أكد العلماء المسلمون أن الإسلام يعتبر منهجاً شاملاً لجميع أمور الحياة الدنيا، محذرين من استخدام مصطلح «العلمانية» وإشهاره لتقليص حياة الدين في حياة المسلمين. وقال الدكتور محمد عمارة المفكر الإسلامي إن حملات العداء الغربي على الإسلام اتخذت أشكالاً متعددة كالترويج إلى أن الدين الإسلامي مجرد رسالة روحية فقط، وليست منهجاً شاملاً لأمور الحياة المختلفة، ويشير إلى أن الإسلام دين ودولة.
ويوضح أن أخطر ما تصاب به الأمم والشعوب الإسلامية حالياً هو داء التقليد لكل ما هو غربي رغم تعارض الأشياء المقلدة بشكل كبير مع ثوابت الدين، وأن ذلك «التقليد الأعمى» ازداد بشكل كبير ومزعج عقب الغزوات الاستعمارية التي تعرض لها العالم الإسلامي واسقطت خلافته في الأرض.
ويضيف د. عمارة أن الإسلام منهج شامل للحياة بجوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وليس فقط مجموعة من الأحكام الشرعية، معبراً أن الايمان بالعقيدة الإسلامية يعد جزءاً أساسياً ومحورياً في عملية بناء الدولة.. ويشير أن تاريخ الحضارة الإسلامية يؤكد أن المسلمين وظفوا الدين لخدمة الدنيا فسادوا العالم وربحوا الآخرة معاً، فوضعوا أسس التعاون في مجالات السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية والثقافية.
وكان الإسلام هو الدين الوحيد الذي ساوى بين الأجناس وأعطى للمرأة حقها، وشرع حقوق الفقراء ووضع الأسس الصحيحة للعدالة سابقاً بذلك الاشتراكية. ويؤكد د. عمارة أن الإسلام لم يترك في شموليته كبيرة ولا صغيرة في مختلف مجالات الحياة، إلا واهتم بها.
وأن الذين ينكرون أمراً معلوماً من الدين بالضرورة يفهمون الإسلام بطريقة خاطئة، حيث يربطون تخلف العالم الإسلامي المعاصر بتمسكهم بالإسلام، في حين أن سبب تخلف المسلمين في الوقت الراهن يعود لسبب ابتعادهم عن الدين.. والدليل أن المسلمين الأوائل عندما تمسكوا بالدين كانوا سادة الأمم وكان منهم قادة النهضة الفكرية والعلمية للدنيا بأسرها.
منهج حياة
ويقول د. محمد عبدالمنعم البري بجامعة الأزهر: انه إذا كانت هذه الدعوات الخبيثة قد نجحت إلى حد ما في «تغريب» المجتمع الإسلامي، فإن الصحوة الإسلامية التي تمتد في بلاد العالم من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب الآن خير دليل على أن الدين الإسلامي، وهو دين العدل والحكمة والرحمة والمساواة، لن ينفصل أبداً عن واقع مجتمعه، بحكم أنه دين شامل، يغطي كل شؤون الحياة.
ويشير إلى أن شريعة الإسلام جاءت منهجاً ومعجزة.. أما المعجزة فهي في الصياغة اللفظية واللغوية وعملية النظم.. وأما المنهج فهو معجزة أيضاً، حينما نعلم ونعمل على أنه دستور ثابت للحياة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ومع تقدم البشرية وتطور مجتمعاتنا ـ والكلام للدكتور البري ـ يكتشف الناس في القرآن ما ذكره عن آخر ما توصلوا إليه من الاكتشافات في مجال العلم، وخذ على سبيل المثال علم تطور الأجنة.. إذن فالقرآن منهج فيه أسس صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان.
كما أنها صالحة للقياس عليها في كل جانب من جوانب الحياة المختلفة، وذلك لأن الذي جاء بالمنهج هو الذي خلق الناس والحياة وهو يعلم ما تستقر إليه أحوالهم وأنفسهم.. والأمور التي سيصبحون عليها وإن لم يكن القرآن كذلك، لم يكن كتاباً يشهد على أنه بانتهاء الوحي، انتهى ارسال الرسل.
ويقول د. أحمد عبد الرحمن أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر إن العلمانية هي إدارة الأمور بعيداً عن الأديان، فالعلمانيون هم الذين يديرون الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعيداً عن الأديان.
والعلمانية في نظر المفكرين المسلمين صراع الإسلام بوجه خاص، لأن الأديان الأخرى ليس لها تخطيط ديني، فاليهودية لم تتحدث كثيراً عن علاقة الإنسان بالإنسان إنما اكتفت بعلاقة الانسان بربه، وكذلك المسيحية، والذي وجد في المسيحية هو فيض من الحديث عن الصفاء الروحي.. أما الإسلام ففيه فيض غزير من العلاقات الإنسانية، في الزواج والطلاق والبيع وغير ذلك، من هنا لا يجوز للمسلمين أن يتبعوا العلمانية التي تحاول أن تخلفهم عن الأديان لتسير بهم في نطاق التفكير البشري فيما يتعلق بأمور دينهم ودنياهم.
ويضيف: إن العلاقة وثيقة جداً بين الدين الإسلامي والعلم، وأن الآيات الأولى التي نزلت من القرآن الكريم قوله تعالى «اقرأ باسم ربك».. وهناك في القرآن الكريم فيض من الآيات تتحدث عن العلماء وأفضالهم.. مثل قوله تعالى «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون»، «وقل رب زدني علماً».. فالعلماء يدركون عظمة الله وقدرته أكثر من غيرهم، ولذلك فهم أكثر الناس خشية لله.
وعن الأسباب التي أدت إلى ظهور تيار العلمانية يقول د. أحمد عبد الرحمن: في اعتقادي ان العلمانية لها جذورها الصهيونية التي تحاول أن تصارع الإسلام بوسائل مختلفة ضد الإسلام ليبتعد الناس عن التعاليم الإسلامية.. والصهيونية والفكر الغربي يدركان ادراكاً واضحاً أن انتقال المسلم من دينه إلى دين آخر ـ والعياذ بالله ـ شيء يكاد أن يكون مستحيلاً، ومن هنا فقد دخلوا على المسلمين من باب آخر فيه إضعاف لعقيدة المسلم.
وعن كيفية التحصن من هذه التيارات والأفكار الغربية عن الإسلام يقول: عندما نضع هذه التيارات في الميزان ندرك أن هدفها أن تبعدنا عن الدين الإسلامي في الجوانب السياسية والاجتماعية وغيرها. وعن معنى آخر للعلمانية وأسباب اتباع بعض الناس لها رغم وضوح زيفها.
يقول د. عبد الصبور شاهين أستاذ علم اللغة بكلية دار العلوم بالقاهرة: انه إذا كان المقصود بالعلمانية هو الأخذ بأساليب الحياة الحديثة في العلوم المختلفة وتحديد كل ما يخدم البشرية من العلوم الحديثة النافعة، فإن الإسلام سبق هذه الدول في كثير من نواحي الحياة.
فالإسلام قد دعا إلى النظر في السماوات والأرض، وإلى النظر في الكون وإلى استنباط ما يحقق الحياة الكريمة للإنسان على وجه الأرض، فالإسلام ليس دين عبادة فقط، وليس انزواء في زاوية أو مسجد، وإنما الإسلام الحقيقي هو أن يتفاعل الإنسان مع الكون ومع المجتمع الذي يعيش فيه بقدر ينفع البشر جميعاً.
فالعلمانية قد تدعو في نظامها إلى إعمال العقل واحترام حرية الشعوب واحترام اختيارها، ونجد أن هذا كان مطبقاً منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما توفي اجتمع المسلمون ليتشاوروا.. وبالفعل اختاروا الأصلح منهم لمن يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويضيف: في مجال العلوم حرص الإسلام على حث المسلمين على السعي في طلب العلم، فنجد العلماء يقطعون البلاد شرقاً وغرباً بحثاً عن المعرفة وتلقي العلم من الأساتذة المتخصصين، لا يقف أمامهم حائل ولا يعترضهم عارض.
وعن فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الغربية يرى د. شاهين: أن الإسلام جوهره دعوة كريمة في حياة الإنسان ممثلة في الديمقراطية التي لم تعرفها البشرية قبل ذلك، وفي الدعوة إلى العلم النافع الذي يعود بالخير على الناس جميعاً، فكان علماء المسلمين يترجمون من علوم اليونان وغيرهم ويقدمون ما يترجمونه للناس، فينتفع به المسلم وغير المسلم.
كما استفاد الغربيون استفادات عظيمة من الحضارة الإسلامية.. فكان علماء أوروبا يذهبون إلى قرطبة وإلى صقلية وبغداد، ليتلقوا العلم من العلماء المسلمين، بينما نحن الآن نذهب إلى أوروبا لنتلقى العلم من الغرب. إذن إذا كانت العلمانية تدعو إلى الحرية.
فقد سبقها الإسلام في ذلك، وجعل التفاضل بين الناس في التقرب إلى الله، وإذا كانت العلمانية تدعو إلى طلب العلوم، فالإسلام دعا إلى ذلك في الكتاب والسنة، مشيراً إلى أن العلمانية جاءت في الأصل لهدم الدين الإسلامي بوجه خاص والأديان الأخرى بوجه عام.
القاهرة ـ وكالة الصحافة الإسلامية