أمر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بتقديم مساعدات إنسانية عاجلة للمتضررين من سكان مخيم نهر البارد شمال لبنان نتيجة الأحداث التي يشهدها المخيم حالياً. ووجه سموه الجهات المعنية بتقديم مساعدات إنسانية عاجلة للمتضررين من سكان المخيم وذلك انطلاقاً من حرص دولة الإمارات وقيادتها على مد يد العون للأشقاء في الأزمات والكوارث.

وقد لامست المعارك في المخيم حدود الانفجار الشامل مع غليان شعبي وتهديدات بانتفاضة في باقي المخيمات، احتجاجاً على مواجهة سكان نهر البارد مجاعة وشيكة، فرضت هدنة «مترنحة» لدخول الإغاثة الإنسانية، وسمحت بفرار جماعي للسكان. وأعلنت السلطات اللبنانية وفصائل منظمة التحرير أمس عن أنها توصلت إلى اتفاق على «آليات» لم تكشف بعد من أجل إنهاء الوضع الحالي في مخيم نهر البارد.

وعلمت «البيان» من مصادر لبنانية وفلسطينية أنه جرى الاتفاق على التعامل مع «ظاهرة فتح الإسلام» باعتبارها «منظمة إرهابية الفلسطينيون منها براء»، مضيفة ان الاتفاق يتضمن أيضاً بذل مساع لبنانية وفلسطينية واسعة النطاق للتخلص من هذه الجماعة مع الحفاظ على أمن الفلسطينيين وسلامتهم في المخيم. غير أن هذه المصادر رفضت الإفصاح عن طبيعة الإجراءات التي ستتخذ، لا سيما أن المعارك كانت لم تخمد بعد.

ولليوم الثاني على التوالي اجتمع رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة مع وفد مشترك ضم ممثل منظمة التحرير عباس زكي وعدداً كبيراً من ممثلي الفصائل، نقل زكي عقبه عن السنيورة «حرصه على أمن وسلامة المخيم، وكذلك حرصه على وحدة الموقف اللبناني الفلسطيني خصوصاً في معالجة ظاهرة فتح الإسلام».

وقال زكي «توصلنا إلى وضع آليات لمعالجة الموقف واحتوائه، من دون أن يحقق أي تداعيات يمكن أن تكون في هذا الظرف الحساس والدقيق الذي يمر به لبنان». وجدد إدانته «هذه الظاهرة، والبراءة منها كفلسطينيين، وفي الوقت نفسه العمل في كل جهد كي لا تصيب شظاياها الأبرياء سواء في المخيم أو خارجه». وأشار إلى أن «العمل جار على إيجاد آليات مشتركة تجنب البلد والمخيم تداعيات غير مقبولة».

وتحاول المنظمات الفلسطينية تحويل الهدنة إلى وقف دائم لإطلاق النار وإنهاء المظاهر المسلحة داخل المخيم، في وقت قرر مجلس الوزراء اللبناني «إنهاء الحالة الإرهابية» المتمثلة في «فتح الإسلام»، التي قالت إن الهدنة التي بدئ تطبيقها عند الساعة الثانية والنصف ظهر أمس اتخذت من طرف واحد لـ «منح فرصة للهدوء»، موضحة أنها «مفتوحة في حال التزام الجيش بها أيضاً».

وقالت قيادة الجيش اللبناني إن قواتها لن تبادر إلى إطلاق النار لكنها رفضت الالتزام رسمياً بوقف القتال. وقال مصدر عسكري لبناني إن الجيش تقدم في اتجاه المخيم وأقام مواقع جديدة وحواجز. وأفاد مصور صحافي بأن دبابات الجيش وآلياته تقدمت نحو كيلومتر نحو المدخل الجنوبي للمخيم الذي يمتد في موازاة الطريق الدولية المؤدية إلى الحدود السورية.

وبعد ساعات من سريان «الهدوء المترنح»، قال مصدر أمني لبناني إن متشدداً من جماعة «فتح الإسلام» فجر نفسه بحزام ناسف في مبنى في مدينة طرابلس خلال محاولة قوات الأمن مفاوضته لتسليم نفسه. ولم يصب أي من أفراد الأمن في الهجوم.

وفي حين كانت التهدئة فرصة لدخول عربات إغاثة تابعة للأمم المتحدة وتوصيلها المواد التموينية والطبية الأساسية التي بات يفقدها سكان المخيم الذين يناهز تعدادهم 40 ألف نسمة، قال موظف من المنظمة الدولية زار المخيم أمس ان عشرات المنازل هدمت فوق قاطنيها.

وعمد آلاف اللاجئين الفلسطينيين إلى الفرار من مخيم نهر البارد، في ظل استمرار توقف المعارك. وقال الحاج رفعت أحد المسؤولين في مخيم البداوي الذي تسيطر عليه حركة فتح ان «آلاف اللاجئين من رجال ونساء وأطفال بدأوا عند المساء يفرون من نهر البارد سيراً أو في سيارات ولجأوا إلى مخيم البداوي المجاور».

ووجه السكان في نهر البارد نداءات استغاثة لوقف القتال قائلين ان جثث القتلى مسجاة في الشوارع كما يتعذر نقل الجرحى. وسعت قافلة الإغاثة التي دخلت المخيم أمس إلى إجلاء مجموعة من النساء والأطفال حاصرتهم المعارك، وتمكنت بالفعل من إجلاء ثمانية أطفال وثلاث نساء حوامل إلى مخيم البداوي ومستشفيات أخرى في المنطقة.

قبل أن يضطر عمال الإغاثة الذين كانوا يسلمون المعونة إلى المغادرة حينما انفجرت قذيفة بالقرب من قافلتهم، بحسب شاهد عيان. وقال جمال ليلى أحد سكان المخيم لصحافيين دخلوا المخيم «مررنا بحروب كثيرة ولكن لم نشاهد قصفاً بهذه الطريقة. أحياء دمرت بأكملها. الجثث تأكلها القطط. هذا ليس معقولاً. الأطفال بلا حليب بلا ماء بلا خبز». وأضاف وهو يبكي «أمن أجل 10 أو 20 أو 30 واحداً يذبح مخيم بأكمله».

وقالت الناطقة باسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) هدى سمرا «نحن معنيون جداً بالوضع الإنساني الذي يتدهور لحظة بلحظة». وأوضحت أن الإصابات في المخيم مرتفعة لكن لا تتوافر أرقام دقيقة. وتابعت ان «الناس نفد ما لديها من إمدادات المياه والخبز ولا يوجد كهرباء». وسجلت حركة نزوح كبيرة من محيط المخيم في اتجاه المناطق الأكثر أمناً في عكار وطرابلس. فيما بقيت الجامعات والمدارس والمعاهد التربوية والمهنية الرسمية والخاصة في محافظة الشمال مقفلة وبقي الطلاب في منازلهم بسبب هذه الأحداث.

في هذه الأثناء، تزايدت مخاطر انفلات الأمور وانتشار الاضطرابات إلى المخيمات الفلسطينية الأخرى، ما كان عاملاً ضاغطاً مساعداً على قبول الجيش وقف النار، رغم قرار الحكومة اللبنانية في اجتماع استثنائي عقدته مساء الاثنين اقتلاع جذور «فتح الإسلام» التي تراها أداة في يد سوريا، وإعطائها الجيش اللبناني كل الدعم «من عتاد وعديد وتجهيزات» لتحقيق هذه الغاية.

وأكد الجيش أن قصفه عناصر «فتح الإسلام» المتحصنة في المخيم لا يستهدف المدنيين أو المساجد. وكان أمين سر حركة «فتح» في لبنان سلطان أبوالعينين اتهم الجيش اللبناني بقصف مخيم نهر البارد «عشوائياً» مهدداً بانتفاض سائر المخيمات إذا لم يتوقف هذا القصف. وحرق مئات من الفلسطينيين الغاضبين إطارات السيارات في مخيم عين الحلوة جنوب البلاد، وهو أكبر المخيمات في لبنان.

وفي رام الله، دعت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس الحكومة اللبنانية إلى التفريق بين «الجماعة الإرهابية» والفلسطينيين في لبنان. وعلى الجانب السياسي الداخلي اللبناني والدولي، أفادت مصادر دبلوماسية في العاصمة اليابانية طوكيو ان السنيورة ألغى زيارة كانت مرتقبة اعتباراً من يوم السبت إلى اليابان بسبب المعارك، بينما كانت الأحداث الدموية في نهر البارد بنداً رئيسياً لاجتماع طارئ لمندوبي الدول الأعضاء في الجامعة العربية، خلص إلى دعوة الدول التي قدمت مساعدات وتجهيزات عسكرية إلى الجيش والقوى الأمنية في لبنان إلى مواصلة هذا الدعم. وأدانت «الأعمال الإجرامية» التي ارتكبتها مجموعة فتح الإسلام التي وصفتها بـ «الإرهابية».

وعبرت الولايات المتحدة عن دعمها للحكومة اللبنانية وحذرت سوريا من أي جهود لعرقلة إنشاء المحكمة الدولية لمحاكمة المتهمين في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. وقال الناطق باسم البيت الأبيض توني سنو إن الولايات المتحدة «تجدد دعمها لرئيس الوزراء السنيورة وحكومة لبنان الشرعية والمنتخبة ديمقراطياً في وقت تواجه فيه تهديد الإرهاب والعنف السياسي».

وبالتزامن أعلنت إيران رفضها أي مس باستقرار لبنان وأمنه، وأعربت في المقابل عن قلقها لما اعتبرته «استهدافاً للمدنيين». ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية عن الناطق باسم الخارجية الإيرانية محمد علي حسيني قوله إن «الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعتبر أن أي إجراء يمس أمن واستقرار لبنان، أمر خطير ولا يمكن قبوله»، وأمل في أن «يتم إيلاء الاهتمام بالقضايا الإنسانية في هذا المخيم وأن تتخذ إجراءات عاجلة لإغاثة الجرحى والمتضررين». وحمل الكيان الصهيوني مسؤولية إثارة الفتن واشعال النزاعات الداخلية.

بيروت ـ علي بردى والوكالات