قال الشيخ: لو علم الإنسان عظم الأمانة التي أوكلت إليه لما غفت عيناه غفوة، ولو علم عظم اصطفاء الحق له ليكون مبلغ رسالته إلى من حوله لما أضاع ساعة في لهو أو عبث، أنت أيها الإنسان المتضائل في الصغر إلى حدود الصفر، الذي تحسب أن لك وجوداً وعمراً وشباباً وكهولة، كل حياتك وأفعالك وما تجنيه وما تخسره ذرة غبار هائمة في عوالم لا محدودة.

ها هو العلم الذي تفخر بأنك أنجزته يخبرك بأنك جئت إلى الأرض بعد ملايين السنين، وأن الحياة ستستمر بعدك ملايين السنين، وأن في الأرض مليارات من البشر كل منهم له حياته وآماله وآلامه وأهدافه الصغيرة والكبيرة، وأنت لا تزال تصر أنك «كل شيء» بكل لهوك وعبثك وتضييعك للأمانة، يغرك يوم من قوة يتبعه أيام من ضعف، وساعة من لذة يتبعها ساعات من الإفلاس والألم.

الله الأول والآخر والظاهر والباطن، الموجود الحقيقي الذي يتلاشى كل وجود نسبة إليه، اختارك بضعفك وحقارتك وكونك قشة في محيط الوجود فنسبك إلى نفسه وسماك عبده وحملك رسالة تبلغها إلى من حولك من زوجة وأولاد وجيران وغيرهم،

وطلب منك أن تلتزم الأدب في إعطاء الرسالة حقها والحرص على إيصالها للمقصودين، فتنجو من انعدام القيمة في الحياة ومن الفناء والعدم الذي تتوقعه بعد الموت، وأنت لا تزال كالطفل يغرك احمرار الجمر فتسعى إلى اللعب به حارقاً أصابعك وكفيك وجسدك في الدنيا والآخرة.

يشبه شاعرنا الإنسان بالحمام الزاجل الذي عرف بالحرص على تبليغ الرسالة مهما ساءت الظروف أمامه واختلطت الأحوال فيقول:

هي ذي الرسالة سوف يلقيها لمن حملت له

حتى إذا طال السفر

حتى إذا هبت رياح عاتيات، أو تعرض للخطر

يأوي إذا حل المساء لبعض أغصان الشجر

أما يداه فلا تفك عن الرسالة

من منا يحرص على تأدية رسالة السماء ـ وفيها نجاته ـ كالحمام الزاجل، من منا يرى في حياته ميداناً لغرض وحيد ولغاية فريدة هي هداية الحيارى وقد يكونون أبناءنا أو زوجاتنا أو جيراننا أو أصدقاءنا، من منا لا تجعله اللذائذ أو الأخطار يلقي بالرسالة مقبلاً على متع كالسراب أو هارباً من خطوب هي قطع من العذاب.

يقول شاعرنا (مأمون شقفة): «وحديثه عن الحمام الزاجل»

ويرى حبوباً في الطريق ينال منها حظه

أما يداه فلا تفك عن الرسالة

ويرى الجداول بعد ما اشتد الظمأ...

يروي برياها الغليل

ويستريح لبرهة......

أما يداه فلا تفك عن الرسالة

كأني بأبناء آدم قد فلتت من أيديهم الرسائل، وراحوا يتسكعون في ممرات الحياة وبين زواياها، لا يذكرهم عمر ينقضي ولا يوقظهم موت يقترب... الحق سبحانه وتعالى يقول لنا «إنه لقول فصل، وما هو بالهزل» وأشرفنا وأكثرنا إيماناً ووعياً لا يزالون يهزلون ويلعبون.

ماهر سقا أميني