يقول الله تعالى: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين أحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا».

وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي: لا تقل لهما كلاماً تتبرم فيه بهما إذا كبرا وأسنا، فينبغي أن تتولي من خدمتهما مثل الذي تولي من القيام بشأنك وخدمتك ولا تكلمهما ضجراً صائحاً في وجهيهما وأن تكون ليناً لطيفاً، أحسن ما تجد وأن ألن لهما جانبك متذللاً لهما من رحمتك إياهما.

فالإسلام على كراهته الذل لأتباعه، فإنه يستحب منهم الذل في الرحمة بالوالدين لأن الذل هنا زيادة في الرحمة، يأتي من كرامة في النفس، ولا يأتي من هوان فيها. ويقول تعالى : (ووصينا الإنسان بوالديه حسناً وإن جاهداك لتشرك ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعلمون).

وإن الولد مهما عمل مع والديه، فلا يمكن أن يوفيهما حقهما، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم «لا يجزي ولد والداً إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه، فيعتقه». وقد سأل صحابي النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحق بحسن صحبتي يا رسول الله ؟ قال: أمك . قال : ثم من ؟ قال : أمك. قال: ثم من ؟ قال: أمك. قال: ثم من ؟ قال: ابوك».

وذلك لما لاقته من الألم والتعب والسهر والمشقة. فقد لاقت الأم ثلاثة متاعب شاقة لم يتحملها الأب. أولها مشقة الحمل، وثانيها مشقة الوضع، وثالثها مشقة الرضاع والتربية. أما برهما بعد موتهما فبينه ـ عليه الصلاة والسلام ـ لأحد أصحابه عندما سأله قال: يا رسول الله هل بقي علي شيء من بر أبوي بعد موتهما أبرهما به؟

قال: نعم، خصال أربع: الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك من قبلها، فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما. فقد أمرنا الله بالدعاء لهما وقال: عليه الصلاة والسلام: إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولى.

رجاء علي