حادثة أخرى ليست بجديدة على المجتمع التربوي، محورها معلم بإحدى مدارس دبي الخاصة، يخالف اللوائح، ويلجأ إلى الدروس الخصوصية، وهذه المرة لأحد طلابه في الصف التاسع بالمدرسة ذاتها، ويتمادى في مخالفته إلى أن يبيعه أوراق امتحانات مادتي التاريخ والجغرافيا اللتين يدرسهما.

ثم يحاول إقناع عدد من زملائه المعلمين لأن يبيعوا أسئلة مواد أخرى للطالب نفسه، وذلك كله يجري بعلم من ولي أمر الطالب الذي يدفع «البيزات» مقابل نجاح مؤكد لولده، ورغم ذلك تخشى المدرسة كشف المخالفة خوفاً على سمعتها في المجتمع التربوي.

هذه المخالفة التي يجري التحقيق فيها سراً وصلت إلى مسامع مدير المدرسة، الذي استدعى الطالب وسأله عن الأمر فاعترف بما يقوم به المعلم المخالف، وعلى الفور استدعى ولي أمره الذي أنكر في بادئ الأمر علاقته بالمعلم، لكنه لم يصمد طويلاً حتى أقر بالحادثة.

خصوصاً وأن المدير تعامل مع القضية بحكمة وروية، وحاول جاهداً إقناع ولي الأمر بأن ما يقدمه المعلم لابنه لا يضيف إليه شيئاً في العلم بل يجرده من كل أسباب التعلم والمعرفة، وهو ما سيؤدي حتماً إلى نهاية غير مأمولة. وبسؤال مدير المدرسة الذي بادر بالاتصال مع «البيان» عن الواقعة، أجاب أنه يلجأ عادة إلى أسلوب النفس الطويل لمتابعة معلميه داخل وخارج المدرسة، والوقوف عند أخلاقياتهم المهنية للتأكد من سلامة الهدف التربوي لديهم.

مضيفاً أن اكتشافه لمخالفة المعلم كان بمساعدة بعض العاملين في المدرسة، وعلى الرغم من أن مدير المدرسة بدأ في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المعلم المخالف، إلا أنه لا يرغب بأن تنتهي مخالفة المعلم عند هذا الحد، بل يرى بأهمية وضرورة أن تصل إلى المعنيين بوزارة التربية والمنطقة التعليمية حتى لا تبقى مخالفات البعض سمة مستمرة وضارة بحق التربية والتعليم.

الباطل حق

وأكد مدير المدرسة أن خشيته من رفع اسم المعلم إلى الجهات المعنية نابعة من كون أن مثل هذه المواقف ستنعكس سلباً على اسم المدرسة، وستكون النتيجة تشويهاً لسمعة المدرسة جراء التصرف الخطأ في معالجة المشكلة، وعندها تواجه المدرسة الخاصة عقاباً شديداً من المجتمع دونما ذنب، لافتاً إلى أن كثيرا من المدارس الخاصة تكتشف مخالفات خطيرة على العملية التربوية وتخشى من إفشائها خوفاً من الوقوع في فخ الشك والالتباس من قبل الجهات المعنية.

وتطرق المدير إلى أهمية أن تصنع وزارة التربية المنطقة التعليمية علاقات ثقة وطمأنينة مع المدارس الخاصة وان تعيش في أجواء هذه المدارس للقضاء على كثير من الممارسات التي تضر بسمعة هذه المدارس، وتلحق الأذى بالعمل التربوي، رغم محاربتها بقوة من قبل الجميع، موضحاً أن اكتشاف أو إنهاء خدمات المعلم المخالف ليست نهاية المطاف حيث سيلجأ إلى مدرسة أخرى وسيمارس أخلاقياته غير السوية ثانية فيها، وهو ما يؤذي العمل التربوي على الدوام.

سمعة المدرسة

وبعرض هذه الحادثة على عدد من مديري مدارس دبي الخاصة، أكدوا أن سمعة المدرسة الخاصة هي الدافع الذي يجبر إداراتها على التستر أو الاكتفاء بعقاب داخلي للمخالفين، حيث أن الكشف عن مثل هذه المخالفات سيضع المدرسة في مكان لا تود أي مؤسسة همها استقطاب المزيد من الطلبة أن تكون فيه، فكثير من المدارس الخاصة لا تحتمل أبسط الهزات، وهذه مشكلة تحتاج إلى تضافر الجهود والعلاقات بين المنطقة التعليمية والمدارس الخاصة لتعزيز مزيد من الثقة والصراحة فيما بينهما، لا أن تكون الصراحة على حساب سمعة المدرسة الخاصة.

الدكتور ماهر حطاب المشرف العام في مدرسة الشروق الخاصة في دبي اعتبر أن اكتشاف الخطأ بغض النظر عن حجمه والتشهير به أمر إجباري على مدير المدرسة الذي يعد قمة الهرب التربوي، وليس عيباً على المدرسة أن تعترف بأخطاء معلمين لتجنب مدارس أخرى من الوقوع فيها، لا سيما في مثل هذه الحالات التي تصل إلى حد الاتجار بالامتحانات وبمشاركة من أولياء الأمور الذين يرتكبون مع المعلمين جرماً بحق أبنائهم، طالما ظلوا مساندين ومتسترين على هذه التصرفات.

مخالفات كثيرة

وكشف حطاب عن أن كثيرا من المدارس الخاصة والحكومية في الدولة تقع في مخالفات الدروس الخصوصية أو حتى بيع الأسئلة للطلبة، وهذا الواقع غير مقبول، ولا بد أن يكون الحل سريعاً وحازماً مع مثل هذه المخالفات، لافتاً إلى أهمية أن تفعل العلاقة بين المدارس الخاصة والمنطقة التعليمية عن طريق أناس أمناء وصادقين في الحكم على الطرف المخالف، لا أن تكون المدرسة الخاصة عرضة للتشهير والقلق والإرباك طالما هي كشفت عن المخالفة.

ووافق الدكتور عثمان عبدالباري مدير مدرسة الأندلس الخاصة في دبي بأن الدروس الخصوصية شر لا بد منه، وهي ظاهرة لا تنكرها المدارس الخاصة أو الحكومية، وتعبر عن ضعف نفس لدى المعلم وإهمال وقصور لدى ولي الأمر، إذ لا تسمح معظم المدارس بهذا التصرف خصوصاً إذا كان المعلم يمارسه مع أحد طلبته.

موضحاً أن تستر عدد من المدارس الخاصة أو ترددها في كشف مثل هذه المخالفات يكون بدافع المحافظة على سمعة المدرسة في المجتمع، وهذا التوجه وإن كان مبرراً بنظر البعض فهو غير منطقي أو سليم، ولا بد للإدارة أن تقف جريئة وحازمة ضد هذه الممارسات، ومشيراً إلى أن بعض المدارس تتغاضى عن الدروس الخصوصية التي يمارسها معلموها بحجة إتاحة المجال لهم لكسب مزيد من المال لمواجهة غلاء المعيشة في الدولة.

مصداقية الامتحانات

وقال إن من شأن هذه الممارسات أن تشكل خطورة على سرية ومصداقية الامتحانات، خصوصاً وأن واقع المعلمين المادي في الدولة ضعيف نسبياً، وكثير منهم يلجأون إلى الدروس الخصوصية لتعديل رواتبهم المنخفضة، مشدداً على أهمية أن تبقي كل مدرسة خاصة على مشرف للمادة الدراسية حتى يحافظ على سرية الامتحانات، وأن تفعل المنطقة التعليمية والمدرسة ظاهرة الدروس الخصوصية أو دروس التقوية داخل حرم المدرسة، حتى تظل العملية مقننة ومسيطر عليها، فيأخذ المعلم حقه الإضافي وينال الطالب التعليم الإضافي اللازم في حدود المنطق.

خليفة بن فارس مدير منطقة دبي التعليمية أكد أن المشكلة موجودة بشكل أكبر لدى المدارس الخاصة، حيث أنه تم مؤخراً توحيد امتحانات صفوف النقل على مستوى المنطقة، التي تحفظ في مطبعة سرية بعيداً عن أيدي المعلمين، فيما المدارس الخاصة تضع كل واحدة منها أسئلة امتحاناتها، وبالتالي تقع المسؤولية الكبرى على عاتق مديري المدارس في متابعة سير الامتحانات وسريتها، لافتاً إلى أن المنطقة التعليمية لا يمكن أن تتهاون في مخالفة بهذا الحجم، وهي على استعداد لاتخاذ الإجراء القانوني اللازم بأسرع ما يمكن.

لائحة سوداء

وأضاف أنه سنوياً تكون هناك حالة أو اثنتين لفصل معلمين ووضعهم على اللائحة السوداء وحرمانهم من التعليم في الدولة لمخالفات شبيهة، وإلى الآن لم تصل المنطقة أي قضايا من المدارس الخاصة بهذا الشأن، على الرغم من وجود الكثير منها.

وهذا يدل على تقصير من إدارات المدارس، حيث من المفترض أن تقوم المدرسة في حال وجود مشكلة من هذا النوع بالتحقيق اللازم ومن ثم تزويد المنطقة بتفاصيل الواقعة، لتقوم المنطقة التعليمية بدورها باتخاذ الإجراء اللازم بحق المخالفين، كما هو الحال مع المدارس الحكومية.

وقال ابن فارس إن المعلم الذي يعتاد الدروس الخصوصية يستغل على الأرجح شخصية مدير المدرسة الضعيفة أو المتغاضية عن الأمر، فالمسؤولية تقع على عاتق المدير الذي يتعين عليه متابعة معلميه وتعويدهم على الصدق والثقة وعدم خيانة مراكزهم.

لافتاً إلى أن المنطقة التعليمية لن تتهاون مع أي مقصر في عمله وفي أمانته بغض النظر عن موقعه، فمثل هذه الممارسات لا بد أن تضعف أو تتلاشى طالما تخلت المدرسة عن عقدة السمعة وتجاوبت وتعاونت مع المنطقة لمعاقبة المذنب.

مقابل «بيزات»

كشف مدير إحدى المدارس الخاصة أن أحد طلبة مدرسته انتقل العام الماضي إلى مدرسة حكومية، نظراً لنيله عدداً من الإنذارات بداعي انخفاض مستواه الدراسي، وهو لا يزال على علاقة مع مجموعة من طلاب المدرسة، ويطلعهم على أسئلة الامتحانات المقررة عليه في مدرسته الحكومية قبل أيام من التقدم لها، مؤكداً لهم أنه يشتريها من معلمه بـ «بيزات» معدودة، فيطالعها في البيت ثم يجيب عنها بسهولة في الامتحان، ويفعل ذلك باتفاق مسبق يتشارك فيه عدد من الطلاب ومعلمهم.

140 مدرسة وبضعة موظفين

اعترف خليفة بن فارس مدير منطقة دبي التعليمية بوجود تقصير في المنطقة التعليمية ووزارة التربية مع المدارس الخاصة، التي يبلغ عددها في دبي أكثر من 140 مدرسة عربية وأجنبية، يتابعها بضعة موظفين في المنطقة، وبالتالي سيظل شغلهم الشاغل تخليص معاملات، فيصعب التدقيق على آلية عمل هذه المدارس.

مشيراً إلى أن عدم أو ضعف إشراف التوجيه الفني على المدارس الخاصة يضعف عملية المتابعة، ويحرض العاملين فيها على ارتكاب مزيد من المخالفات، وبالتالي فإن إعادة النظر في العلاقة مع المدارس الخاصة في مختلف الجوانب أمر في غاية الأهمية كون التعليم الخاص في الدولة جزءاً لا يتجزأ من المنظومة التعليمية الشاملة.

قضية قانونية وأطفال قصر

أجمع عدد من مديري المدارس الخاصة في دبي على ضرورة أن تحدد مجموعة من الأسس في التعامل مع مثل هذه القضايا التي تشكل خطورة بالغة على العملية التعليمية، لا سيما وأن المتضرر الأكبر من هذه الممارسات هو الطالب صغير السن الذي لا يدرك تأثير ما يمارسه، مشيرين إلى أن ولي الأمر والمعلم المخالف لا بد أن يقعا في فخ المساءلة إذا ثبت تورطهما في مخالفة بهذا الحجم.

حيث أنه من الضروري أن تقوم الجهة المعنية سواء كانت المدرسة أو المنطقة التعليمية برفع قضية قانونية على المخالف سواء كان ولي أمر أو معلم لمحاسبته على ما ارتكبه، لا أن يترك دون تشهير، ولا مفر من إيقاع أقسى العقوبات بحق المخالفين الذين يعدون مرتكبي جناية بحق أطفال قصّر، فيتسببون لاحقاً بتدمير مستقبلهم بصورة مطلقة.

وتساءل أحد المديرين أن الأب إذا صادف ولده يشتري سيارة مغشوشة فلا بد أن يثور وينتصر له دون أن يشعر، فهل يعقل أن يرضى له تعليماً باطلاً وفاشلاً ومن الممكن أن يتسبب في خسارة الابن بشكل كلي، وليس خسارة بضعة آلاف من الدراهم.

تحقيق: عنان كتانة