواصل استمر حتى الساعة السادسة والنصف صباحا، مشيرا إلى أن عودة ارتفاع المد مرة ثانية خلق شعوراً لجميع العاملين بان هناك شيئا ينتظرهم، ما أدى إلى اجتماع عاجل للجنة الطوارئ في الساعة الثامنة صباحا، نوقشت فيها الاستعدادات والإمكانات المتاحة.

وبين إبراهيم انه في تمام الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الأربعاء بدأ المد البحري يعلو شيئا فشيئا، حتى وصل في اقل من ربع ساعة إلى أعلى ارتفاع يسجله المد البحري بكلباء، قد حاولت البلدية حصره في خط الدفاع الأول على شارع الكورنيش حيث كانت تضع السواتر الترابية، لمحاصرة المياه المتدفقة وسحبها بواسطة الصهاريج والمضخات العملاقة.

وفي اقل من نصف ساعة اخترقت المياه خط الدفاع الأول وتوجهت إلى خط الدفاع الثاني «الطريق الذي يسير بالاتجاه من الفجيرة إلى كلباء»، وما هي إلا دقائق حتى راحت المياه تتدفق إلى منطقة سهيلة المأهولة بالسكان، حيث بدأت البلدية بإجلاء المواطنين منها، وبعد اقل من نصف ساعة وصلت قوات الشرطة ورجال القوات المسلحة لدعم إجلاء المواطنين.

وأشار إلا انه بعد ساعة تقريبا أصبحت مهمة سحب المياه وإعادتها إلى البحر غير مجدية، فتوجهت الآليات إلى منطقة سور المحاذية لمنطقة سهيلة والتي كانت بدأت المياه تصل إليها، لتقوم بسحب المياه، للحيلولة دون مداهمة البيوت، وفعلا استطاعت الحد من تأثيرها على المنطقة إلى حد بعيد، مشيرا إلى انه بعد أن هدأ البحر ظل العمل متواصلا لسحب المياه من المناطق المتضررة حتى الساعة السادسة صباحا، حيث استمر كل العاملين لمدة 24 ساعة يعملون بشكل متواصل من دون توقف.

وأكد مسؤول العلاقات العامة ببلدية كلباء أن تكاتف الأهالي مع موظفي وعمال البلدية، الذي تجلى بقيام احد المواطنين المتطوعين بتوزيع المياه والعصير والطعام على جميع العاملين شد من عزيمة العاملين، وشحن هممهم للاستمرار في العمل طوال هذه المدة دون كلل أو ملل.

ثلاثة أيام متواصلة

وأكد محمد إبراهيم الجسمي موظف في قسم الصحة العامة انه استمر في العمل لمدة ثلاثة أيام متواصلة، في أكثر من مهمة، منها المشاركة في إخلاء سكان سهيلة، ومراقب سير يوجه المركبات للطرق الآمنة، وغيرها من المهام التي قام بها من اجل إنقاذ المدينة من المد البحري، مشيرا إلى أن الإعصار أذاب الألقاب، ولم يعد هناك موظف ورئيس، حيث تفانى الجميع بالعمل حرصا على سلامة الأرض وأهلها.

ويذكر من الأحداث الطريفة التي حصلت أثناء الأزمة، انه اضطر إلى إيقاف موكب احد المسؤولين الكبار في الدولة، الذي جاء لتفقد المناطق المتضررة بكلباء، لتمر آليات البلدية التي تقوم بحسر المد البحري الذي اجتاح منطقة سهيلة، ليجد ابتسامة المسؤول الذي هنأه على إخلاصه وتفانيه في العمل.

وأوضح الفاضل أبوبكر جدو رئيس قسم الصرف الصحي أن العاملين بهذا القسم لعبوا دورا بارزا وقاموا بمهام جليلة للتعامل مع أمواج «جونو» ومسح آثاره، حيث بدأوا العمل منذ اللحظات الأولى للمد البحري، وتم تجنيد جميع العاملين والمراقبين للتعامل مع المياه ومحاصرتها وسحبها، ليستمروا بالعمل مدة 24 ساعة متواصلة دون توقف، مشيراً إلى أن تكرار حدوث المد في أوقات مختلفة من يوم الثلاثاء الذي يعتبر اليوم الأول للازمة، جعل العاملين بهذا القسم في حالة ترقب، واستعداد تام لما هو قادم.

وأضاف جدو أن مضخات وصهاريج القسم ظلت تعمل ليلاً نهاراً طوال 48 ساعة، ولم يذق أي من العاملين فيه طعم الراحة حتى سحبوا آخر قطرة ماء من البيوت والشوارع صباح يوم الجمعة، مشيرا انه يوم الجمعة تم تقسيم العمال على دوريتين لتشهد أول دورية الراحة منذ ثلاثة أيام.

وبدأ العاملون بجمع المخلفات التي جلبها المد البحري، وسحب مياه الصرف الصحي من البيوت، ورش المبيدات الحشرية للتخلص من الحشرات الضارة، إضافة للعمل الاعتيادي من جمع المخلفات في المدينة ككل والتي لم تتوقف بتاتا.

وقال نور الدين محمد عبدالله مراقب القسم الصحي، الذي كانت مهمته أصعب المهمات، حيث كان مسؤولاً عن تصريف المياه المتراكمة في الطرق، وتحت تصرفه 16 مضخة لسحب المياه قال انه استمر في العمل 72 ساعة متواصلة.

وانه لم يذق طعم النوم والراحة طوال فترة المد البحري التي استمرت ثلاثة أيام متواصلة، لافتا إلى انه لم يستطع الاطمئنان على أسرته التي داهمتها المياه بمنطقة سور، واضطرت إلى الانتقال إلى مدارس كلباء، ثم فنادق الفجيرة، بشكل مستمر بعد أن سقط هاتفه النقال في المياه.

من جهته قام احمد عبدالرحمن سليمان مراقب قسم الأمن بمهمة لا تقل أهمية عن المهام التي ذكرت سابقا فقد أنيط به وضع السواتر الترابية على السواحل لحماية بيوت المواطنين في خور كلباء، وقام على مدى 24 ساعة بعمل سواتر ترابية على امتداد خور كلباء ومنطقة سهيلة، لمحاصرة المياه وإعادة ضخها إلى البحر.

كلباء ـ فراس العويسي