قال الشيخ: فرق بين أن تكون حياة الإنسان- وبعضها خلفه- وهو عندما يعيشها لا يفعل أكثر من نقل أيامه التي هي أبعاضه من أمامه إلى خلفه، فيكبر الماضي ويتضاءل المستقبل في شعور واع أو غير واع بحتمية السير مع أثقال أغلال الزمن نحو الفناء والعدم، وأن تكون حياته مجرد أيام لجمع الزاد والاستعداد لحياة حقيقية من النعيم المقيم الخالد.

إن ما يسميه علماء النفس اليوم برعب الموت أو خوافه أو قلقه ما هو إلا فشل في اتخاذ الحيلة الدفاعية الخادعة التي تقوم على نسيان الموت أو تناسيه. فـ كل نفسٍ ذائقة الموت حقيقة مرة في فم ووجدان كل من يعيش للحياة وللحياة فقط، وكيف بربي يستطيع من ينفق من أيام حياته التي هي كل وجوده وكل رأسماله أن يحيا دون هم أو غم أو نكد.

وابن الدنيا في حياته عجيب غريب... إن أصابته نعمة غرته وركن إليها كأنها باقية مع علمه بأنها زائلة، وإن أصابته نقمة هلع وجزع ثم صبر نفسه بأنها ستزول بمضي أيامها وهي ذاتها أيام حياته لا يملك غيرها، فهو يريد أن تستطيل أيام النعمة ولا تزول مع يقينه بزوالها، وأن تزول أيام النقمة ولا تستمر مع يقينه بأنها أيام من حياته وأبعاض من كله، وها هي الأيام تمر بأفراحها وأحزانها، بانشراحها وهمها، بيسرها وبعسرها وهي لا تلوي على شيء ولا ترفق بمن يشعر بأن وجوده يقضم بين أسنان الدهر وبأنه يودع طفولته وشبابه وكهولته نحو شيخوخة يمكن أن توصف بأنها أسفل سافلين ثم تحلل في القبر وتحول إلى طعام الدود.

كنت فيما مضى أثق بجسدي فأثقل عليه بلا خوف أو قلق، آكل إلى حدود التخمة وأعمل إلى حدود الإرهاق، أسافر إلى حدود السقوط في الغربة، وأسهر إلى حدود عدم الاعتراف بمشروعية النوم، وكان جسدي متواطئاً معي يرضى بكل هذا الظلم مقابل ما أعلل به نفسي من لذائذ وأهداف صغيرة أو كبيرة.... حتى جاء اليوم الذي ناء به ظهر الجسد تحت أثقال الثقة المبالغ بها، فبدأ بالانهيار محرراً علامات ورسائل تترجم عدم قدرته على تحمل المزيد، فكأن أبواب جسدي قد فتحت فجأة دون سابق إنذار أو تنبيه تاركة عواصف الضعف والوعد بالفناء تدك سكونه وقوته المزعومة.

أليس هذا حال كل إنسان يمضي شطراً من حياته كالفرس القوية المتوثبة ثم ينتقل فجأة إلى ضعف وشيخوخة الخيل التي كان من سبقنا يغيثها بطلقة الرحمة. والمؤلم أن الواحد في شبابه يتحرك بغباء مطلق وبعماء كامل ينسيانه تساقط أيام حياته كشجرة في الخريف، حتى إذا بات عرياناً من شبابه وشطر من أيام حياته وأوراقها المتساقطة بدأ يعد أيامه الباقية المتثاقلة مع ما يرافقها من وهن ومرض خائفاً من انقضائها وزوالها، فهو أحرص على أيام الوهن في كبره من أيام القوة في شبابه.

ماهر سقا أميني