الإيمان بالكتاب كله هو السمة التي تنفرد بها هذه الأمة المسلمة. لأن تصورها لربها الواحد، وطريقه الواحد، هو التصور الذي يستقيم مع حقيقة الإلوهية. ويستقيم مع وحدة البشرية. ويستقيم مع وحدة الحق الذي لا يتعدد.. والذي ليس وراءه إلا الضلال «فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ( «يونس/32 وبعد ذلك يعيب الله تعالى على أصحاب الإيمان المعتل الذي تخالطه بعض المخالفات الشرعية والتي لا تنسجم مع تعاليم الإيمان الحقيقي فإيمانهم غير مقبول لفقدانه حلاوة الإيمان الصادق فهم بعيدون عن المغفرة والرحمة الإلهية «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) «النساء/137 ) فالذين يرتدون بعد الإيمان مرة ومرة، إنما يفترون على الفطرة، عن معرفة ويلجون في الغواية عن عمد.
ويذهبون مختارين إلى التيه الشارد والضلال البعيد...فعدل ألا يغفر الله لهم، وعدل ألا يهديهم سبيلا؛ لأنهم هم الذين اضاعوا السبيل بعد ما عرفوه وسلكوه وهم الذين اختاروا السيئة والعمى، بعد ما هدوا إلى المثابة والنور...وإذا لم تتجرد النفس لله، لم تتحرر أبدا من ضغط القيم والأوضاع، والضرورات والمصالح، والحرص والشح. ولم ترتفع أبدا على المصالح والمغانم، والمطامع والمطامح. ولم تستشعر أبدا تلك الطلاقة والكرامة والاستعلاء يحسبها القلب المملوء بالله أمام القيم والأوضاع، وأمام الأشخاص والأحداث، وأمام القوى الأرضية...).
والإيمان الحقيقي شرط لجني أرباح التجارة التي تنجي من الشقاء والعذاب الأليم ولا تتحقق هذه النجاة إلا به « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) «الصف10/13 والإيمان صفة أهل الفلاح والسعادة ولا يمتاز به إلا من اخلص لله في القول والعمل ولا تكون أيضا إلا في المسلمين الموفين للحقوق المناطة على عاتقهم « قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) «المؤمنون1/11 ومن صفات أهل الإيمان العدل والقسط بين كافة الناس المسلم وغيره سواء أكان الناس فقراء أو أغنياء فهم سواسية في ميزان العدل«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا( «النساء/135 ) إنه نداء للذين آمنوا. نداء لهم بصفتهم الجديدة. وهي صفتهم الفريدة صفتهم التي بها أنشئوا نشأة أخرى؛ وولدوا ميلاداً آخر. ولدت أرواحهم، وولدت تصوراتهم، وولدت مبادئهم وأهدافهم، وولدت معهم المهمة الجديدة التي تناط بهم، والأمانة العظيمة التي وكلت إليهم... أمانة القوامة على البشرية، والحكم بين الناس بالعدل... ومن ثم كان للنداء بهذه الصفة قيمته وكان معناه: «يا أيها الذين امنوا....» فبسبب اتصافهم بهذه الصفة، كان التكليف بهذه الأمانة الكبرى. وبسبب اتصافهم بهذه الصفة أيضا كان التهيؤ والاستعداد للنهوض بهذه الأمانة العظيمة التي أبت أن تحملها السماوات والأرض والجبال، فتحملها هذا الإنسان وأخذ على عاتقة عمارة هذه الأرض.
فالإيمان الحقيقي لا يخالطه أي شيء لا ينسجم مع تعاليم الإسلام والفطرة البشرية فلا يمكن أن يقول قائل يكفي في الإيمان القول بالتصديق فقط دون العمل وبعد ذلك لا يضر عمل المعاصي وما ماثلها فينجر الضعفاء في الفكر إلى اقتراف الفواحش ما ظهر منها وما بطن؛ فكل آيات القرآن الكريم تدل دلالة واضحة وصريحة لا غموض فيها ولا التباس على أن الأعمال الصالحة فقط والخالصة لوجه الله تعالى هي المقبولة شرعا وصاحبها هو الذي يتصف بصفة الإيمان الصادق.
إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي