انزلق الفلسطينيون في قطاع غزة إلى حرب أهلية واسعة، تنسف مساعيهم للتحرر من نير الاحتلال، بعدما اندلعت معارك طاحنة أمس رفعت حصيلة الضحايا إلى 41 قتيلاً ونحو 100 جريح خلال يومين، فضلاً عن استهداف مقرات الرئيس الفلسطيني محمود عباس «أبومازن»، ورئيس الوزراء إسماعيل هنية بالقذائف، بينما صدرت أوامر لقوات الأمن الوطني بقمع ما سمي «انقلاب» «حماس» «على الشرعية». وأبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت خشيته من سيطرة حماس على قطاع غزة خصوصاً بعد إعلان الحركة أمس سيطرتها على محافظتي خانيونس وشمال غزة ولم يستبعد إمكانية الموافقة على نشر قوات دولية على حدود القطاع.

وأصدر قادة قوات الأمن الوطنية الفلسطينية الموالون للرئيس الفلسطيني محمود عباس «أبومازن»، أوامرهم لوحداتهم بالدفاع عن مواقعها ضد هجمات حركة «حماس» وهزيمة ما وصفوه «بانقلاب» الحركة على الشرعية. وقالت قيادة قوات الأمن الوطني في بيان صدر في غزة «إلى الأمام يا قواتنا... إلى الأمام يا فوارسنا... إلى الأمام يا أبطالنا... ادحروا القوات الباغية الدموية الانقلابية... دافعوا عن كرامتكم وشرفكم العسكري... دافعوا عن أمن شعبكم..».

ووصف البيان الذي تضمن الأمر «حماس»، بأنها «التيار الدموي للانقلاب على السلطة والرئاسة وحكومة الوحدة الوطنية». وعلى الفور ذكر شهود أنهم رأوا مركبات تقل أعضاء في قوات الأمن الوطني إلى المعارك المشتعلة في غرب مدينة غزة وشمالها.

وقوات الأمن الوطني هي أكبر قوة أمنية تخضع لسيطرة ابومازن، ويعتبرها كثير من الفلسطينيين معادلاً للجيش على الرغم من أنها لا تتمتع بالعتاد ولا التدريب، الذي يحظى به الحرس الرئاسي الفلسطيني. وتوعدت «كتائب شهداء الأقصى» الجناح العسكري لحركة«فتح» بالرد بقوة على «حماس»، وقال ناطق باسم الكتائب «نحن انتقلنا إلى موقع الهجوم الآن وليس الدفاع» وطالب الجماعة بالبقاء على أهبة الاستعداد.

وأصدر القيادي في «الكتائب» سميح المدهون وعيداً شديد اللهجة بالانتقام بعد مهاجمة منزله في غزة قائلاً لمحطة إذاعية تابعة لفتح «إذا حرقوا دارنا فأنا حرقت 20 داراً الليلة (قبل) الماضية. بيت مقابل بيت ودم مقابل دم .. أقسم بالله العظيم أنني سأقتل كل شخص من حماس عسكري أو مدني .. سأقتلهم جميعا». ميدانياً، ذكرت مصادر فلسطينية وشهود أن «مسلحين من حماس اقتحموا منزل النائب نبيل شعث عضو اللجنة المركزية لحركة فتح في منطقة السودانية شمال قطاع غزة».

وذكرت مصادر أمنية أن «مئات المسلحين من القسام والقوة التنفيذية حاصروا منزل الدكتور شعث قبل أن يقتحموه ويدمروا جميع محتوياته». وأشارت المصادر إلى أن المسلحين أطلقوا النار صوب أحد مرافقي شعث والذي كان موجوداً داخل المنزل لحظة اقتحامه، مما أدى إلى إصابته بجروح. وأكدت المصادر إن شعث لم يكن بداخل المنزل لحظة عملية الاقتحام.

ودارت معارك «وحشية» مجدداً ليلة أمس في جباليا بين الحركتين قتل على إثرها ستة أشخاص. وأوضحت مصادر طبية أن «أربعة من عناصر (القوة التنفيذية) قتلوا في مواجهات مع أنصار لحركة «فتح» حول منزل المسؤول في الحركة ماهر المقداد». وأضافت أن «شخصين آخرين قتلا في جباليا».وذكرت مصادر أمنية أن «12 من فتح وحماس قتلوا في جباليا، كما وصل ثلاثة قتلى من المدنيين لاحقا إلى مستشفى الشفاء في غزة»، كما أعدم مسلحون عنصراً في فتح شرق غزة مما يرفع عدد القتلى إلى 41 خلال يومين والجرحى إلى أكثر من 100.

وكان مقرا ابومازن ورئيس الوزراء إسماعيل هنية، تعرضا لقصف بقذائف الهاون، ما ينقل المعارك إلى مستويات في غاية الخطورة. وحملت اللجنة المركزية ل«فتح» قيادة «حماس» المسؤولية الكاملة عما وصفته بـ «محاولة الانقلاب الدموي ضد السلطة الوطنية الشرعية»، مؤكدة أن «قيادة الجناح المتطرف في حماس رفضت بإصرار كل جهود التهدئة، وأعلنت صراحة رفضها لاتفاق مكة ولحكومة الوحدة الوطنية التي تعمل جاهدة على إسقاطها في الوقت الراهن».

وأشار البيان إلى أن اللجنة المركزية ل«فتح» لن تسمح بإسقاط السلطة الوطنية الشرعية، والتي تنفذها المجموعة المنحرفة من قيادة حماس والمرتبطة بالمحاور الإقليمية بهدف إقامة كانتون الحقد والكراهية في قطاع غزة الباسل».

وكان بيان صدر عن الناطق الرسمي باسم «فتح» أحمد عبدالرحمن، حمل تهديداً بالانسحاب من حكومة الوحدة الوطنية والمجلس التشريعي، وأضاف البيان ان اللجنة المركزية للحركة ستعقد اجتماعاً للبحث في هذه الخطوة حال استمرت التجاوزات والاشتباكات.

وتزامن تحذير قادة الأجهزة الأمنية مع سيطرة «القوة التنفيذية» التابعة لوزارة الداخلية وكتائب «القسام » على محافظة خانيونس جنوب القطاع بالكامل. وأكد مصدر أمني في خانيونس على أن «عناصر (حماس) سيطروا على كل مراكز ومواقع المحافظة وأنه لا وجود لأي عناصر من (فتح) أو حرس الرئيس في المدينة». وأوضح أن «العشرات من أفراد الأجهزة الأمنية قاموا بتسليم أنفسهم وإلقاء سلاحهم».

وأفادت مصادر مقربة من كتائب القسام (الجناح العسكري لحماس) أن «عناصرها يخوضون اشتباكات مع من وصفتهم بفلول الانقلابيين بعد فرارهم من المواقع التي تمت السيطرة عليها». وأكدت أن «أفراد الأجهزة الأمنية استجابوا لنداءات (القسام) بإلقاء سلاحهم وتسليم أنفسهم»، مشيرة إلى أن «الكتائب منحت الأمان لكل من يريد أن يسلم نفسه» .وشهدت شوارع خانيونس انتشاراً كبيراً لأفراد «القسام»، بعد أن سيطرت على معظم المفترقات الرئيسية في المنطقة. فيما حلقت طائرات حربية إسرائيلية فوق المدينة، وسط مخاوف من أن تقوم بقصف مواقع وأهداف فلسطينية.

ولاحقاً أعلنت «القسام» السيطرة على محافظة شمال غزة (بيت حانون، بيت لاهيا، جباليا) ودعت منتسبي الأجهزة الأمنية للاستسلام.وقالت «حماس» إن «لديها معلومات تشير إلى نية الأجهزة الأمنية الفلسطينية تنفيذ حملة اعتقالات واسعة في صفوفها بالضفة الغربية على خلفية الأحداث الجارية في غزة». وأكدت أن «اجتماعات مكثفة عقدت بين بعض قادة (فتح) وقادة الأجهزة الأمنية في الضفة نتج عنها قرار بشن حملة اعتقالات واسعة بصفوف نشطاء الحركة تحت حجة حمايتهم من أية اعتداءات».

ورأت أن «هذا الحملة بمثابة قرار بنقل الفتنة وتصديرها إلى الضفة». وحذرت من أن «حملة الاعتقالات تضع أبناء الحركة في الضفة على طبق من ذهب للترسانة العسكرية الصهيونية لاستهدافهم والنيل منهم في مقرات الأجهزة الأمنية التي لطالما قصفت وحوصرت واعتقل من داخلها قادة من أبناء الشعب الفلسطيني وأبطاله». وأضافت أن «الواقع يختلف الآن، ولا مكان للعقلية القديمة، فحماس تمتلك شرعية صناديق الاقتراع، ومن يتعرض لها فهو بذلك يضرب بعرض الحائط قرار الشعب الفلسطيني وخياره الحر، وينقلب على الشرعية الفلسطينية».

واعتبر القيادي في «حماس»سامي أبوزهري، أن تصريحات الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة، التي اتهم فيها تيارا متطرفا في الحركة بمحاولة الانقلاب على الشرعية الفلسطينية، «تمثل محاولة لقلب الحقائق وللتغطية على الجرائم التي ترتكبها ميليشيات رئيس السلطة محمود عباس والتيار الانقلابي العميل في شوارع غزة».

وقال أبو زهري «عن أي شرعية يتحدث عنها الناطق باسم الرئاسة نبيل أبو ردينة فإذا كانت حماس هي التي فازت بالانتخابات التشريعية، والتي حظيت برئاسة الحكومة السابقة والحالية، فكيف تكون غير شرعية؟!». وأضاف «ان الذي ينقلب على الحكومة هو الذي ينفذ مخطط (المنسق الأمني الأميركي لدى السلطة الفلسطينية، الجنرال كيث) دايتون».

وكان أبومازن دعا أعضاء «فتح» و«حماس» إلى وقف فوري لإطلاق النار. ونقلت وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» عنه القول : «انطلاقاً من الحرص على المصالح العليا لشعبنا وحقناً للدماء فإنني ومن موقعي كرئيس للسلطة الوطنية وبصفتي القائد الأعلى لجميع قواتنا الأمنية والعسكرية فإنني أدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار والى عقد الاجتماع المشترك مع الوفد الأمني المصري للتوصل إلى إنهاء كل مظاهر العنف والاقتتال».

كما دعا هنية إلى انهاء القتال في القطاع واستئناف فوري للمفاوضات بين حركتي «فتح» و«حماس».وقرأ مسؤول في مكتب هنية بياناً جاء فيه ان «رئيس الوزراء يدعو الى ضبط النفس وإنهاء هذا الفصل من الصراع على الفور والعودة الى طاولة التفاوض». إلا أنه «اتهم «فتح» بأنها لا تؤمن بالمشاركة السياسية.

وأعرب رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت عن « قلقه من استمرار الاقتتال الفلسطيني الداخلي في غزة»، محذراً من انه «قد يكون له تبعات اقليمية في حال كانت الغلبة لحركة (حماس)». وقال خلال اجتماع في القدس مع وزير الخارجية الهولندي ماكسيم فيرهاغت، إن «إسرائيل لا تريد التدخل في المواجهات بين (حماس) و(فتح)». ودعا «الدول الغربية إلى العمل بشكل عاجل من أجل تغيير الوضع في غزة». وقال «يجب فحص إمكانية نشر قوات دولية، على غرار القوة الدولية المؤقنة في جنوب لبنان (اليونفيل) في محور فيلادلفي (صلاح الدين) وذلك من أجل وقف تعاظم القوى المتطرفة.