للحياة وقت معلوم بالنسبة للإنسان وسائر المخلوقات على الأرض فأجله محدود ومعلوم لدى الله تعالى فكل نفس ذائقة الموت ولا مراء في ذلك، وطاقته أيضاً محدودة الأثر، وتكاليفه معلومة لدى العقلاء من الناس فهو مخلوق لغاية سامية وهدف واحد إلا وهو عبادة الله عز وجل في هذه الحياة لأن الهدف من خلق جميع الموجودات على الأرض العبادة.
قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ) «الذاريات56/57 ويوضح لنا المفكر الإسلامي الشهيد سيد قطب ( ت 1966م ) الآية بقوله (وإن هذا النص الصغير ليحتوي على حقيقة ضخمة هائلة، من أضخم الحقائق الكونية التي لا تستقيم حياة البشر في الأرض بدون إدراكها واستيقانها. سواء أكانت حياة فرد أم جماعة. أم حياة الإنسانية كلها في جميع أدوارها وأعصارها.
وإنه ليفتح جوانب وزوايا متعددة من المعاني والمرامي، تندرج كلها تحت هذه الحقيقة الضخمة، التي تعد حجر الأساس الذي تقوم عليه الحياة. وأول جانب من جوانب هذه الحقيقة أن هنالك غاية معينة لوجود الجن والإنس. تتمثل في وظيفة من قام بها وأداها فقد حقق غاية وجودة، ومن قصر فيها أو نكل عنها فقد أبطل غاية وجودة؛ وأصبح بلا وظيفة، وباتت حياته فارغة من القصد، خاوية من معناها الأصيل، الذي تستمد منه قيمتها الأولى.
وقد انقلب من الناموس الذي خرج به إلى الوجود، وانتهى إلى الضياع المطلق، الذي يصيب كل كائن ينقلب من ناموس الوجود، الذي يربطه ويحفظه ويكفل له البقاء.
هذه الوظيفة المعنية التي تربط الجن والإنس بناموس الوجود. هي العبادة لله. أو هي العبودية لله.. أن يكون هناك عبد ورب. عبد يعبد ورب يعبد. وأن تستقيم حياة العبد كلها على أساس هذا الاعتبار.
ومن ثم يبرز الجانب الآخر لتلك الحقيقة الضخمة، ويتبين أن مدلول العبادة لا بد أن يكون أوسع واشمل من مجرد إقامة الشعائر فالجن والأنس لا يقضون حياتهم في إقامة الشعائر؛ والله لا يكلفهم هذا.
وهو يكلفهم ألوانا أخرى من النشاط تستغرق معظم حياتهم وقد لا نعرف نحن ألوان النشاط الذي يكلفها الجن، ولكننا نعرف حدود النشاط المطلوب من الإنسان. نعرفها من القرآن من قوله تعالى ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) «البقرة/30 فهي الخلافة في الأرض إذن عمل هذا الكائن الإنساني. وهي تقتضي ألوانا من النشاط الحيوي في عمارة الأرض.
والتعرف إلى قواها وطاقاتها، وذخائرها ومكنوناتها، وتحقق إرادة الله في استخدامها وتنميتها وترقية الحياة فيها. كما تقتضي الخلافة القيام على شريعة الله في الأرض لتحقيق المنهج الإلهي الذي يتناسق مع الناموس الكوني العام).
وبدون ذلك تعيش البشرية جمعاء في حالة اضطراب دائم ومستمر تتخبط عن اليمين والشمال بسبب اتباع الهوى الشيطاني الذي يغوى كل من اتبع سبيله وسار في طريقه وقد توعد الشيطان بترصد طريق الناس أجمعين ليجتذب منهم كل من يصغى إلى وساوسه الخبيثة ويضمهم إلى حزبه الخاسر «قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شمائلهم وَلاَ تَجِدُ أكثرهُمْ شَاكِرِينَ{ «الأعراف16/17 فهو يحمل إلى الضلالة ويرشد إلى طريق الغواية كل من ابتعد عن ذكر الله تعالى.
أما من اخلص الذكر والعبادة الحقيقية لله تعالى نجى من غواية الشيطان الرجيم «قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ{ «الحجر39/42 ) فهذا صراط الله. وهذا ناموس الله. وهذه سنة الله. وهي السنة التي ارتضتها الإرادة قانونا وحكما في الهدى والضلال.
(إن عبادي) المخلصين لي ليس لك عليهم سلطان، ولا لك فيهم تأثير، ولا تملك أن تزين لهم لأنك عنهم محصور، ولأنهم منك في حمى، ولان مداخلك إلى نفوسهم مغلقة، وهم يعلقون أبصارهم بالله، ولا يدركون ناموسه بفطرتهم الواصلة إلى الله تعالى.
إنما سلطانك على من اتبعك من الغاوين الضالين. فهو استثناء مقطوع لان الغاوين ليسوا جزءا من عباد الله المخلصين. إن الشيطان لا يتلقف إلا الشاردين كما يتلقف الذئب الشاردة من القطيع. فأما من يخلصون أنفسهم لله، فالله لا يتركهم للضياع.
ورحمة الله أوسع ولو تخلفوا فإنهم يثوبون من قريب)(2) فالحياة إذن تعتبر صراعا بين الحق والباطل فقد يتغلب الباطل على الحق في بعض الأحيان ولكن عندما يظهر الحقي يولي الباطل مسرعا وهاربا خوفا من الموت «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ{ «الأنبياء/18.
إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي