القرآن معجزة الإسلام الكبرى، الذي تحدى به العرب والعجم، على حد سواء، بأن يأتوا ولو بآية مثله، فعجزوا عن الآتيان بسورة أو آية.
وأنى لهم أن يأتوا بمثله وهو كلام الله سبحانه وتعالى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ولكن للأسف فإن المسلمين في القرون الأخيرة لم يعرفوا مقدار شأنه، ولا علو منزلته فأعرضوا عن تعاليمه وعدلوا عنه إلى غيره من تعاليم وقوانين من وضع البشر التي لا تسمن ولا تغني من جوع قابلة للتصدع والخراب والخسران في كل زمان ومكان.
ورغم ما فيه من آيات بينات، وعبر وأحكام وعظات، فإنهم تناسوه واتخذوه مهجوراً يقول تعالى: ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله، وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ). (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء، وإن منها لما يهبط من خشية الله).
وإذا أراد المسلمون عزة وكرامة في الدنيا وبين الأمم فعليهم أن يتمسكوا بما جاء به من عقيدة متينة راسخة وقوانين سمحة وتعاليم سامية وآداب كريمة قيمة وأن يتعظوا بما قص الله فيه من شأن الأمم السالفة، وأن يعظموه في النفوس وأن يتلوه حق تلاوة لأنه فيه سعادتهم الدينية والدنيوية.
فسورة واحدة هي « الفاتحة» قد جمعت كل علوم القرآن، يقول القرطبي رحمه الله تعالى: سميت أم القرآن العظيم لتضمينها جميع علوم القرآن، وذلك: أنها تشتمل على الثناء لله - عز وجل - بأوصاف كماله وجلاله، وعلى الأمر بالعبادات، والإخلاص فيها، والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها بإعانته تعالى، وعلى الابتهال إليه في الهداية إلى الصراط المستقيم، وكفاية أحوال الناكثين، وعلى بيان عاقبة الجاحدين.
كما أنها تضمنت مقاصد القرآن الكريم إجمالاً، بمعنى آخر: هو أن القرآن الكريم إنما جاء لبيان حقوق الخالق على خلقه، وحاجة الخلق إلى خالقهم وينظم الصلة بين الخالق والمخلوق.
وقد أشارت الفاتحة إلى بيان حقوق الله على خلقه (إياك نعبد وإياك نستعين ) مع طلب الهداية منه تعالى إلى صراط المستقيم، بيان لحاجة الخلق إلى خالقهم، والصراط المستقيم هو نظام هذه الصلة بين المخلوقين والخالق.
كما تضمنت الفاتحة كذلك الإشارة إلى الرد على كل طوائف المبطلين الخارجين عن الطريق المستقيم، وبيان أسباب هذه الخروج، وهي لا تتعدى الغضب عليهم أو الضلال منهم.
وبهذا استحقت الفاتحة أن يطلق عليها أم القرآن، بل القرآن العظيم.
وقال القرطبي أيضاً: وفي الفاتحة ما ليس لغيرها. حتى قيل: إن جميع القرآن فيها، وهي خمس وعشرون كلمة، تضمنت جميع علوم القرآن، ومن شرفها أن الله سبحانه قسمها بينه وبين عبده ولا تصح القربة إلا بها، ولا يلحق عمل بثوابها وبهذا صارت أم القرآن العظيم.
والقرآن الكريم فضلاً عن أنه دستور للمسلمين يرسم لهم الطريق السليم ليسيروا عليه، فإنه شفاء ورحمة للمؤمنين، يقول تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ).
فهو شفاء للنفوس المريضة السقيمة، وشفاء أيضاً من الأمراض الظاهرة فهو يشفى القلوب بزوال الجهل عنها، وذهاب الريب، وكشف الغطاء عن الأمور الدالة على الله سبحانه.
وأنه يشفي من الأمراض ورحمة للمؤمنين، لما فيه من العلوم النافعة المشتملة على ما فيه صلاح الدين والدنيا، ولما في تلاوته، وتدبره من الأجر العظيم، الذي يكون سبباً لرحمة الله سبحانه ومغفرته، وعلاوة على أنه دستور للمسلمين، فهو شفاء ورحمة، وتلاوته في نفس الوقت عبادة، وفيها أجر كبير.
رجاء علي