قال البروفيسور غازي عمر تدمري مساعد مدير المركز العربي للدراسات الجينية التابع لجائزة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم للعلوم الطبية إن خسائر دولة الإمارات على عدد محدود من الأمراض الوراثية تصل إلى 729 مليون درهم سنويا فيما تصل خسائر الدول العربية على هذه الأمراض إلى 365 مليار درهم في السنة الواحدة.
وأشار إلى أن بعض الدراسات الاقتصادية تشير إلى أن الأمراض الوراثية والتشوهات الخلقية مثل الشلل الدماغي والسنسنة المشقوقة والجذع الشرياني ومرض رباعية فالو ومرض الشفة المشقوقة ومتلازمة داون وغيرها من أمراض الفتق الحجابي تكلف القطاع الصحي في دولة الإمارات أكثر من 474 مليون درهم سنويا يضاف إليها 255 مليون درهم أخرى لتغطية النفقات الصحية لمرضى الثلاسيميا وفقر الدم المنجلي والتليف الكيسي وسيلان الدم.
وأشار البروفيسور تدمري في حوار أجرته معه «البيان» إلى أن معدلات الزيجات بين الأقارب في الدولة وصلت في الوقت الحالي إلى 5 .50% مقارنة بـ 39% فقط في الجيل السابق مشددا على أن الحل الأمثل للحد من تأثير انتشار الاضطرابات الوراثية يكمن في تطبيق برامج وقائية فعالة مثل فحص حديثي الولادة وفحص الأشخاص الحاملين لصفة المرض.
وفند مساعد مدير المركز العربي للدراسات الجينية مقولة بعض الأطباء من أن الأمراض الوراثية تنتقل من الجد العاشر لافتا إلى أن بعض الأمراض ومنها الثلاسيميا تم اكتشافه قبل أكثر من 35 ألف سنة وما زال يعتبر من الأمراض الضاغطة على صحة الإنسان.
وحذر مساعد مدير المركز العربي للدراسات الجينية من إرسال عينات الدم وغيرها لمختبرات خارج الدولة للتحليل، لافتا إلى أن مثل هذه العينات يمكن استغلالها في اكتشاف هوية الشعب أو الجنس كما يمكن استغلالها في تطوير أدوية ممكن أن تكون فعالة أكثر على جنس من الجنس الآخر والى تفاصيل الحوار:
ـ بروفيسور تدمري كما تعرفون هناك جهات صحية رسمية وغير رسمية ممثلة بالقطاع الخاص تقوم بإرسال عينات لمختبرات خارج الدولة دون رقابة من قبل الجهات الصحية الرسمية..فما هي المخاطر التي تنطوي على ذلك وكيف يمكن استغلال مثل هذه العينات؟
ـ العينات التي يتم إرسالها للخارج لسبب إما عدم توفر الأجهزة وإما لدقة التحاليل المطلوبة تتم دراستها في الخارج لأهداف آنية مثل تحديد طبيعة ونوعية المرض، لكن على المدى البعيد يمكن استغلالها لأمور حساسة منها معرفة المعلومات الجينية والتي تعتبر في بعض الدول معلومات إستراتيجية بالغة السرية ويجب عدم الإفصاح عنها لان بعض المتغيرات الحساسة في جسم الإنسان يمكن أن تعطي فرصاً لاكتشاف هوية شعب أو جنس كما يمكن استغلالها في تطوير أدوية ممكن أن تكون فعالة لدى جنس محدد أكثر من الجنس الآخر.
مشروع الجينوم البشري في بعض الدول مثلا يخضع بكامل جوانبه التمويلية والإشرافية والرقابية لوزارة الدفاع وهناك لجان تضم علماء وأساتذة الجينات وضباطاً من وزارة الدفاع تعقد اجتماعات دورية لدراسة كل ما يتعلق بالجينات ضمن قوانين صارمة جداً تسمح لبعض المعلومات العلمية البحثية أن تصدر والمعلومات الأخرى تحجب. ودعني أوضح ذلك بمثال بسيط حول إمكانية الاستغلال، الأمراض الوراثية بما فيها الضغط والسكري والثلاسيميا لها أوجه وأنواع عدة وهناك نسبة من المرضى يستجيبون لصنف محدد من الدواء أكثر من غيرهم لان لديهم قاعدة وراثية قادرة على استقبال الدواء والتأقلم معه.
أما المرضى الآخرون الذين لا يستجيبون للدواء فيلزمهم تركيبة دوائية مختلفة وبالتالي يمكن للشركات المصنعة استغلال هذه العينات بعد تحليلها وإنتاج أدوية تخضع لبراءة الاختراع لسنوات طويلة ومن ثم تقوم ببيع هذه الأدوية لتلك الدولة بأسعار مرتفعة جدا وهذا بحد ذاته استنزاف للاقتصاد الوطني لأي دولة. ولكن لو قامت الدولة أو أي دولة أخرى بإجراء الدراسة على العينات الوراثية بذاتها لكان بإمكانها فرض شروطها على شركات الأدوية إما من خلال حصة معينة أو نسبة من الأرباح أو سعر خاص.
ـ ما هو الحل الأمثل برأيكم لهذه المشكلة التي ربما تغيب عن بال الكثيرين؟
ـ إرسال العينات للخارج يجب أن يتم تحت رقابة مشددة من قبل الجهات الرسمية في الدولة، والأفضل العمل على تأسيس مختبر مركزي لبحث الأمراض الوراثية ولا اعتقد أن هناك عقبات تحول دون ذلك فالتقنيات أصبحت متاحة للجميع والإمكانيات المادية والطواقم الطبية والفنية متوفرة بكثرة وما ينقصنا هو فقط الإرادة.
فعالية الدواء تختلف
ـ وهل تعتقد أن بعض شركات الأدوية استغلت بعض المعلومات خاصة فيما يتعلق بموضوع الأدوية؟
ـ الشئ المؤكد هو أن بعض الشعوب تستجيب أكثر من غيرها لبعض أنواع الأدوية وهناك بعض المرضى ممن يتناولون بعض الأدوية في بلدانهم خاصة لأمراض الضغط والسكري مثلا لا يستجيبون لنفس الأدوية المصنعة في نفس الشركة في دولة أخرى، وبالتالي من الأفضل للمرضى الذين يسافرون خارج أوطانهم حمل كميات كافية من الأدوية التي يتعاطونها.
خسائر الاضطرابات الوراثية
ـ من خلال قاعدة البيانات االمتوفرة في المركز العربي للدراسات الجينية ما هي أكثر الأمراض الوراثية انتشارا وهل هناك دراسات تشير إلى حجم خسائر الدول العربية بشكل عام والإمارات بشكل خاص جراء هذه الأمراض وكيف يمكن الحد منها برأيكم؟
ـ الاضطرابات الوراثية تشكل السبب الرئيس لوفيات الأطفال في العالم العربي وتنتشر هذه الأمراض على نحو متزايد في الدول العربية إذا ما قورنت بتلك الاضطرابات المرتبطة بالتغذية أو العوامل الوراثية، واهم العوامل المؤدية إلى هذه الزيادة انتشار ظاهرة زواج الأقارب في المجتمعات العربية.
ولا يخفى أن للاضطرابات الوراثية الأثر البالغ على نظام الرعاية الصحية في العديد من دول المنطقة؛ لاسيما مرض الثلاسيميا ومرض الخلايا المنجلية وداء السكري وارتفاع ضغط الدم حيث وصلت هذه الأمراض إلى نسب وبائية بالغة في العالم العربي. وتشير بعض الدراسات الاقتصادية إلى أن عددا محدودا من الأمراض الوراثية والتشوهات الخلقية مثل الشلل الدماغي والسنسنة المشقوقة والجذع الشرياني ومرض رباعية فالو ومرض الشفة المشقوقة ومتلازمة داون وغيرها من أمراض الفتق الحجابي تكلف القطاع الصحي العربي أكثر من 365 مليار درهم في السنة الواحدة، وتبلغ حصة دولة الإمارات من هذه الخسائر أكثر من 474 مليون درهم سنويا.
يضاف إليها 255 مليون درهم أخرى لتغطية النفقات الصحية لمرضى الثلاسيميا وفقر الدم المنجلي والتليف الكيسي وسيلان الدم. وأكثر ما يشد الانتباه هو أن بعض الاضطرابات الوراثية التي تحتويها قاعدة البيانات الالكترونية في المركز وجدت لأول مرة في الشعوب العربية كمتلازمة طيبي _ شلتوت ومتلازمة الغزالي ومتلازمة مغربني وبعضها ينحصر وجوده بين العرب مثل متلازمة الكرك والمتلازمة الهيكلية القلبية من النوع الكويتي وغيرها. وهناك بعض الأمراض الوراثية المقصورة على توزيع جغرافي معين مثل خلل الفا سبكترين الخلايا الحمراء _1 والتي وجدت فقط في المغرب العربي.
ـ ما هي الأمراض الوراثية المشتركة بين الدول العربية؟
ـ الأمراض الوراثية التي تتوفر حولها المعلومات من كل الدول العربية تنحصر تقريبا في مرض الخلايا المنجلية ومرض الثلاسيميا ومرض عوز نازعة هيدروجين الجلوكوز _6 فوسفاتG6PD).
817 مرضاً وراثياً
ـ كم وصل عدد الأمراض الوراثية التي تم رصدها في دولة الإمارات؟
ـ قاعدة البيانات الالكترونية شملت لغاية الآن 1115 ملفاً تحتوي على 817 مرضاً وراثياً منتشرة في العالم العربي وحوالي 300 جينة مرتبطة بهذه الأمراض منها 242 مرضاً وراثياً في دولة الإمارات يرتبط بها 30 عاملاً وراثياً وما تم انجازه على مستوى الدولة لغاية الآن يمثل 85% أي بمعنى أن الأمراض الوراثية والجينات المسببة لها قابلة للارتفاع.
وبالاطلاع على هذه القيم نجد أن دراسة الاضطرابات الوراثية على المستوى الجزيئي (دراسات جينية) في الدولة تمثل 12% فقط من المجموع الكلي للدراسات المتعلقة بالأمراض الوراثية في حين أن معدل هذا النوع من الدراسات في الوطن العربي يبلغ 35%؛ الأمر الذي يدعو إلى بذل المزيد من الجهد والمال لتعزيز الدراسات الجزيئية في دولة الإمارات وخاصة بعد النظر في معدلات ارتفاع الزيجات بين الأقارب إذ وصلت في الوقت الحالي إلى 5,50% بعد أن كانت في الجيل السابق 39% فقط.
التشوهات الخلقية
ـ ما هي أكثر الاضطرابات الوراثية المنتشرة في دولة الإمارات؟
ـ معظم الاضطرابات الوراثية تصنف ضمن (التشوهات الخلقية وعيوب الكروموسومات ) وهو أمر يتوافق مع النتائج العامة للمنطقة. وقد يرجع السبب في ذلك إلى وجود تعدد وحدات الوراثة السريرية في الدولة مما يساعد في وجود عدد كبير من الدراسات حول هذا الصنف من الأمراض الوراثية وعلى العكس من ذلك تبين من خلال الاحصاءات وجود شح بالغ في المعلومات حول الأمراض الوراثية التي تصيب الجهاز العصبي وكذلك أمراض العين والأذن وقد يعود ذلك إلى قلة الكادر الطبي في هذه التخصصات أو عدم اهتمام العاملين في تلك المجالات بالنشر العلمي لاكتشافاتهم وتفاصيل مشاهداتهم.
الفوائد المرجوة
ـ ما فائدة جمع هذه البيانات وما هي الجهات التي يمكن أن تستفيد منها وما هو المطلوب للحد من انتشار الأمراض الوراثية من وجهة نظركم؟
ـ الفائدة المرجوة من جمع البيانات كثيرة وتطال كافة المهتمين والمتخصصين لانها توفر قاعدة معلومات متكاملة حول معدلات انتشار الاضطرابات الوراثية في العالم العربي كما انها توفر فرصة لصناع القرار لمعرفة حاجة النظام الصحي في المنطقة إضافة لتعزيز وسائل التعليم والبحث حول هذه الاضطرابات على المستويين السريري والجزيئي وهذا يلعب دورا كبيرا في الارتقاء بمستوى الرعاية الصحية في العالم العربي.
أما فيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال فالحل الأمثل للحد من تأثير انتشار هذه الاضطرابات الوراثية يكمن في تطبيق برامج وقائية فعالة مثل فحص حديثي الولادة وفحص الأشخاص الحاملين لصفة المرض.
كلام عام
ـ يقال إن الأمراض الوراثية تنتقل من الجيل العاشر فما مدى صحة ذلك؟
ـ هذا كلام عام. هناك بعض الأمراض الوراثية ومنها الثلاسيميا على سبيل المثال مضى على اكتشافها عشرات أو مئات السنين وما زالت تعتبر من الأمراض الضاغطة على صحة الإنسان وبالتالي مقولة إن الأمراض الوراثية تنتقل من الجد العاشر هو كلام عام.
اضاءة
تأسس المركز العربي للدراسات الجينية في عام 2003 تحت رعاية جائزة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم للعلوم الطبية بغرض توفير فهم أفضل لطيف الاضطرابات الوراثية التي تصيب الشعوب العربية.
حوار ـ عماد عبد الحميد