في مفارقة مؤلمة، تسبب جيش الاحتلال الإسرائيلي في تهدئة غلواء الفتنة الداخلية الفلسطينية، بشنه حرباً مفتوحة ضد كل ما يتحرك في غزة، ونفذ المحتل سبع غارات جوية متتابعة حصيلتها الأولية سبعة شهداء بينهم 3 أطفال أشقاء وعشرات الجرحى، بينما تواصلت ذيول الفتنة في القطاع بثلاثة قتلى جدد ليرتفع عدد ضحايا «الأيام الست السوداء» إلى 45 قتيلاً، وأدى كشف خطة لاغتيال الرئيس الفلسطيني محمود عباس «أبو مازن»، إلى إرجاء زيارته المقررة للقطاع إلى أجل غير مسمى، في وقت تحدثت حركة «حماس» عن اتصالات لإرسال قوات فصل عربية بينها وبين حركة «فتح».
وبلغت حصيلة القصف الجوي الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، والذي بلغ سبع غارات جوية أربعة شهداء قضوا منذ فجر الخميس. وشنت مقاتلات الاحتلال غارة على أحد مواقع «القوة التنفيذية» ما أدى إلى استشهاد عبد الله الغفري، أحد عناصر القوة، وجرح أكثر من 37 شخصاً عدد منهم في حال الخطر، فيما تدمر المبنى بالكامل.
وامتلأت سماء القطاع بالطائرات المقاتلة من طراز «إف - 16» وطائرات من دون طيار لرصد أي شيء يتحرك، لتشن هجوماً آخر في مخيم جباليا باتجاه سيارة تقل نشطاء من «سرايا القدس»، واستهدفت كذلك موقع تدريب تابعاً لحركة «حماس» شرقي المخيم، ولم تقع إصابات في الهجومين.
ولاحقا، هاجمت الطائرات في غارتين متتابعتين سيارة مدنية ومقراً ثانياً لـ «القوة التنفيذية» في شارع الجلاء وسط مدينة غزة. وأفاد مصدر طبي أن «شابين استشهدا في الغارتين وأصيب 15 آخرون»، وأوضح أن «محمد شبانه قضى في الغارة الأولى في حين استشهد طلعت هنية في الغارة الثانية».
ولاحقا، قالت مصادر فلسطينية وشهود إن «الطيران الحربي أغار للمرة السادسة على مجموعة من المقاومين بالقرب من منزل الناطق باسم وزارة الداخلية خالد أبو هلال شمال مدينة غزة». وأضافت أن«أحد المكلفين بحراسة منزل أبوهلال استشهد» فيما أصيب عدد آخر وفقاً للمصادر الطبية.
كذلك استشهد ثلاثة ركاب فلسطينيين في سيارة مساء أمس في غارة إسرائيلية سابعة على جنوب القطاع. وأوضح مصدر أمني فلسطيني أن «الغارة الجديدة استهدفت منطقة معبر صوفا بين إسرائيل وجنوب قطاع غزة».
وجاءت هذه الهجمة الشرسة للاحتلال على القطاع، عقب قرار الحكومة الإسرائيلية ضرب قائمة أهداف محددة رداً على استمرار الهجمات الصاروخية، محلية الصنع، التي يشنها مقاومون فلسطينيون انطلاقا من غزة.
وأوضحت الإذاعة الإسرائيلية العامة أن «أولمرت صادق على قرار بشن جيش الاحتلال سلسلة من الهجمات الجوية والبرية تستهدف مجموعات المقاومين وقياداتها»، وأكدت الإذاعة نقلاً عن مصدر عسكري، لم تكشف هويته، على أن «الجيش سيواصل نشاطه في غزة إلى مدة غير محددة»، مشيرة إلى أن «آليات الاحتلال توغلت شمال وشرقي القطاع باتجاه بيت لاهيا وسط إطلاق كثيف للنيران».
كما أفادت مصادر أمنية فلسطينية أن «حوالي 15 دبابة إسرائيلية دخلت مساء أمس إلى شمال قطاع غزة قرب موقع مستوطنة دوغيت السابقة». وأفاد مسؤول في الأمن الوطني الفلسطيني «توغلت دبابات إسرائيلية مسافة كيلومتر وكيلومترين داخل قطاع غزة قرب مستوطنة دوغيت السابقة».
ولم تلق خطة التصعيد الإسرائيلية قبولا كافياً لدى زعيم المعارضة الإسرائيلية، رئيس حزب «الليكود» بنيامين نتانياهو، الذي اقترح في حديث لإذاعة الجيش الإسرائيلي «ضرورة فرض حصار شامل على القطاع، واستهداف البنى التحتية، ووقف إمداد الفلسطينيين بالكهرباء والماء لضمان وقف الصواريخ».
ورغم موجة التصعيد الإسرائيلية، غير المسبوقة منذ عملية «أمطار الصيف» في يوليو 2006، واصلت صواريخ المقاومة الفلسطينية، المحلية الصنع، استهداف مستعمرة سديروت، ما دفع المئات من المستوطنين للهروب من البلدة، رغم رفض أولمرت لأي خطة لإخلاء المستعمرة بالكامل.
وتوعدت كتائب «القسام» التابعة لـ «حماس» إسرائيل «بشن حرب مفتوحة»، مشيرة إلى أن «كل الخيارات مطروحة بما في ذلك تجديد العمليات الاستشهادية».
وتزامن التصعيد الإسرائيلي مع غليان غزة جراء الاقتتال الداخلي، حيث ارتفع عدد القتلى الفلسطينيين إلى 45 خلال الأيام الستة الماضية، ولم يصمد الإعلان المتبادل بوقف الاقتتال بين حركتي «فتح» و«حماس» سوى ساعات قليلة.
وارتفعت الحصيلة مع مقتل ثلاثة فلسطينيين جدد، في اشتباكات أثناء تشييع أحد عناصر «التنفيذية» الذي قتل في اشتباكات الأربعاء. وأفاد مصدر طبي فلسطيني أن «شابين توفيا متأثرين بإصابتهما ما يرفع إلى ثلاثة عدد القتلى في الاشتباكات التي اندلعت أثناء تشييع احد عناصر (القوة التنفيذية) في رفح جنوبي القطاع». كما تعرض منزلي الرئيس «أبو مازن» ورئيس الحكومة إسماعيل هنية إلى إطلاق نار من قبل مجهولين.
وإزاء هذه التطورات وتواصل الاحتقان الداخلي، أرجأ الرئيس الفلسطيني زيارته إلى غزة والمقررة لتثبيت وقف إطلاق النار. وقال مسؤولون مقربون من الرئاسة إن «(أبو مازن) أرجأ إلى أجل غير مسمى زيارة إلى غزة للقاء هنية». وأضافوا أن «الرئيس تلقى نصائح أمنية تؤكد على وجود تهديدات لحياته»، موضحين أنه «تم كشف تسجيل صوتي يتحدث عن رصد موكب (أبومازن) لدى وصوله إلى القطاع ما أدى إلى إلغاء الزيارة في الوقت الراهن».
وقال مصدر فلسطيني إن ابومازن أرجأ زيارته إلى غزة بعد اكتشاف محاولة لاغتياله من قبل كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس.
وقال المصدر لوكالة «فرانس برس»:«تم اليوم (أمس) اكتشاف نفق ضخم تحت شارع صلاح الدين في غزة وفيه كمية كبيرة من المتفجرات حفرته كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس». وأوضح أن هذه الأمور« وجدت في الطريق التي يمر منها عباس لدخول غزة».
وتلقى «أبومازن» لاحقا مكالمة هاتفية من الرئيس المصري حسني مبارك، الذي دعا «جميع الفصائل الفلسطينية إلى التعاون مع الوسطاء المصريين لوضع حد للمواجهات الداخلية»، فيما نفى رئيس الوفد الأمني المصري أن «تكون الحكومة المصرية تخطط لإنهاء تواجد (حماس) في الحكومة».
وفي مزيد من المساعي أيضاً لوقف الدم الفلسطيني، أكد المستشار السياسي لرئيس الوزراء الفلسطيني أحمد يوسف أن «اتصالات تجرى حالياً مع دول عربية لاستقدام قوات أمن عربية تراقب الوضع الداخلي وتنظم عمل الأجهزة الأمنية وتعمل على ترشيد الساحة الفلسطينية». وكشف عن أن «اتصالات واجتماعات أخرى تعقد مع دول أوروبية خاصة بريطانيا بين زعماء من (حماس) ومسؤولين من تلك الدول وذلك لإمكانية استئناف الاتصالات والعمل على فك الحصار المالي المفروض على حكومة الوحدة».
كما اقترحت إيطاليا إرسال مراقبين وقوات دولية للفصل بين «فتح» و«حماس». إلا أن الناطق الإعلامي باسم «فتح» جمال نزال أكد في مقابلة مع القناة الإخبارية الإيطالية (Rai News 24) على أن «الحركة لا تقبل أي قوات دولية للفصل بين الفلسطينيين»، وأضاف إننا «مستعدون لمساندة فكرة مراقبين دوليين للفصل بين إسرائيل والفلسطينيين»، معتبراً أن «من شأن ذلك أن يساعد في تثبيت أي اتفاقات يتم التوصل إليها في المستقبل».
ووسط هذه الاقتراحات، ادَّعى المحلل السياسي الإسرائيلي أودي سيغال أن «(فتح) طلبت من أوروبا إغاثة عاجلة بالسلاح والمال لتستطيع الوقوف في وجه حركة (حماس)». وقال إن «واشنطن وإسرائيل ستقومان بتقوية جناح السلطة ضد هذه الحركة».
من ناحيته حمل وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط أمس إسرائيل والفلسطينيين والمجتمع الدولي مسؤولية تدهور الأوضاع في قطاع غزة واستنكر القصف الإسرائيلي للقطاع. وقال أبو الغيط في تصريحات للصحافيين إن«قيام إسرائيل بقصف شمال قطاع غزة عنف عبثي وقتل بالمجان». من ناحيتها حملت الولايات المتحدة أمس حركة حماس مسؤولية أعمال العنف في قطاع غزة. وقال الناطق باسم الخارجية الأميركية شون ماكورماك إن وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس اتصلت هاتفياً برئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت والرئيس الفلسطيني محمود عباس.
وأوضح «كانت ترغب في الحديث إليهما مباشرة لمعرفة وجهتي نظرهما بشأن الوضع». وجدد الناطق دعوة الولايات المتحدة إلى الحد من العنف. وقال«نريد من كافة الأطراف أن تتحلى بضبط النفس».
وأضاف «لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها وقد أظهرت الكثير من ضبط النفس في مواجهة هذه الهجمات الصاروخية». وتابع«كحكومة لا نريد أن يحاصر المدنيون الأبرياء بين نارين»، مضيفا«لكن يجب ألا ننسى أن العنف قد بدأ. وهو بدأ حين هاجمت قوات مرتبطة بحماس مواطنيها الفلسطينيين وبدأت مجموعات بإطلاق الصواريخ»على إسرائيل.
غزة، القدس ـ ماهر إبراهيم
