بدا الفلسطينيون أمس وكأنهم يخوضون حرب انتحار وتصفية لقضيتهم الوطنية، مع وصول المعارك في قطاع غزة إلى مستوى غير مسبوق بمقتل 28 فلسطينياً أمس رفعوا الحصيلة إلى أكثر من 70 خلال ثلاثة أيام وتفجير المقر الرئيسي لجهاز الأمن الوقائي بنفق ملغم حفر أسفل المبنى، وإعلان حركة «حماس» سيطرة مسلحيها على معظم مناطق القطاع.

وظهرت بوادر انتقال الفتنة إلى الضفة الغربية ومساء أمس لاحت بوادر انفراج بإعلان اتفاق الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء إسماعيل هنية على وقف الاقتتال في قطاع غزة. وأمهلت «كتائب عز الدين القسام» الذراع العسكرية ل«حماس» عناصر أجهزة الأمن الفلسطينية الموالية للرئيس الفلسطيني إلى الغد (الجمعة) لتسليم أسلحتهم.

وكان 28 فلسطينياً على الأقل قتلوا يوم أمس وأصيب العشرات، في تجدد المعارك الطاحنة في أنحاء متفرقة من قطاع غزة بين مسلحين من حركتي« فتح» و«حماس»، لترتفع الحصيلة منذ بدء الفتنة الجديدة إلى أكثر من 70 قتيلاً. وأكد مصدر أمني فلسطيني، أن مسلحي «حماس» فجروا المقر الرئيسي لجهاز الأمن الوقائي في خانيونس بواسطة نفق أرضي بعدما أطلقوا تجاهه عشرات القذائف.

وذكر شهود أن مسلحي «حماس» دخلوا بالفعل إلى أكبر المواقع الأمنية الفلسطينية في خانيونس، والذي يضم مقر الأمن الوطني والأمن الوقائي واعتلى المسلحون البنايات والمدارس المحيطة بالموقع. وأعلنت «حماس» في بيان أنها سيطرت على معظم مناطق قطاع غزة، وخصوصاً الطريق الساحلي الذي يربط شمال القطاع بجنوبه.

إلى ذلك، قالت مصادر أمنية مصرية إن 40 شرطياً فلسطينياً من قوات الأمن الوقائي لجأوا إلى مصر، وسلموا أنفسهم إلى قوات أمنية مصرية تتولى حراسة الحدود بعد اشتداد حدة القتال بين حركتي «فتح» و«حماس» في قطاع غزة. وأوضحت المصادر الأمنية أن رجال الشرطة الفلسطينيين «أكدوا أنهم فروا خوفاً على حياتهم بسبب المعارك العنيفة وأضافت المصادر أن قرابة عشرة مواطنين فلسطينيين عبروا الحدود من قطاع غزة إلى مصر، بعدما فتحوا ثغرة في السور الإسمنتي الذي شيدته مصر على الحدود». واعتقلت الشرطة المصرية المتسللين العشرة.

وأكدت المصادر نفسها أن «عشرات الفلسطينيين تجمعوا بالقرب من هذا السور في رفح الفلسطينية في محاولة للجوء إلى مصر». ولاحت بوادر انفراج مساء أمس حيث قال مصدر رسمي في الحكومة الفلسطينية إن الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية اتفقا خلال اتصال هاتفي مساء أمس على وقف الاقتتال في قطاع غزة.

وأضاف أنه «جرى التأكيد على ضرورة وقف الاقتتال في قطاع غزة وبذل الجهود اللازمة والتواصل مع كافة الأطراف ذات العلاقة لوقف الاقتتال».

وتابع: «أكد الرئيس عباس ورئيس الوزراء على دعوتيهما لكافة الأطراف وقف الاقتتال والعودة إلى لغة الحوار واحترام الاتفاقات التي وقعت لحماية الوحدة الوطنية».وفي وقت سابق أكد ابومازن على انه في حال لم تتوقف الصدامات المسلحة الخطيرة الدائرة في قطاع غزة، فإن «خطوات ضرورية سيتم اتخاذها في اقرب وقت ممكن»، من دون تحديد تلك الخطوات أو حتى موعدها المحدد.

وأضاف خلال رده على أسئلة في المؤتمر الصحافي، الذي عقده في ختام لقائه مع وزير الخارجية الهولندي ماكسيم فيرهاجين، انه يجب بداية وقف الصدامات وسفك الدماء، قائلاً «أنا لا ألوم طرفاً بعينه، أنا ألوم كل من يرفع السلاح في وجه أخيه»، مضيفاً :«فليتقوا الله في دماء وأرواح أهلهم ثم فليفكروا فيما سيلي هذا الاقتتال»، محملاً المسؤولية فيما يحدث إلى كل من يحمل السلاح في وجه أخيه.

وأشار الرئيس الفلسطيني إلى وجود دعوة مصرية منذ ثلاثة أيام لعقد لقاء بين الجانبين لم يلب الدعوة أحد، وقال «لقد دعونا اليوم(أمس) إلى عقد لقاء ونتمنى أن يعقد وباعتقادي انه إذا لم توقف الصدامات فإن الوضع سينهار». وكانت حركة «فتح» أعلنت في بيان عن تعليق مشاركتها في حكومة الوحدة الوطنية مع «حماس» إلى حين توقف المعارك.

في غضون ذلك أكد سمير غوشة الأمين العام لجبهة النضال الشعبى الفلسطيني أن نتائج الحوارات الفلسطينية في القاهرة تتجه في المسار الايجابي لوضح حد للاقتتال الفلسطيني الداخلي.وأوضح غوشة عقب لقائه مع موسى بمقر الأمانة العامة للجامعة أنه من المتوقع أن يعقد مؤتمر موسع لجميع الفصائل الفلسطينية في مصر للخروج بوثيقة موحدة تنهي هذا الاقتتال.

أعلنت حركة حماس في الضفة الغربية عن طرح مبادرة من أربعة نقاط على الرئيس الفلسطيني محمود عباس وحركة فتح لوقف الاقتتال الدائر في قطاع غزة وعدم تصدير الأزمة إلى الضفة الغربية. فيما دعا أحمد حلس أمين سر حركة فتح أمس قادة حركة حماس إلى لقاء فوري لمعالجة كافة القضايا العالقة بين الحركتين والتي تبدأ بوقف إطلاق النار والقتل والدمار الذي يحدث في قطاع غزة.

وطالبت حماس في بيان لها بالوقوف بحزم أمام أية محاولة لنقل الأحداث إلى الضفة الغربية «لما يشكله ذلك من ضمان أساسي لوحدة الوطن المحتل وحماية المتراس الأخير للقضية الوطنية».

وقالت: «إن ذلك يشكل الامتحان لقدرة الأجهزة الأمنية على حماية المواطنين خاصة في ظل الحملة التي تقوم بها بعض عناصر أجهزة الأمن في الضفة الغربية»، داعية جماهير الشعب الفلسطيني للنزول إلى الشوارع لوقف القتال. على صعيد متصل أكدت مصادر فلسطينية أن الوفد الأمني المصري برئاسة اللواء برهان حماد التقى مساء أمس بقادة من حركة حماس في مكان ما في قطاع غزة.

وأضافت المصادر التي رفضت الكشف عن هويتها أن اللقاء جاء بعد اتصال هاتفي أجراه اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات المصرية بخالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس والمتواجد حالياً في دمشق وبالرئيس الفلسطيني محمود عباس المتواجد في رام الله.

وكشفت المصادر أن مشعل طالب عمر سليمان بأن يعقد قادة حماس في غزة اجتماعاً مع الوفد الأمني المصري أولاً قبل أن يعقدوا لقاء مع قادة حركة فتح، وأنه بالفعل عقد في منطقة غير معروفة في مدينة غزة. من جهته قال حلس في مؤتمر صحافي عقده بمدينة غزة: «نحن في حركة فتح نتوجه لحماس للقاء فوري لمعالجة كل القضايا والتي تبدأ بوقف إطلاق النار ووقف مسلسل القتل والدمار وبالنهاية لا يوجد شيء نعجز على الاتفاق عليه».

كما وجه أمين سر حركة فتح من خلال دعوة للرئيس الفلسطيني محمود عباس أن يتحمل مسؤولياته وأن يعلن موقفاً واضحاً يوضح فيه أن كل ما يحدث هو انقلاب على الشرعية الفلسطينية وتجاوز لكل الخطوط الحمراء.وقال: «نحن في حركة فتح وكتائب شهداء الأقصى لن ننتظر حتى يتم ضرب المشروع الوطني.إلى ذلك أعلن احد وجهاء عائلة بكر الفلسطينية أن نحو 300 رجل من هذه العائلة الواسعة النفوذ في مدينة غزة والمتحالفة مع حركة فتح سلموا أنفسهم إلى حركة حماس.

وذكرت مصادر مطلعة في رئاسة مجلس الوزراء الفلسطيني «أن جهات مرتبطة بجهات معادية أرادت إسقاط حكومة الوحدة الوطنية بشكل مسلح»، وطالبت رئاسة الوزراء جميع الأطراف بضبط النفس وطي صفحة الصراع والعودة فوراً إلى طاولة الحوار ووضع حد للفتنة.

وما زاد في خطورة الانفجار الداخلي الفلسطيني، بروز مؤشرات إلى انتقال الاقتتال إلى الضفة الغربية، مع مناوشات في مدينتي رام الله ونابلس.فقد اقتحم مسلحو «كتائب الأقصى» التابعة ل«فتح» مركزاً للإنتاج الفني يتبع لحماس في نابلس، واقتادوا سبعة من العاملين فيه إلى جهة مجهولة، قبل أن تدور اشتباكات بالرصاص مع مسلحين من «حماس» هرعوا إلى المكان.

غزة ـ ماهر إبراهيم والوكالات