عقدت كلية دار العلوم بجامعة القاهرة مؤتمرها الدولي الثاني عشر للفلسفة الإسلامية عن مناهج العلوم وفلسفتها من منظور إسلامي بالتعاون مع كلية العلوم جامعة القاهرة، ومركز الدراسات المعرفية بالقاهرة، لبحث عدة محاور كان أهمها نظرية العلم من منظور إسلامي والأبعاد الحضارية لتاريخ العلم الطبيعي عند العرب من منظور فلسفي وحدود العقل في الفكر العلمي المعاصر لدراسة نحو صياغة منهج إسلامي للعلوم الإنسانية.

وأكد د. محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري أن الفلسفة بنت الدين وأم العلوم، وهو تعبير صادق عن مدى الصلة الوثيقة التي تربط بين العلوم والمعارف الإنسانية، التي تمثل حلقات متصلة تلبي حاجات وتطلعات الإنسان، فكما هو في حاجة إلى الدين فأنه أيضاً في حاجة إلى الفلسفة وسائر العلوم، ومن هنا فان افتعال خصومة بين العناصر أمر لا مبرر له، وليس في مصلحة الإنسان، ولا يعبر عن حقيقة جوهره.

وأشار إلى أن الإنسان يعيش الآن في عصر العلم وثورة المعلومات والاتصالات والطفرة التكنولوجية الكبرى، ولكن هذا لا يعني أن الإنسان يمكنه أن يستغني تماماً عن الدين وسائر العلوم العقلية لصالح العلوم الطبيعية، فالتطورات العلمية الهائلة قد تصيب الإنسان بالغرور وتدفعه للاعتقاد بأن التقدم المادي هو كل شيء، ولكنه في نهاية الأمر يجد نفسه مدفوعاً إلى الحنين إلى الاعتقاد وإلى البحث عن شيء يملأ فراغ نفسه ويشعره بالاطمئنان، وهذا الحنين في حد ذاته يدل أن هناك حاجات نفسية وجدانية وحاجات عقلية لا يجوز تجاهلها إذا أراد الإنسان لنفسه السعادة في هذه الدنيا.

وأوضح أن المتتبع لنشأة الحضارات الإنسانية يجد أنها قامت على أساس من الدين والعلم معاً، ومن هنا اهتم الوحي القرآني في أول ما نزل منه بلفت الأنظار والعقول إلى مفاتيح الحضارة، قبل أن يتحدث عن أي شيء آخر يتعلق بالعقيدة وأمور الآخرة، فكانت الآيات الخمس الأولي من سورة العلق، التي تأمر بالقراءة مرتين وتشيد بالعلم وبالقلم الذي هو وسيلة تدوين العلم والإنسان حامل هذا العلم.

وكان هذا الوحي عوداً على بدء فقبل أن يهبط آدم إلى الأرض علمه الله الأسماء كلها أي أعطاه مفاتيح الحضارة التي يستطيع من خلالها أن يلبي الأمر الإلهي بأعمار الأرض في قوله تعالي «هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها» أي طلب منكم عمارتها وصنع الحضارة فيها، ولتأكيد الإسلام طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وقد أدرك المسلمون الأوائل هذه المعاني وساروا على نهجها، فكانت لهم إسهاماتهم التي لا تنسى في تقدم العلوم وازدهار الحضارة، وإن كانت الحضارة لا تقوم إلا بالعلم فالعلم لا يقوم إلا بالمنهج، وإذا كان العلم فريضة فإن منهج العلم فريضة أيضاً ويعد جزءاً لا يتجزأ من العلم.

تطور مطلوب

وأشار د. حمدي حسنين عميد كلية العلوم بجامعة القاهرة إلى أنه: مما لاشك فيه أن العلم بنظرياته وتطبيقاته وتقنياته، كان ولا يزال وسوف يظل من أهم الفعاليات التي تؤدي دوراً أساسياً في حياة الأفراد والمجتمعات، وتسهم إسهاماً مباشراً في رسم تصوره الإنسان عن الكون والعالم، الذي يعيش فيه، ومن يستقرئ تاريخ العلم والحضارة لا يجد أدنى صعوبة في التعرف على تأثير التطور العلمي والتقني في مناهج التفكير وطبيعة التحولات الحضارية، إذا ما قارن بين حدود عالم الإنسان، منذ أن كان يقدح حجر الصوان لاستخراج الشرر، إلى أن تمكن من تفجير الطاقة من الذرة ثم راح يتطلع للفضاء وتعددت رحلاته إلى القمر لسبر أغوار الكون السحيق ورصد اللحظات الأولي لنشأته.

وقال د. حسنين: إن الإنسان راح يتطلع في الوقت نفسه إلى عالم المتناهيات في الصغر على مستوى نواة الذرة وجينات الخلية الحية إلى مجالات علمية وتقنية أخرى تشمل ثورة المعلومات والاتصالات والمواد الذكية، وكان من الطبيعي طوال هذه المسيرة أن يهتم العلماء والفلاسفة عبر العصور بالبحث في تحليل لغة العلوم لتكوين نظرة شاملة للكون من خلال الربط بين الظواهر التي يتعامل معها الإنسان، ولقد تبلورت فلسفة العلم لتكون بمثابة اللغة الشارحة لمقولات العلوم المختلفة في إطار القيم والمذاهب الفكرية السائدة، ولتهدف بصورة إجمالية إلى فهم مكانة هذه العلوم في حياة الإنسان ودورها في الانتقال به إلى مستوى يؤهله لمعرفة أشمل وأفضل للعالم الأوسع.

وأضاف: وها نحن نري العالم في عصرنا مشغولاً بقضايا العلم والفكر العلمي لدرجة أصبح معها البحث العلمي سلاحاً تنفق عليه الدول المتقدمة في سعة وبزخ وتحوط أسراره الحاكمة بالسرية والكتمان وتعلق عليه الأمل، ولحل مشكلاتها وبسط نفوذها، كما نري مناهج العلم وأفكاره هي السائدة في ميادين الفكر والعمل بحيث لا يوجد مجال من مجالات النشاط الإنساني إلا ويحاول العلم تطويره والإسراع في إيقاع حركته، كذلك أصبحت العلمية وصفاً عاماً تولع بإطلاقه بعض الفلسفات الحديثة على مذاهبها، لتؤكد ميزتها بالاستناد إلى العلم في بناء نسق فكري يبدو وكأنه نتاج منطقي للمعرفة البشرية.

حقائق العلم

وقال د. أحمد كشك عميد كلية دار العلوم بجامعة القاهرة: إن جملة من الدراسات والحوارات في إطار هذا الحقل المعرفي أنتجت ما لا يقل عن 450 دراسة متنوعة تثبت أن الوعاء الضخم كبير يحاول ألا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وفهمها وأحصاها، إن البينية التي تدعو إليها المعرفة واضحة المسار تتواكب فيه حقائق الفلسفة بحقائق العلم في خرج حميمي، لا تدرك فيه الأصل من الفرع ولا الفرع من الأصل، وإن حركة بحوثه المبهرة والتي منها الحديث عن الطب منهجاً وفلسفة، ومنهج البحث عن علماء المسلمين وتطبيقاته في مجال العلوم الكونية والبنية الكلية للتأسيس العلمي ومناهج العلوم الإسلامي قراءة معاصرة والأبعاد الحضارية لتاريخ العلم الطبيعي عند العرب من منظور فلسفي.

وأكد أن تاريخ العلم الإسلامي ونظريته العامة تسعي نحو صياغة منهج إسلامي للعلوم الإنسانية النفس والاجتماع والسياسة وموقف الفكر الإسلامي من البصمة الوراثية وأثر الاستنساخ البشري في العقيدة الإسلامية والثورات العلمية إلى آخر ما هو مقدم من بحوث يمتزج فيها وادي الفلسفة الإسلامية بوادي العلم الكوني، فإن حركة هذه البحوث تكشف أبعادا واضحة وهو أن الفكرة الإسلامي رحب بما لديه من عطاء العلم وكشوفاته ونظرياته، ومن ثم أصبحت النظرية الإسلامية نظرية داعمة لحركة الكون وتقدمه وليست أبداً مهما طال المدى والزمان قيداً عليه.

أصالة الدين

أما د. عبد الحميد مدكور رئيس قسم الفلسفة الإسلامي بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة فأكد أن رسالة الدين هي خدمة الفلسفة والفكر الإسلامي بصفة عامة لإبراز أصالته وتسليط الأضواء على مواطن القوة والعطاء فيه، كي تكون أساسا صالحا للبناء عليها، وبالإضافة إليها وبهذا يؤدي الفكر دوره في الإصلاح والاستنارة والتجديد ومواجهة التحديات الحضارية، التي تقف عائقاً أمام نهضة الأمة، ولابد لها من اجتهاد مستعينة بكل ما لديها من طاقات وإمكانيات، يأتي الفكر في طليعتها، ولقد كانت هذه الأفكار تشغل بالنا في قسم الفلسفة الإسلامية ونحن نفكر بدراسة علوم الدين والفلسفة وعلومهم الأساسية.

وأضاف: نسعى الآن جاهدين في مجال الفلسفة الإسلامية إلى تحديث القضايا الفلسفية وتجديد موضوعاتها، لتكون أكثر قدرة على مواكبة حاجات العصر ومطالبة، ولذلك كان علينا تأكيداً لهذه الغاية وتعميقاً لها أن نتناول الأمر من زاوية أخرى، تنفذ إلى عمق هذه العلوم وجوهرها، وذلك بالبحث في مناهجها، للكشف عن مقوماتها وخصائصها ومنجزاتها، وصلتها بالمؤثرات الثقافية والاجتماعية، التي أدت إلى ظهورها، وعلاقتها بما سبقها من مناهج ظهرت في حضارات أخرى.

القاهرة ـ غادة إبراهيم