أكدت الدكتورة مهجة غالب الداعية والأستاذة بكلية بنات الأزهر ان الشفاعة حقيقة ماثلة في ديننا وأن المسلم يدعو بها في صلاته، والأحاديث التي تدعو المسلم لطلب الشفاعة من الرسول صلى الله عليه وسلم، وأشارت الى الجهود العظيمة في تنقية تفاسير القرآن الكريم من الإسرائيليات، كما تناولت العديد من القضايا.

* تكفل الله بحفظ كتابه المنزل «القرآن الكريم» فهل تكفل بحفظ السنة أيضاً؟

- الله سبحانه جعل كتابه معجزة واجه بها النبي صلى الله عليه وسلم كفار قريش وفصاحتهم وبلاغتهم، كما انها معجزة خالدة الى يوم الدين وانه آخر الكتب المنزلة مما سجلته لنا آيات القرآن في أكثر من موضع حيث يقول تعالى: (وأنزلنا الكتاب تبياناً لكل شيء)،

وفي موضع آخر: (وأنزل الفرقان مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه)، وقوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وهذ يؤكد لنا بما لا يدع مجالاً للشك أن الله تكفل بحفظ كتابه «القرآن»، وحيث ان السنة هي الشارحة للكتاب ولا يمكن أن يفهم القرآن إلا بالسنة فلابد أن يهيئ الله أسباباً لحفظ السنة حتى يظل بيان القرآن مستمراً خالداً محفوظاً بحفظ الله تعالى

وهذا ما تقوم به جامعة الأزهر اليوم من خلال مركز السنة الذي أنشأته للعناية بالسنة والسيرة والاستفادة بالتطور التكنولوجي وإمكانات الحاسب الآلي في تعظيم الاستفادة من تحقيق والحفاظ على السنة وتوفير قاعدة البيانات العلمية والبحثية في هذا المجال للدارسين من طلاب العالمية «البكالوريوس» حتى الدكتوراه، مشيراة الى انه تم جمع أكثر من 30 من أمهات كتب الحديث والتفسير من كبرى مراجع السنة النبوية ومدونات الحديث الشريف.

فضح منكري السنة

* للدكتورة دراسة مستفيضة تتصدى فيها لمنكري السنة والشفاعة نود إطلالة للقارئ ؟

- لقد دفعني اليها صوت نشاز كشف فيه بعض الكارهين للسنة النبوية عن حقدهم الدفين بإنكار السنة والدخول من بوابة إنكار الشفاعة في هذا المضمار فوقفت بكل شدة ضد منكري السنة، وخصصت دراسة مستفيضة لدحض أباطيل هؤلاء وتم طباعتها في كتاب حمل عنوان «الشفاعة» واجهتهم فيه بالحجة والبرهان وأوضحت ان إنكار الشفاعة شعبة من إنكار السنة.

وكلا الأمرين إنكار الشفاعة والسنة إنكار لما ورد في القرآن الكريم نفسه ومحال أن ينفصل هذا الإنكار عن القرآن سواء تنبه إلى هذا منكرو السنة والشفاعة أو لم ينتبهوا، لأن كلا من شرعية السنة، ووقوع الشفاعة ورد في القرآن الكريم في مواضع متعددة، ولذلك فإن إنكار السنة بعامة.

والشفاعة بخاصة يدل على واحد من أمرين: الأول : جهل المنكر للسنة والشفاعة بالقرآن جهلا كاملا إذا كان يقول بالإنكار وهو مؤمن، والثاني: عناد المنكر للسنة والشفاعة، ومحال أن يكون هذا العناد مصاحبا للإيمان.. والخطب يسير في الجاهل الحسن النية، لأن إنكاره هذا يزول بتعليمه وإزالة الشبهات التي علقت بذهنه.

أما المعاند الذي أضله الشيطان على علم فهذا يجب على الدعاة أن يكشفوا دعواه بذكر الحقائق الراسخة في الإسلام عن مكانة السنة، وصدق الأخبار الواردة في الكتاب العزيز والحديث الشريف المثبتة للشفاعة في الآخرة..

فمن الأدلة القاطعة على مكانة السنة في الإسلام قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول»، أطيعوا الله يعنى أوامر الله ونواهيه الواردة في كتابه العزيز، وأطيعوا الرسول فيما ورد في أحاديثه الشريفة التي صحت نسبتها فالله له طاعة خاصة، والرسول له طاعة خاصة، لكنها في الأصل طاعة لله، لأن الرسول ما هو إلا مبلغ عن الله، وهذا التبليغ له طريقان.. القرآن الكريم، والحديث النبوي.

وفى حالة الاختلاف يحول حكم لواقعة ليس لها حكم صريح لا في الكتاب ولا في السنة، أمرنا الله برده إليه والى رسوله، فإن وجدنا في الكتاب ما يدلنا على الحكم المطلوب التزمنا به، وإن لم نجد بحثنا في سنة رسوله، ومحال أن يخلو كتاب الله والسنة معا من الإرشاد والتوجيه الى الحكم المطلوب إما على وجه اليقين أو الظن القوي.

وفى هذا يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه «ما تنزل بعبد نازلة إلا وفى كتاب الله دليل على طريق الهدى إليها» وطريق.. أي حكم النازلة. هذا هو واحد من الأدلة القرآنية المقررة بأن السنة مصدر تشريعي ثان بعد القرآن، فكيف يفهم مؤمن طالب للحق، أو يتوهم بأن السنة ليست من الإسلام؟

أما الشفاعة فيكفينا في وقوعها يوم القيامة قوله تعالى: «من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه» كل العقلاء يفهمون من هذه الآية أن الشفاعة مشروعة، وحق لا ريب فيه، كل ما في الأمر أنها مشروطة بإذن الله عز وجل، فالشفاعة التي يأذن فيها الله حق ثابت بصريح هذه الآية. أما إذا لم يأذن فيها الله.. فهى غير واقعة.

وقد يستند منكرو الشفاعة الى قوله تعالى: «لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة» واستنادهم إلى هذه الآية لإنكار الشفاعة.. لا يصح، لأن الآية التي بين الله فيها وقف الشفاعة على إذنه ذكرت بعد هذه التي يستندون إليها مباشرة فالنفي المطلق في قوله تعالى: «لا بيع ولا خلة ولا شفاعة» مخصص بالنفي المقيد في قوله تعالى: «من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه».

* نود التعرف على كيفية مواجهة الهجمة الثقافية الغربية على ثوابت امتنا الإسلامية؟

- أفضل وسيلة تمكننا من مواجهة الهجمة الثقافية الغربية على ثوابت امتنا الإسلامية هي الرجوع إلى ديننا الحنيف والالتزام بما شرع الله.. فالقرآن الكريم دستور الأمة ومعها سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام فمنهما كل ما يصلح حال الأمة الإسلامية في الدنيا والآخرة وبالرجوع إليهما استجابة لحديث الرسول: «تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي»

يمكننا أن نحمي ثوابتنا ونصحح الفكر وننميه ونهيئه لاستقبال كل ما هو سليم وصحيح، ورفض كل ما هو سيئ ورديء، وان تتكاتف كافة المؤسسات في البيت وفي المدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسة الدينية إسلامية ومسيحية عن طريق ذلك كله وفق مناهج مدروسة نستطيع ان نواجه الهجمة الثقافية الغربية التي تسعى لاستبدال واقعنا ومستقبلنا وثوابتنا بآخر مزيف نرفضه.

* ظاهرة الاستلاب الحضاري التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية ما هي أسبابها وكيف نواجهها؟

- ظاهرة الاستلاب الحضاري من أسبابها ضعف التوعية الثقافية التي جعلت الشعوب الإسلامية يعيش في حالة جهل شديد نتيجة انتشار الأمية والاستعمار الذي تسببت في التخلف والبعد عن حضارتنا الإسلامية وبالتالي تقليد الغرب من غير نظر ولا فهم وهو التقليد الأعمى المدفوع تحت شعار المدنية.

والاستلاب الحضاري نوع من أنواع الغزو يجب ان يتصدى له كل مسلم.

* كيف ينطلق العالم الإسلامي حضاريا وينهض من كبوته؟

- بالرجوع الى مصدر ومنبع حضارتنا الإسلامية مع الاستفادة بالصالح من الحضارات الأخرى ويدرس السبل الحقيقية لتحقيق الوحدة بين شعوبه حتى ينهض المجتمعات الاسمية وفق النبع الأصيل لروافده الإسلامية.

* في مجال تفسير القرآن وعلومه ما هي أعظم الاجتهادات العلمية التي بذلت في هذا المجال لخدمة الدعوة الإسلامية؟

- الاجتهادات العلمية والأكاديمية لم تتوقف يوما على مدار تاريخ العلوم الشرعية بطول العالم الإسلامي وعرضه ولكنها تنشط حينا وتخبوا أحيانا وتعد تنقية التفاسير الموجودة على الساحة الإسلامية من الإسرائيليات والقصص الموضوعة من أهم وأعظم الجهود في هذا الصدد.

فضلا عن ان جهود العلماء مستمرة في كل مصر في مجال التفسير والحديث هي تحقيق وتنقيح كتب التراث من الدخيل والإسرائيليات والتعليق والشرح من خلال الرسائل العلمية التخصصية الماجستير والعالمية الدكتوراه.

* كيف يمكن تطويع التكنولوجيا الحديثة في النهوض بهذه العلوم الشرعية؟

- التكنولوجيا الحديثة فعلا ثبت انها خدمت العلوم الشرعية فالكمبيوتر اكبر مثال على ذلك سجلت الشروح التفسيرية والأحاديث وعلم الرجال وكتب الإسناد والجرح والتعديل وغيرها من أمهات الكتب والتي تم وضعها على سي - دي ونشرها على نطاق واسع مما سهل الحصول على العلوم الشرعية.

وتحقيق الأحاديث والتعرف على التفاسير من كافة أرجاء المعلومة في قطعة صغيرة من الوسائط الالكترونية «سي دي» بعد ان كانت تحملها الدواب ويرهق سعرها أغنياء المسلمين.. وعن الفضائيات والقنوات الدينية حدث ولا حرج فضلا عن تسجيل ونشر القرآن الكريم وعلومه على أوسع نطاق عبر التسجيلات ونسخ الـ سي-دي.

* هل ترى د مهجة ان تخبط الأمة الإسلامية وتخلفها نابع من طبيعة علاقتها بكتابها المقدس «القران»؟

- ان سبب التخبط الذي تعاني منه البشرية الآن هو نتيجة جهل وما تعيش فيه الأمة من رذائل إنما هو لجحدهم الحق وان ما ينتشر الآن من فساد وإفساد انما هو للبعد عن دين الله الحق ودستوره القويم وهو كتاب الله العزيز وسنة نبيه الكريم ولقد أضاء المولى تبارك وتعالى الدنيا بهدى القرآن الكريم فمن سار على هديه سار في طريق النور والحق ومن حاد عن الحق واختار ظلمات الكفر والجهل فمن نكث فإنما ينكث على نفسه.

والقرآن الكريم يدعو الى الصدق وهو صفة عظيمة لا ينكرها حتى أعداء الإسلام كما انه يدعو الى العدل وهذا قمة النظام كما يدعو الى الإخلاص وهذا مبدأ في التربية فالأخلاق القرآنية الفاضلة تقوى النفس وتهذبها وترتقي بها فترفعها من مستوى الحيوانية الى مستوى الإنسانية الحقة ودونها تنحدر البشرية وتنهار الحياة الكريمة ويصبح المجتمع الإنساني شبيهاً بحياة الغابة.