وسط أجواء سياسية مشحونة انفجرت أمس اشتباكات دامية في طرابلس شمال لبنان، بين الجيش اللبناني وتنظيم «فتح الإسلام» المتشدد راح ضحيتها 56 قتيلاً، 23 منهم من عناصر الجيش وستة مدنيين، و27 من تنظيم «فتح الإسلام» فيما أصيب نحو 60 مدنياً منهم 40 من اللاجئين الفلسطينيين في مخيم نهر البارد حيث يتحصن المسلحون. وأعربت منظمة التحرير الفلسطينية وحركتا «فتح» و«حماس» عن تأييدها للجيش اللبناني.

ونشبت اشتباكات متقطعة بين قوى الجيش ومسلحين ينتمون إلى «فتح الإسلام» المنشقة عن حركة فتح الانتفاضة الفلسطينية، في أنحاء متفرقة من مدينة طرابلس ومحيط مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان.

وأسفرت الاشتباكات، التي جرت على خلفية قيام ستة من عناصر التنظيم بالسطو على مصرف «البحر المتوسط» في بلدة أميون (شمال) والاستيلاء على 100 ألف دولار أميركي من موجوداته، عن مقتل 56 شخصاً، 23 منهم من عناصر الجيش وقوى الأمن اللبنانيين واحد منهم على الأقل برتبة ضابط، فيما لقي 27 عناصر من (فتح الإسلام) مصرعهم وقتل ست مدنيين، وأصيب نحو 60 شخصاً 40 منهم من اللاجئين الفلسطينيين داخل المخيم.

وبدأت الاشتباكات العنيفة بين الطرفين، والتي استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة والمدفعية والصواريخ المضادة للدروع منذ فجر الأحد، إثر قيام مجموعة من التنظيم بقتل أربعة من عناصر الجيش في منطقة القلمون (شمال)، وردت قوى الأمن بدهم مبنى داخل أحد أحياء طرابلس، تحصن به ثلاثة من عناصر التنظيم وأردتهم قتلى.

وأفاد مصدر في الجيش، رفض نشر اسمه، أن «تعزيزات من وحدات المغاوير، بلغت ألف عنصر، أرسلت من بيروت إلى طرابلس للسيطرة على مبان في المائتين والزاهرية بالمدينة»، مشيراً إلى أن «الجيش اضطر إلى عدم الالتزام بسياسة الدولة بعدم دخول المخيمات»، موضحاً أن «عناصر الأمن اقتحمت أطراف المخيم»، منهية بذلك تقليداً عمره 38 عاماً بعدم الدخول إلى المخيمات. وأكد على أن «الجيش تمكن من استعادة السيطرة على نقاط التفتيش الخاصة به في المدينة، بعد أن وقعت ليلة السبت الأحد تحت سيطرة عناصر (فتح الإسلام)».

وأوضحت مصادر طبية في طرابلس ومحيطها أن «المستشفيات في المنطقة استقبلت عشرات الجرحى. وشوهدت أعمدة الدخان تتصاعد في العديد من البنايات والسيارات». وبثت محطات التلفزيونية مشاهد لمسلحين يعتقد أنهم من «فتح الإسلام» يطلقون النار في اتجاهات مختلفة.

وحمل الناطق الإعلامي للتنظيم، رفض الكشف عن هويته، «الجيش اللبناني مسؤولية تفجر الأوضاع»، نافياً المعلومات التي ذكرتها المصادر الأمنية أن «الاشتباكات تفجرت في الأساس على خلفية قضائية جنائية، متورطة فيها عناصر من الجماعة». واعتبر النيران التي أطلقها عناصر «فتح الإسلام» في مواجهة الجيش اللبناني دفاعاً مشروعاً عن النفس. وحذر من أن «التنظيم سيفتح على لبنان نيراناً وبراكين». ودعا «الجيش إلى عدم القيام بأعمال استفزازية».

وقال الداعية الإسلامي فتحي يكن، الذي التقى نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، إن «الجيش طلب الوساطة مع المسلحين». وأوضح « قمنا بتبريد الأجواء وطلب منا أن نكون وسطاء. المؤسسة العسكرية طلبت ذلك ونقوم بجهود ونحن ضد الحرب الأهلية». وأعلنت دمشق عن أنها «أغلقت منفذين حدوديين مع لبنان في ظل الاضطرابات الراهنة على ضوء الاشتباكات بين الجيش اللبناني ومسلحين»، فيما أشار مراقبون سوريون إلى أن «هؤلاء المسلحين يعبرون عن الرفض اللبناني للتدخل الأجنبي في لبنان».

ووصف رئيس الوزراء فؤاد السنيورة استهداف الجيش أنه «بمثابة جريمة مبيتة ومحاولة خطيرة لضرب الاستقرار في لبنان». وأشار في تصريح صحافي إلى أن «هذا الاعتداء ما هو إلا محاولة مكشوفة تستهدف أمن لبنان واللبنانيين من قبل مجموعة مضللة». واستنكر مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد قباني قيام مجموعة من الخارجين على القانون تنتحل صفة الإسلام بالاعتداء على الجيش في طرابلس ومخيم نهر البارد.

وأكد رئيس كتلة «المستقبل» النائب سعد الحريري في بيان على «تأييده التام لعملية الجيش». واستنكر كذلك، رئيس «اللقاء الديمقراطي» وليد جنبلاط الاعتداء على الجيش، معتبرا أن «فتح الإسلام» تستهدف إحداث اهتزاز كبير في الوضع الأمني في الشمال وتعميم حالة من الفوضى والرعب في لبنان. واعتبر وزير الشباب والرياضة، وزير الداخلية بالوكالة أحمد فتفت أن «الاشتباكات التي حصلت في الشمال جزء من محاولات صرف الأنظار عن تحركات الأمم المتحدة لإقرار المحكمة ذات الطابع الدولي في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري».

ونفت حركتا «فتح» و«حماس» أي علاقة لهما بـ «فتح الإسلام»، وأعربتا بشكل منفصل إلى جانب ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت عباس زكي، عن «تأييدهم الكامل لتحركات الجيش اللبناني ضد هذه المجموعة».

بيروت ـ علي بردى