:

الثقافة والتربية والتعليم عناصر أساسية للحضارات وفي مقدمتها الحضارة الإسلامية، فكل حضارة لها ثقافتها المتميزة والتي يتم غرسها في نفوس وعقول أبنائها من خلال الأساليب التربوية ومناهج التعليم، وقد ظلت الثقافة الإسلامية في مستوى القمة طوال فترة ازدهار الحضارة الإسلامية، ومع ضعف العالم الإسلامي ونجاح القوى الاستعمارية في الهيمنة عليه بدأت الثقافات والمناهج الوافدة من الغرب تغزو العقل المسلم وأصبح المسلمون منذ سنوات طويلة يعانون من الغزو الثقافي والفكري ومن التبعية للغرب والتي كانت لها آثار سلبية على الشخصية المسلمة وتنشئة الأجيال في العالم الإسلامي.

ورغم ظهور محاولات ومشروعات في أرجاء العالم الإسلامي للتخلص من هذه الهيمنة وتلك التبعية إلا أن هذه المشروعات انتهت بالفشل مما أدى إلى تكريس الثقافة الأجنبية في بلادنا على حساب ثقافتنا الإسلامية.

في الحوار التالي مع الدكتور عبدالرشيد سالم مستشار وزير الأوقاف المصري وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية نناقش هذه القضية ونحاول التعرف على رؤيته للخروج من تلك الأزمة التي تؤرق المسلمين في الوقت الحاضر.

ـ ما هو واقع الثقافة والتربية في العالم الإسلامي؟

ـ المسلمون عامة يواجهون في الوقت الحاضر تحديات التبعية الفكرية وفقدان الذاتية والأصالة الإسلامية وهذا يرجع إلى خضوع معظم البلاد الإسلامية للاستعمار الغربي عبر فترات طويلة من التاريخ والذي أدى إلى فرض المناهج الغربية في مختلف نواحي الحياة خاصة في ميادين التربية والتعليم والثقافة ونتج عن هذا تكوين أجيال لا تعرف إلا القليل عن الإسلام ومناهجه وقيمه وأفكار ورجاله مقارنة بما تعرفه عن الغرب ولذلك يعاني العالم الإسلامي في الوقت الحاضر من التبعية للغرب.

ـ كيف نواجه هذه التبعية؟ وهل في إمكان المسلمين الآن تجاوز هذا التحدي؟

ـ مواجهة هذه التبعية تأتي من خلال معالجة أسبابها وتأتي مناهج التربية والتعليم والثقافة في أولويات المواجهة لأننا لابد أن نتجاوز المناهج الوافدة التي عشنا أسرى لها وأن نتحرك بوحي من عقيدتنا وفكرنا لاسترداد أصالتنا من خلال صياغة إسلامية لمناهج التربية والتعليم والثقافة وتطبيقها في مؤسساتنا التعليمية والاجتماعية ليتم على أساسها تنشئة الأجيال المسلمة، ويجب أن ندرك ونحن في طريقنا للإصلاح أن السياسة التعليمية لأي أمة هي التي تبرز شخصيتها وتنمي الشعور بالذات عندها والالتزام بأهدافها واتجاهاتها وحتى يتمكن المسلمون من مواجهة التبعية يجب أن يجعلوا من برامج ومناهج التربية والتعليم والثقافة ما يحقق أهداف السياسة التعليمية الإسلامية.

ـ العالم الإسلامي يتكون من شعوب وأعراق مختلفة تختلف أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وظروفها والمشكلات التي تواجهها ولا يكاد يكون هناك ما يربط بين تلك الشعوب غير الدين فكيف نستطيع جمع هذا الشتات على سياسة تعليمية واحدة وتوحيد المناهج التي تدرس لهذه الشعوب؟

ـ هذا صحيح لكن المتتبع للتاريخ الحديث للشعوب الإسلامية يجد أن هناك مجموعة من العوالم أوجدت واقعا تربويا متشابها في مختلف البلاد الإسلامية كما أن هذه البلاد عانت فترة طويلة من التخلف منذ توقف الحضارة الإسلامية عن دورها القيادي منذ الغزو المغولي والصليبي، وكانت الفترة التي سبقت عصر الاستعمار الحديث فترة خمول حضاري وثقافي واقتصر النشاط العلمي والثقافي في تلك البلاد على الشروح والتقاليد والتكرار بجانب خضوع العالم الإسلامي فكريا لسيطرة الدول الأوروبية المستعمرة ونفوذها.

وقد حرصت هذه الدول على السيطرة على التعليم في البلاد الإسلامية وتوجيهه لخدمة أغراضها ومصالحها حتى بعد انسحابها وانتهاء الحقبة الاستعمارية، أيضا من العوامل المتشابهة بين البلاد الإسلامية قيام محاولات للتحرر وإعادة الأمة إلى أمة واحدة متحررة لكن القوى الاستعمارية أفشلت هذه المحاولات بكل الوسائل وتم التخطيط لحركات الاستقلال لتقوم على أسس قومية أو إقليمية ضيقة وظهرت بعد ذلك في كل بلد إسلامي قيادات سياسية تؤمن باستقلال بلادها كوحدات منفصلة عن الأمة ككل.

وهذا أدى إلى ظهور كيانات سياسية حددت لها معالم جغرافية أصبحت كل منهما بعد الاستقلال دولة ذات كيان مستقل اجتماعي واقتصادي وسياسي، وكل هذه العوامل جعلت النظم التربوية في الأقطار الإسلامي بعد الاستقلال في فلسفتها ومضمونها امتدادا للنظم التربوية التي أسستها القوى الاستعمارية لخدمة مصالحها ولم تبذل حكومات ما بعد الاستقلال جهودا حقيقية لتحرير التربية من رواسب الاستعمار.

ـ وماذا نتج عن تبعية الثقافة والتربية والتعليم في العالم الإسلامي للغرب واستمرار النظم الاستعمارية حتى بعد الاستقلال؟

ـ بعد رحيل الاستعمار وقعت مناهج التربية في بلادنا ضحية للاستشراق والتغريب لأننا استوردنا الكثير من المحتويات والأطر الفكرية لمناهجنا من الغرب وهذا جعل الخطر الفكري يهدد معتقدات أبنائنا وهويتنا الإسلامية كما أصبحت ظاهرة الازدواجية في التعليم تطغى على المناهج في مختلف المراحل الدراسية.

هذا بالإضافة إلى أن الأمة الإسلامية تعرضت لنكبات متتالية في العصر الحديث بدءا من فلسطين وحتى كشمير وأريتريا والشيشان وأفغانستان والعراق أما الأقليات المسلمة في العديد من دول العالم فهي تعيش أوضاعا أكثر سوءا وأكثر صعوبة ولو كانت الأمة الإسلامية موحدة لجعلت من ثرواتها الهائلة قوة روحية ومعنوية ولأصبحت قوية البأس مهيبة الجانب صعبة المنال على الأعداء، والغريب أن أعداءنا.

حيث ينظرون إلى انهزامنا يحاولون أن يصوروا النصر والهزيمة بمنظار الصراع بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية وأذكر أنه بعد هزيمة 1967 كتبت مجلة التايم الأمريكية مقالا بعنوان: (سقوط ثقافة وحضارة)، صور الكاتب فيه انتصار الحضارة الغربية ممثلة في اليهود المعتدين على الحضارة الإسلامية ممثلة في العرب والمسلمين ولمواجهة هذا كله - كما ذكرت - يتطلب صياغة إسلامية لمناهج التربية والتعليم، لأن الإسلام عقيدة وعبادة ودين ودولة وتشريع وتوجيه وهو منهج رباني للحياة البشرية ينظم شئونها في جميع المجالات ويضمن للفرد والمجتمع والأمة والإنسانية السعادة في الدنيا والآخرة.

وتطبيق الإسلام يحتاج إلى تشريع متكامل يثبته أصوله في القرآن والسنة والى تربية وتوجيه لتوعية الإنسان بواجباته ومسؤولياته والمهام المنوط بها وغرس العادات والاتجاهات والقيم بحيث تتحقق أهداف الإسلام كمنهج عبادة وحياة، والحاجة إلى التربية الإسلامية الآن مرهونة بتطبيق التشريع الإسلامي في مجتمعاتنا ومناهج التربية الإسلامية هي التي تصنع الفرد المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم وفق مبادئ الإسلام ورسالته العالمية.

ـ ما هي الانعكاسات التي حدثت على العالم وحضارته نتيجة غياب العطاء الحضاري للإسلام في مجال التربية والتعليم والثقافة؟

العالم يتخبط بين الأيديولوجيات والقيم وقد انعكس ذلك على الغرب صاحب الحضارة المعاصرة وتمثل ذلك في الأزمات والأمراض الاجتماعية وصراعات الجنس وإهدار كرامة المرأة وانحراف الأحداث وتفسخ الأسرة وانهيار الأخلاق وهذا يرجع إلى استغراقه في الماديات غير المنضبطة والآراء المتناقضة فيما يتعلق بفردية الفرد وحرية الطفل وإشباع الغرائز وهذا انعكس على التربية المهزوزة للطفل والأسرة والمجتمع.

ـ ما هي الخصائص والمقومات التي تتميز بها الثقافة الإسلامية عن غيرها من الثقافات؟

ـ من أهم مميزاتها أن الجانب المعياري في هذه الثقافة وهو جانب الشريعة وهو جانب إلهي يصف ما يجب أن تكون عليه الحياة على الأرض بمن فيها وما عليها ولذلك فهو جانب مطلق وملزم والجانب التطبيقي فيها تتغير صوره وأشكاله بتغير الزمان والمكان والثقافة الإسلامية هي ثقافة عابدة تفرد الله بالعبودية وتحرر الإنسان من العبودية لغير الله تعالى .

وهي ثقافة عادلة لأنها ربانية وعالمية وليست قومية أو محلية أو إقليمية ومن ثم فهي تكره الاحتكار والاستغلال والظلم وهي أيضا ثقافة متوازنة توازن بين حاجات الإنسان الروحية وبين حاجاته المادية والاجتماعية، والتصور الإسلامي للثقافة يقوم على أن الثقافة ليست تراثا إنسانيا لا وطن له ولا جنس ولا دين فالثقافة بمفهومها الوجداني والعقلي لها وطن وجنس ودين إلا فيما يتعلق بالعلوم البحتة وتطبيقاتها العلمية أيضا يعتبر الإسلام - فيما عدا العلوم البحتة وتطبيقاتها العلمية - أن هناك نوعين من الثقافة الإسلامية القائمة على أساس التصور الإسلامي وهي تشكل المصدر الرئيسي لمحتوى المنهج التربوي لكنها لا تستند على العقل البشري فحسب وإنما على الوحي أيضا وتقوم على أساس قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم: «الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق الناس بها».

ـ التراث الإسلامي يمثل نتاج الحضارة الإسلامية طوال قرون عديدة كيف نستفيد منه ونوظفه في عملية النهوض والتقدم التي يسعى العالم الإسلامي إلى تحقيقها؟

ـ التراث يطلق على نتاج الحضارة في جميع الميادين المتعلقة بالنشاط الإنساني من علم وفكر وأدب وفن ومأثورات شعبية وآثار ومعمار وتراث فلكلوري واجتماعي واقتصادي، والتراث هو المنتج البشري المنقول الشفوي والكتابي للأمة الإسلامية قبل مائة عام من الزمان .

وبذلك يخرج القرآن والسنة عن وصف التراث والتراث يشمل كل ما أنتجته قرائح العلماء والمفكرين في جميع التخصصات سواء الشرعية أو الصناعية أو التخصصات العلمية المختلفة في الطب والهندسة والفلك وغيرها وهو يشمل أيضا ما صدر عن المسلمين وغير المسلمين المنتمين للحضارة الإسلامية، وحتى ينهض العالم الإسلامي ويتقدم لابد أن يستفيد من تراثه ويأخذ من الماضي ما يساهم في نهضته في الحاضر.

وهذا يكون من خلال النشر والتحقيق للتراث من جانب العرب والمسلمين لأن الاستشراق تعامل مع تراثنا لأغراض استعمارية وكان كثير من المستشرقين ينتمون إلى أجهزة الاستخبارات وتعاملوا مع تراثنا على أنه فكر ليس له أدنى قداسة أو احترام. أيضا يجب أن نعمل على تيسير التراث وتقريبه للناس حتى يتمكنوا من فهمه ويمكننا خدمة التراث من خلال الفهرسة وعمل القوائم البيلوجرافية وإصدار موسوعات للمصطلحات التراثية وفي النهاية يجب إحياء التراث وهي عملية تتجاوز النشر والتحقيق والتيسير إلى النظر في مناهج السلف في العلوم المختلفة واستخلاصها وصياغتها بطريقة تمكن من البناء عليها.