حذرت دراسة تربوية حديثة من أن مشاهدة الأطفال للقنوات الفضائية لساعات طويلة تؤدي إلى آثار نفسية واجتماعية سلبية تؤثر في تشكيل شخصيتهم مستقبلا، مؤكدة أن المضامين التربوية والترفيهية لكثير من برامج الفضائيات، تتعارض وأسس التربية المأمولة، بالإضافة إلى أن حالها لا يسر المتابعين وبخصاصة التربويين .

وأوضحت أن الفضائيات أحدثت تغيرا مهما في المجتمعات بما قدمته من وسائل للاتصال، جعلت العالم وكأنه بلا حدود ولا قيود تقف في وجه انتقال المعلومة، والتربية سواء بوصفها متغيرا للتحول المجتمعي أو محركا أوليا لهذا التحول، ولهذا فهي تعد أكثر جوانب المجتمع عرضة للتغير.

وأكدت أن دور المؤسسات التعليمية والتربوية أكثر أهمية وأعظم أثرا في تربية الأبناء في عصر الفضائيات من أي فترة سابقة، لافتة إلى دور الأسرة في ذلك، حيث إن تجاهلها لهذه المؤشرات الخطيرة تؤدي إلى تعرض أبنائهم إلى آثار نفسية واجتماعية سلبية.

واعتبرت الدراسة التي أعدها محمد احمد بالحمر رئيس قسم البرامج والمناهج بمنطقة أبوظبي التعليمية بعنوان «دور المؤسسات التعليمية في التوعية بالأبعاد المختلفة لبرامج الفضائيات» الفضائيات سلاح ذو حدين، تستهدف جميع الأجناس والفئات العمرية دونما تمييز بين الخلفيات الثقافية والمستويات العلمية، وان كانت أكثر تأثيرا في فئة الأطفال والمراهقين، نتيجة لما يتميزون به من تغيرات بيولوجية واستعدادات سيكلوجية ترافق هذه الفئات من العمر، أي أنها بشكل أو بآخر تؤثر في فئة الطلبة بشكل أعمق وأكثر، ابتداء من رياض الأطفال وانتهاء بالجامعات.

وأوضحت أن القنوات الفضائية شأنها بشأن باقي وسائل الإعلام الأخرى تؤثر في مفاهيم وتصورات وطموحات الأطفال مما يجعل بعضهم معرضا لقيم وممارسات تعزز الاستقلال في الرأي والرغبة في الحوار، والميل إلى التفكير الناقد، وانتهاز فرص التعلم الذاتي، وبما يجبر الكبار على الحوار والتعامل معهم كمتلقين ايجابيين. وعليه فانه لا يمكن إنكار دورها في النمو المعرفي للأطفال وتعليمهم وتوسيع مداركهم، كما أنها تقدم معلومات جاهزة ومحددة في إطار يساعد على تنمية الخيال والابتكار لدى الأطفال، ناهيك عن أن مشاهدتها تزيد من قدرة الأطفال على الاستيعاب والتذكر، وذلك لاعتمادها على حاستي السمع والصبر ولجاذبيتها، لأنها تستخدم الكلمة والصورة والحركة.

وفيما يتصل بالسلبيات أشارت في هذا الصدد إلى دراسة معنونة «بمواد وبرامج الأطفال في القنوات الفضائية العربية» بان فترة الذروة المسائية تحوي مشاهد تصنف على أنها عنيفة بمتوسط قدره خمسة مشاهد في الساعة. وهذا يعني أن الطفل حتى عمر 11 عاما يكون قد شاهد نحو 20 ألف مشهد قتل أو موت وأكثر من 80 ألف مشهد اعتداء.

كما وتجمع معظم الدراسات الميدانية على أن هذه المشاهد تدخل في وجدان الأطفال أن العنف شيء طبيعي مقبول، ومن الممكن أن يمارسوه على الآخرين، وتقوي كذلك من النزعة العدوانية لديهم، وتقلل من مقدرتهم على ضبط أنفسهم، وتؤدي بهم إلى استخدام العنف بدلا من التفاوض، وتؤدي أيضا إلى إحساسهم بعدم الأمان وتزيد من الخوف والقلق لديهم.

تعامل إيجابي

ووصفت الدراسة الأسرة العربية بأنها تعيش وضعا انفلاتيا في مشاهدة القنوات الفضائية التي اقتحمت البيوت دون استئذان، وشاركتها خصوصياتها في أدق علاقاتها الاجتماعية حيث بدأت العلاقة بين أفراد الأسرة تأخذ شكلا مغايرا للمفاهيم التقليدية.

وأصبحت شريكا للأسرة والمدرسة في تربية النشء، إن لم تكن هي الأولى في هذا السياق، فهي تحدد لها مواعيد تناول الطعام والزيارات والتواصل الاجتماعي، فمن اجل مباراة كرة القدم مثلا، ربما يقوم رب الأسرة بإلغاء كل الالتزامات العائلية وكل المواعيد مع الأصدقاء، فما بالك بالأطفال الذين يقضون الساعات الطوال في التنقل بين القنوات الفضائية، يشاهدون ويمتصون ما تعرضه عليهم من غث البرامج وسمينها دونما رقيب أو حسيب.

اضاءة

طالبت الدراسة بوضع سياسة محدودة وواضحة للدور المطلوب من القناة الفضائية وتحديد أساليب معالجتها للظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بحيث تقوم هذه السياسة على الصدق والأمانة ومخاطبة العقل العربي وفق أسلوب حضاري. والتواصل المهني الأكاديمي بين المؤسسات التعليمية والجامعات العربية من جهة والقنوات الفضائية من جهة أخرى لخلق قاعدة تفاهم تستند إلى الحجة العلمية في التوجيه الإعلامي.

أبوظبي ـ عبدالرزاق المعاني