في كتاب جديد يعتبره البعض أهم كتاب سياسي لهذا العام في الولايات المتحدة حذر آل جور نائب الرئيس الأميركي السابق من أن الديمقراطية الأميركية في خطر حقيقي، ليس فقط بسبب سياسات إدارة جورج بوش ولكن لأن المجتمع بأكمله بدأ يتنازل عن قيم كثيرة وبسبب تغييرات غير مسبوقة في بيئة الأفكار، وبسبب الاعتماد على الكذب كأساس للسياسة بشكل غير مسبوق.

وفي الكتاب الذي يحمل عنوان «هجوم على العقل» ونشرت مجلة «التايم» مقتطفات منه يقول آل جور المرشح الحالي للرئاسة عن الحزب الديمقراطي ما نصه: قبل فترة قصيرة من قيام بلدنا بغزو العراق، وقف أقدم عضو في مجلس الشيوخ، السيناتور روبرت بيرد، من وست فيرجينيا، في الكونغرس وقال: «هذا المجلس صامت في معظم الوقت، صامت ـ على نحو ينذر بالشؤم، صامت ـ على نحو مخيف. ليس هناك مداولات، أو مناقشات أو أي محاولة لنستعرض أمام أمتنا منافع ومآخذ هذه الحرب بالتحديد. ليس هناك أي شيء. إننا نقف خانعين صامتين في مجلس شيوخ الولايات المتحدة».

لماذا التزم الكونغرس الصمت؟

من خلال وصفه هذا لقاعة الكونغرس الخاوية، أثار بيرد نسخة محددة من نفس السؤال العام الذي كان يسأله الملايين منا: « لماذا تقلص دور العقل والمنطق والحقيقة مقلصاً بهذا الشكل الحاد في الطريقة التي تنتهجها أميركا الآن في صنع القرارات الهامة؟» يرى العديد من الأميركيين إن الاعتماد المتكرر والمتواصل على الأكاذيب كأساس للسياسة، حتى عند توفر دلائل قوية وواضحة على زيفها، قد وصل إلى مستويات ما كان يمكن تخيلها في السابق.

ثمة عدد كبير وآخذ بالازدياد من الأميركيين الذين يجاهرون بالسؤال: «ما الذي حل ببلدنا؟» ومازال الناس يحاولون فهم مواقع الخلل التي طرأت على ديمقراطيتنا، وكيف يمكننا إصلاحها.

وباستعراض مثال آخر، يمكن القول إنه لأول مرة في التاريخ الأميركي، لم يتغاض الفرع التنفيذي لحكومتنا عن تعذيب الأسرى فحسب، بل إنه شجع فعلياً على معاملة أسرى الحرب بطرق تتضمن وبشكل واضح التعذيب، منقلباً بذلك على قانون صارم أسسه الجنرال جورج واشنطن خلال حرب الثورة الأميركية.

من السهل ومن التحيز أن ينحي المرء ببساطة باللوم على سياسات الرئيس جورج بوش. نحن جميعنا مسؤولون عن القرارات التي يتخذها بلدنا. لدينا كونغرس. لدينا نظام قضائي مستقل. لدينا ضوابط وتوازنات. لدينا أمة تحترم القانون. لدينا حرية تعبير. لدينا حرية صحافة. هل لم تجد كل هذه نفعاً؟ لماذا أصبح الخطاب العام في أميركا أقل تركيزاً ووضوحاً وأقل رشداً؟ إن الإيمان بقوة العقل ـ الإيمان بأن المواطنين الأحرار قادرون على أن يحكموا أنفسهم بحكمة وعدل من خلال اللجوء إلى النقاش المنطقي على أساس أفضل الدلائل المتوفرة، بدلاً من اللجوء إلى السلطة الصرفة ـ هذا الإيمان يبقى الوعد المركزي في الديمقراطية الأميركية. وهذا الوعد يتعرض الآن للهجوم والانتهاك.

إن الديمقراطية الأميركية في خطر الآن ـ ليس بسبب أية مجموعة محددة من الأفكار، بل بسبب تغيرات غير مسبوقة في البيئة التي تعيش فيها الأفكار وتنتشر أو تذبل وتموت. أنا لا أعني هنا البيئة المادية، بل أعني ما يسمى بالساحة العامة، أو سوق الأفكار.

ببساطة، إنه من غير الممكن تجاهل غرابة خطابنا العام. اعرف أنني لست وحدي الذي أشعر بأن ثمة خللاً جذرياً ما طرأ على أمتنا. في عام 2001، كنت آمل بأنه كان مجرد انحراف أو شذوذ عن القاعدة، عندما أظهرت استطلاعات الرأي أن ثلاثة أرباع الأميركيين كانوا في حينها يعتقدون أن صدام حسين مسؤول عن مهاجمتنا في 11 سبتمبر. وبعد مرور أكثر من خمس سنوات، كان حوالي نصف الجمهور الأميركي لا يزال يعتقد أن صدام حسين كان على صلة بهجمات 11 سبتمبر.

في البداية كنت أظن أن التغطية المتواصلة على مدار الساعة لمحاكمة أو جيه سيمبسون كانت مجرد مظهر مؤسف لمظاهر الإفراط العرضية في المجتمع - مجرد انحراف مؤسف عن عقلانية ورشد إعلامنا الإخباري التلفزيوني. لكننا الآن نعرف أن ذلك كان مجرد مثال مبكر لنمط جديد من مظاهر الهوس المتسلسلة التي تهيمن على موجات الإعلام بشكل دوري لمدة أسابيع في كل مرة: محاكمة مايكل جاكسون ومحاكمة روبرت بليك، مأساة لاسي بيترسون ومأساة تشاندرا ليفي، ريتني وكيه فيد، ليندساي وباريس هيلتون ونيكول سميث.

وبينما كان مشاهدو التلفزيون الأميركي يخصصون جماعياً حوالي 100 مليون ساعة من حياتهم كل أسبوع لهذه القصص وقصص أخرى مشابهة، كان بلدنا يقوم، وبدون إحداث ذات الضجة الإعلامية، باتخاذ سلسلة من القرارات الخاطئة الكارثية، كما سيصفها المؤرخون بكل تأكيد، في قضايا السلم والحرب، المناخ العالمي ومستقبل البشرية على الأرض، الحرية والبربرية، العدالة والإنصاف. وعلى سبيل المثال، فإنه لا يكاد يوجد أحد الآن لا يوافق على أن خيار غزو العراق كان خطأ فادحاً. ومع ذلك، وبشكل يصعب تصديقه، فإن كل الدلائل والحجج الضرورية لاتخاذ القرار الصائب كانت متوفرة في ذلك الوقت، وعندما نسترجعها الآن نجد أنها كانت واضحة وضوح الشمس.

أولئك منا الذين خدموا في مجلس الشيوخ الأميركي وراقبوه بينما راح يتغير مع الوقت يمكنهم أن يتطوعوا بالرد على وصف السيناتور بيرد اللاذع لمجلس الشيوخ قبيل غزو العراق: المجلس كان خاوياً لأن أعضاءه كانوا في مكان آخر. العديد منهم كانوا يحضرون فعاليات جمع التبرعات التي يشعرون الآن أنهم مجبرون على حضورها باستمرار تقريباً من أجل جمع المال ـ الذي يأتي معظمه من جماعات المصالح الخاصة ـ لشراء إعلانات تلفزيونية من أجل حملتهم الانتخابية التالية.

كان مجلس الشيوخ صامتاً لأن أعضاءه يشعرون بأنه لم يعد هنا أهمية تذكر لما يقولونه في قاعة المجلس على أية حال ـ ليس له أهمية بالنسبة للسيناتورات الآخرين، الذين يندر أن يكونوا موجودين عندما يحضر زملاؤهم، وليس له أهمية بالنسبة للناخبين، لأن وسائل الإعلام الإخبارية لم تعهد تغطي خطابات مجلس الشيوخ إلا ما ندر.