يصاب نحو 360 شخصاً في العالم كل ساعة بالعمى، لأسباب عديدة، منها حوادث السيارات والسكري والأمراض الوراثية وملوثات البيئة وغيرها، لذا علينا توجيه الأنظار والاهتمام بصورة أكبر في دعم هذه الفئة وتوفير وسائل رعاية وتأهيل لهم مثل المكتبات الناطقة وبرامج الحاسوب وغير ذلك.... ناصر نوراني البالغ من العمر 35 عاماً سوداني الجنسية يعمل صحافياً في مجلة الشرطة في دبي، وهو ضرير إذ إنه من سلالة عائلة لقبها ( الضرير) نسبة لجده الذي كان يعاني من المشكلة نفسها، ومنها انتقلت عبر الوراثة للأحفاد من خلال زواج الأقارب، وتوارثتها العائلة على مدى ستة أجيال، منهم ناصر وثمانية أشخاص من أقاربه يعانون من المشكلة نفسها.
طموحات وكفاح ... لكن لم تقف هذه المشكلة عائقاً في تحقيق طموحاتهم. فقد استطاعوا جميعا الحصول على درجة البكالوريوس و اثبت ثلاثة منهم مكانتهم في الحياة العملية. يقول ناصر أنا الابن الأكبر لوالدي. وعند ولادتي ضعيف البصر لم يفاجأ أهلي، لأنهم كانوا متوقعين ذلك، وأقيم في دولة الإمارات منذ عام 1973 ودرست في مدارسها العامة إذ إنني في البداية كنت مصاباً بضعف نظر على درجة مرتفعة نوعاً ما. وعشت معاناة حقيقة بهذه الفترة فقد كانت أصعب مرحلة في حياتي، لأن الاختلاط بين الطلاب المعاقين والأسوياء بتلك الفترة غير وارد، ومع أن والداي هيآني نفسياً، لكنني واجهت ضغوطاً نفسية كبيرة من الطلاب وبعض المدرسين، فكنت أسمع تعليقات لاذعة من زملائي واستهزاء واستغراباً وكرهت مادة اللغة الإنجليزية بسبب تعامل المدرس السيئ الذي كان يرفض دائماً مساعدتي في قراءة الأسئلة ويقول لي هذه مشكلتك الخاصة وليست مشكلتي وكان يتعمد تجاهلي باستمرار، ولا أذكر له شيئاً سوى استهزائه وفتحه المجال أمام الطلاب الذين يعتبرونه مثلهم الأعلى.
هذا كل ما احتفظ به من ذكريات دراستي، لكني الآن أسامح زملائي ولا ألومهم، لأنهم كانوا أطفالاً وكان تفكيرهم محدودا وغير ناضج والتوعية عن الإعاقة بذلك الوقت كانت قليلة، لكن في المرحلتين الإعدادية والثانوية تفاقمت المشكلة لدي وأصبحت غير قادر إلا على رؤية أخيلة ضعيفة، ومع ذلك أصر والدي رحمه الله على متابعة دراستي.
وذهب للمدرسة وطلب من المدرسين تفهم وضعي ومحاولة مساعدتي، فتقبلوا الوضع، فقد كانوا يساعدونني بقراءة أسئلة الامتحانات وكان يقوم أحدهم بكتابة الإجابات التي كنت أمليها عليه، وكانت أمي في المنزل تجلس بجانبي لساعات طوال تقرأ لي الكتب بصوت عالٍ ومن ثم تلخص لي.
نجاح بعد الجهد
الحمد لله أنهيت دراستي الثانوية بنجاح وكنت السابع على طلاب الثانوية العامة في الدولة وقبلت في جامعة الإمارات، وهذا ما جعلني معروفاً قبل تسجيلي واخترت تخصص اللغة العربية وكانت هذه الفترة من أجمل مراحل حياتي وأتمنى لو أنها لم تنته، فقد وجدت كل الدعم والمساعدة من زملائي الذين كان عددهم نحو 12 شخصاً.
حيث خصص كل واحد منهم وقتاً محدداً حسب ظروفه لتدريسي، كما أن عدد طلاب اللغة العربية في القسم لم يتجاوز 12 طالباً مما سمح للمدرسين بالتركيز علي وإعطائي وقتاً إضافياً، وبسبب حبي لهذه المرحلة فقد مرت بسلام ودون أدنى استهزاء أو استغراب وكان الجميع يعاملني مثل أي إنسان، ففكرت بعد انتهائها بالالتحاق والتسجيل بدراسات عليا خصوصاً أنني حصلت على البكالوريوس بدرجة امتياز، لكن لم يشأ القدر، فقد توفي والدي الذي كان يعمل صحافياً في جريدة (البيان) وهو يعمل بها منذ عام 1993 ومن المحررين الأوائل في مجلة أخبار دبي، لذا كان علي أن أحل مكان والدي رحمه الله وأقود عائلتي خصوصاً أن أمي ربة منزل ولدي ثلاثة أشقاء.
مساعدة مشكورة
جاء الفريق ضاحي خلفان القائد العام لشرطة دبي للعزاء، وتكفل بتوظيف أحدنا في الشرطة، وفكرت في قسم يتناسب مع قدراتي، واستعنت بأصدقاء والدي لإرشادي للوظيفة المناسبة التي تناسب قدراتي وتخصصي وأستطيع من خلالها إثبات نفسي فوقع الخيار على القسم الإعلامي.
بدأت عملي هناك ووجدت كل الدعم والتشجيع من الجميع خصوصاً المقدم ناصر العوضي رئيس قسم العلاقات العامة ومسؤول المجلة وعملت في مجلة الشرطة فترة طويلة وكنت في البداية أقوم بعمل ملخصات الكتب ودراسات حول العلاقات الأمنية، وبعدها اقترحت على المقدم ناصر عمل تحقيق ميداني، فشجعني وفتح لي المجال من خلال توفيره سيارة وسائقاً ومصوراً وقت الحاجة.
وأول تحقيق صحافي قمت به كان حول وضع المعاقين في القانون سواء ضحايا أو جناة، فحددت مصادري وهم المحامون والشرطة والمعاقون وتزامن التحقيق مع مؤتمر للمعاقين وقابلت الشيخة جميلة القاسمي مديرة مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، وأكثر تحقيق افتخر بإجرائه كان مع الإعلامي فيصل القاسم، ومدير قناة الجزيرة السابق جاسم العلي.
وتعلمت من العمل الصحافي كيفية طرح الأسئلة الصحيحة وكونت شبكة علاقات اجتماعية واسعة، ومن الميزات التي قادتني إليها مشكلتي إنني استطعت كسر حاجز الخوف والهيبة من مواجهة المسؤولين حيث إنني لا استطيع رؤيتهم كما أنني وجدت الدعم الكبير منهم بسبب إعجابهم بكفاحي وطموحي رغم مشكلتي، فهي التي ساعدتني في تحقيق النجاح بنسبة 90%.
كما أن الدعم من قيادة الشرطة لي جعلني إنساناً مطلعاً ومثقفاً فقد وفروا لي برنامج الحاسوب الناطق الذي استطيع من خلاله الدخول للانترنت والاطلاع على كل ما هو جديد وزودوني بدورات تدريبية وأنا الآن قادر على التعامل معه بشكل جيد وأحفظ مواقع جميع الحروف على لوحة المفاتيح، و10% المتبقية أتمنى لو استطيع أن أكون مذيعاً أطل على الجمهور من وراء الميكرفون.
ومع مرور الوقت وصدور مجلة الأطفال ( خالد ) من القسم نفسه قررت استعادة تجربتي المؤلمة مع المدرسة وحاولت تقديم نفسي كنموذج، لأكرس للمعاق مكاناً في حياة الأطفال وأنه إنسان موجود يمكن أن نقابله في أي مكان.
في البداية ترددت، لأن حجم المشكلة كبير وموضوعها معقد والكتابة للأطفال غير بسيطة، لكنني بقيت على قراري واستشرت زملائي بالعمل وأهل الاختصاص فوجدت فكرتي التأييد وبقيت أكتب سلسلة قصص وليد وصابر لمدة ثلاث سنوات وكنت أتحدث فيها عن نفسي المعاقة كما أعرفها وأعيشها وأتألم وأفرح معها، وفي كل حلقة استطعت أن أطرح مشكلة وأحاول حلها مستعيناً بالصور المرسومة وهدفها تقديم معلومة صحيحة عن كافة أنواع الإعاقة والتعريف بالمعاق وعالمه وكيفية التعامل معه.
تمنيات وأحلام
عن الحياة الاجتماعية قال ناصر، كما كان لمشكلتي فضل كبير على نجاحي كان لها تأثير كبير على الارتباط والزواج، فوجدت الرفض بسبب الخوف من الأسباب الوراثية، لكن الآن يوجد فحص قبل الزواج، كما أن أغلب الأهالي تتمنى وتنشد لبناتها الراحة، فمعنى أنني ضرير هي ستكون مسؤولة عن البيت واحتياجاته وعن قيادة السيارة وكل شيء مما سيجلب لها التعب وتحمل قدر كبير من المسؤولية.
وأضاف ناصر أن الأشخاص العاديين قد يحبون من النظرة الأولى أما أنا فأحب وأشعر بالراحة للشخص عندما أسمع الصوت الهادئ والمريح والدافئ، وفتاة أحلامي يجب أن تكون حاصلة على شهادة جامعية، فلا أقبل أقل من ذلك وأن تكون على خلق ودين ومثقفة ومسؤولة وتقدر الحياة الزوجية والشراكة، لكني الآن قبل الزواج أفكر بالاعتماد على نفسي، فأنا أطلب المساعدة بشكل مستمر فلم اعتد على مسك العصا لأتحسس بها أو أن اعتمد على أشعة الشمس أو هبوب الرياح لأرسم خريطة ذهنية للموقع، وهذه مشكلة حقيقية ولم أتعلم منذ الصغر طريقة تساعدني بالاعتماد على نفسي ربما لأنني فقدت نظري تدريجياً.
وعند سؤال ناصر عن الشخص الذي يتمنى رؤيته أجاب أريد رؤية أبناء أخي وابنة صديقي الضرير الذي تخبرنا زوجته باستمرار عن جمالها ويحزنني أني أسمعهم جميعاً وأحس بهم دون أن أراهم.
وتمنى أيضاً أن يصبح مثل صديقه الدكتور مهند العزة الذي حصل على دكتوراه في القانون من مصر واستطاع الاعتماد على نفسه طوال فترة دراسته وهو يتمتع بمستوى تفكير عالٍ ومطلع على جميع قضايا المعاقين ما فتح له المجال للمساهمة بوضع قوانين الاتفاقية الجديدة للمعاقين من خلال مؤتمر الأمم المتحدة الذي عقد في سوريا والذي ركز على الانتقال من نظرة الشفقة للمعاق إلى أنه شخص لديه حقوق يجب أن يحصل عليها ويتمتع بها.
وعن رأي الزملاء قالت زينب حسين إن ناصر من الأشخاص المهمين والفعالين في القسم ويتمتع بذاكرة قوية ومصدر للأفكار النيرة والمبدعة التي يمد المجلة بها باستمرار، ولديه شبكة علاقات جيدة، والجميع هنا يعتمد عليه في الاتصالات والمتابعة مع الجمهور، لذا فهو عنصر أساسي في المجلة وتوكل إليه مهام يقوم بها على أكمل وجه مثل أي شخص عادي.
كتبت: سمانا النصيرات

