أجمع الفرقاء اللبنانيون رغم التباين في مواقفهم، على أن لبنان دخل مرحلة جديدة من تاريخه بإصدار مجلس الأمن القرار 1757 لتشكيل محكمة خاصة ذات طابع دولي لمحاسبة المتهمين باغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري بعد 836 يوماً على حدوثه . وبينما رحبت الأكثرية بالقرار كما هو متوقع، نزعت المعارضة صفة الشرعية عن القرار وقالت إنه يقود إلى مزيد من الاحتقان الداخلي، محذرة من دخول البلاد في «نفق التدويل».
ووسط هذه التجاذبات حشد الجيش اللبناني مزيداً من قواته في محيط مخيم نهر البارد حيث يتحصن مقاتلو «فتح الإسلام» معلناً ارتفاع قتلى الاشتباكات إلى 84 شخصاً.
وفور صدور القرار 1757 بشأن تشكيل «المحكمة الخاصة» خرج أنصار الأكثرية الحاكمة ومن بينهم رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة وزعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري في اتجاه ضريح رفيق الحريري في ساحة الشهداء وسط بيروت، حيث أضيئت الشموع وقرئت الفاتحة، بينما وزعت الأعلام اللبنانية على الطرق وخرجت مواكب سيارة للتعبير عن الفرح.
ولم يعكر صفو الاحتفالات إلا إطلاق قنبلة صوتية ليلاً قرب كنيسة مار مخايل في منطقة الشياح، في الضاحية الجنوبية من بيروت، وهي القنبلة الثالثة من نوعها خلال أسبوع.
وخاطب السنيورة، فور صدور القرار، الشعب اللبناني عبر التلفزيون قائلاً إن «إقرار المحكمة لا يشكل انتصار فريق على فريق آخر في لبنان. إنه انتصار للبنان واللبنانيين». وأضاف «لا يجب أن يشكل القرار نقصاناً لحساب المعارضة أو زيادة في رصيد الأكثرية. كما أنه ليس موجهاً ضد أي بلد وليس موجهاً بالتأكيد ضد الشقيقة سوريا». كما اعتبر سعد الحريري أن «قرار الأمم المتحدة يمثل لحظة تاريخية للبنان». وقال إنه «حان الوقت لطرح الخلافات جانباً». وأضاف أنه «يمد يده إلى الشركاء في البلاد ليقول لهم اقبلوا هذه اليد الممدودة وكفى فرقة»، مشدداً على أنه «سيحاول ترجمة هذه الكلمات إلى أفعال حقيقية».
وأكد رئيس «اللقاء الديمقراطي» النائب وليد جنبلاط أنه «لا داعي للاحتفالات في الشارع». وقال إن «هذا اليوم تاريخي والقرار نتيجة دعم عربي ودولي». وشدد على أن «المحكمة ليست موجهة ضد طائفة أو حزب».
إلا أن الرئيس اللبناني إميل لحود حذّر من أن «المحكمة ستقسم اللبنانيين وتزيد الخشية من فتنة طائفية في بلد عانى من حرب أهلية». وقال «ما نتمناه هو ألا يكون قرار مجلس الأمن سبباً لمزيد من التباعد بين اللبنانيين في وقت أحوج ما نكون فيه إلى ما يجمع ويوحد في ما بينهم».
وأعلن «حزب الله» في بيان أن «القرار الصادر وفق الفصل السابع جعل لبنان في مهب المصالح الدولية وشرع الأبواب واسعة أمام تدخلاتها». وأوضح أن «ما جرى من خطوات داخل جلسة مجلس الأمن وضع لبنان تحت الوصاية الدولية، وألغى السيادة في سابقة غير مألوفة».
وقال إن «محاكمة قتلة الحريري تشكل إجماعاً وطنياً يستدعي إنشاء محكمة قضائية جزائية نابعة من توافق داخلي يحفظ دور المؤسسات ويحترم الأصول والمبادئ الدستورية اللبنانية». واتهم «الولايات المتحدة بالضغط على مجلس الأمن لتمرير القرار بهدف خدمة المشروع السياسي الأميركي من دون أي اعتبارات أخرى سواء كان تحقيق العدالة الدولية أو النشر الكاذب للديمقراطية والقضاء على أسلحة الدمار الشامل في العراق».
وقال إن «فريق السلطة (الأكثرية) قدم خدمة جليلة للإدارة الأميركية حيث وضع بين يديها ورقة سياسية يمكن أن تستعملها للضغط السياسي». وأضاف أن «الحكومة تحاول إخفاء الأزمة الداخلية في لبنان خلف موضوع المحكمة ورفض تمريرها عبر الأصول الدستورية».
واعتبر أيضا رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري أن « مجلس الأمن الدولي تجاهل دستور لبنان» و«تجاهل ضرورة الوفاق على المحكمة»، رافضاً في بيان تحميله مسؤولية «عدم إقرار المحكمة أمام البرلمان اللبناني».
ودوليا، أعلن الناطق باسم وزارة الخارجية الايطالية باسكال فيرارا عن أن الوزير ماسيمو داليما سيطلب من دمشق التي يزورها الاثنين المقبل تعاوناً كاملا في الملفات الإقليمية»، في إشارة إلى القرار الجديد والقرار 1701 المتعلق بوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان ونقل الأسلحة إلى «حزب الله».
ميدانياً، سجل محيط مخيم نهر البار للاجئين الفلسطينيين شمال لبنان هدوءاً حذراً بين الجيش وتنظيم «فتح الإسلام»، رغم مقتل جندي وإصابة ثلاثة آخرين في القتال مع العناصر.
وقالت مصادر أمنية إنه «تم العثور على المزيد من الجثث تحت أنقاض المباني التي دمرت على مشارف المخيم حيث ارتفع عدد القتلى إلى 84 شخصاً، هم 35 جندياً و29 متشدداً و20 مدنياً، فيما نزح أكثر من 25 ألف لاجئ من المخيم الذي يقطنه نحو 40 ألف فلسطيني».
وتعهد مجدداً قائد الجيش اللبناني العماد ميشال سليمان بتوقيف القتلة الذين اعتدوا على الجيش والمدنيين اللبنانيين والفلسطينيين الأبرياء في محيط مخيم نهر البارد شمال لبنان وسوقهم إلى العدالة.
بيروت ـ علي بردى