أكد الباحث عبد الخالق صلاح عطية في أطروحته للماجستير، التي تقدم بها لكلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف أن وجود الله تعالى يتجلى ويظهر ويتضح في خلق الجنين في بطن أمه يتقلب أطواراً ويمضي في مراحله المعقدة من نطفة إلى مضغة إلى علقة إلى عظام إلى كسوة هذه العظام لحما، ثم ينشئه الله خلقاً آخر لقوله تعالى: «ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين.. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين.. ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحما، ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين». المؤمنون 12 ـ 14.

وأوضح عطية في دراسته، التي جاءت تحت عنوان «تطور الأجنة في الأرحام بين العلم الحديث ـ والإسلام ودلالته الإيمانية» أن الله تعالى كشف حجاب الغيب عن مدلولات الآيات، التي تتحدث عن الجنين، وجعل هذه الآيات منارة يهتدي بها من ضل الطريق وفيضاً إيمانياً يبقى في نفوسنا وأدلة مادية حية تشير إلى علمه الواسع وإلى قدرته التي لا حدود لها ولا نهاية، ومن ثم بقي القرآن معجزة دائمة نضرة متجددة ومتمشية مع كل زمان ومكان، فأضحى بذلك معجزة المعجزات، وسيبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وأشار إلى أن نواحي الإعجاز الموجودة في الآفاق وفي الأنفس، وهي التي يشير إليها الله بقوله الكريم: «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق» «فصلت:53»، لهي مجال خصب وحقل بكر يجب على علماء الإسلام أن يشمروا عن سواعدهم في الكشف عنها ودراستها وإظهارها للناس.

وبالطبع لن يستطيع ذلك إلا من تزود وتخصص في العلوم الكونية والطبية والنفسية والمدنية، فلم يستطع المسلمون أو غيرهم أن يقفوا على جوانب الإعجاز فيه إلا بالاستعانة بالعلوم الحديثة ونتائج البحوث التجريبية، موضحاً أن هذا المنهج الدعوي هو الأنسب لمخاطبة العقل الحديث، وأنه الدافع لأن يقود بعض العلماء للعمل به، لأنهم وجدوا الإنسان العصري يقتنع بأسلوب العلم والعقل لا بالأساليب الأخرى القديمة، وأن اتجاه الدعوة المستند على الإعجاز العلمي له قيمة في الوقت، الذي تهيمن فيه الأفكار العلمية على عقول ونفوس وتصرفات الشباب والإنسانية جمعاء.

وقال عبد الخالق إن القرآن الكريم والسنة المطهرة هما المصدران الأساسيان للهداية والمعرفة العلمية مع الجد والاجتهاد والمثابرة في العلم والمعرفة، وبالتالي فالعمل في أي مجال من مجالات الحياة يرتبط ارتباطاً كلياً مع توجيه القرآن والسنة ليتدرج الإنسان من الفكر السطحي إلى العميق إلى المستنير، ومن ثم تدرجت دراستي من علم الأجنة عند القدماء المصريين وحتى عصرنا الحاضر.

حيث كانت المرحلة الوضعية هي البداية، واقتصرت هذه المرحلة، والتي تقدر بخمسة وعشرين قرناً قبل الميلاد على وصف الملاحظات المتعلقة بمظاهر تطوير الجنين مع محاولة تفسيرها بطرق متنوعة، وكان غياب المنطق أمراً طبيعياً مع انعدام وجود الأجهزة، التي يمكن أن تساعد العلماء الدارسين على فهم حقيقة التطورات، التي تمر في حياة الجنين، ثم جاء أرسطو وكتب مؤلفه المعروف «تكوين الحيوانات»، الذي قوبل بالإعجاب رغم ما فيه من الأخطاء الحتمية، التي لم تكتشف إلا قبل القرن التاسع عشر وذلك بعد ازدياد الصلة بين مصر واليونان.

وأضاف أنه في عصر الإسلام جاء القرآن وتحدث عن الجنين، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصبح هذا التحدث عن العلوم النظرية إلا ما فتح الله عليه من الفهم، ولكن كانت المعرفة في حدود النظر مثلما كان عليه الأمر من قبل الإسلام، حتى جاء القرن الثامن عشر، فكان قنطرة عبور إلى علم الأجنة الصحيح، حيث كثرت الأبحاث والدراسات والمؤلفات حوله.

كمؤلف علم الأجنة المقارن للباحث الإنجليزي «بالفور» نتيجة لتجاربه الخاصة وربما ساعد على ذلك التطور في هذه الأثناء تحسين المجهر الضوئي واكتشاف الخلية، ثم اكتشاف فكرة التطور العضوي للحيوان المنوي، وإن كانت المعارف حتى نهاية هذا القرن شابها التضارب الشديد، حتى جاء القرن 19، حيث زادت المكتشفات في علم الأجنة وعرف أن الخلية هي الوحدة الأساسية لتكون الجنين ثم باتحاد الخلايا المتشابهة ينشأ العضو ثم باتحاد الأعضاء ينشأ الجهاز وتعمل هذه الأجهزة لصالح الجسم.

تهيئة المناخ

وشدد الباحث على أن القرن العشرين شهد إنشاء علم الوراثة وأصبح التحكم في صفات الجنين وغذائه ولون بشرته وطوله وقصره من أسهل الأمور، وكذلك اكتشفت الهرمونات، التي تعمل على تثبيته في الرحم وتهيئة المناخ له، ثم تخصص البحث في الأحماض التي تتكون منها الخلية، وأصبحت هذه الدراسات شبه خيالية في فترة الكشوفات، ثم عدل المجهر إلى الميكروسكوب الإلكتروني، الذي يكبر الشيء أكثر من آلاف المرات، وبالتالي كثرت التخصصات في علم الأجنة وتفرع من التخصص تخصص أدق، إلا أنه كلما كثرت المعلومات كثر المجهول.

وذكر أنه استطاع من خلال الدراسة والبحث أن يقف على مراحل خلق الجنين في رحم أمه من الوجهة العلمية، التي توصلت إليها الأبحاث العلمية الحديثة التي انتهت في مجملها إلى ما انتهى إليه القرآن الكريم، وبالتالي جاء التأكيد أن القرآن بألفاظه، التي هو عليها الآن ألفاظ معجزة أيد الله بها ورسوله صلى الله عليه وسلم ووجوه إعجازه، التي قام بها بالحجة على العقول في العصور الماضية كانت ولا تزال حتى قيام الساعة واخباره بالمغيبات التي لا يمر عصر إلا ويظهر من هذا الإعجاز.

حيث إن القرآن أخبر بمغيبات ظهرت بوضوح وجلاء في هذا الزمان واحتوائه على معلومات ومعارف لم تكن معلومة للبشر وقت التنزيل وظهر بعضها بجلاء ووضوح في هذا العصر لهو المعجزة، التي تقوم عليها الحجة على أصحاب العقول والناس كافة في هذا الزمان، الذي ارتضى فيه بنو البشر جميعاً سلاح العلم بأدواته الصحيحة حكماً وفضلاً وعدلاً يفصل بين الحقيقة والوهم.

وأوصى الباحث عبد الخالق عطية أن تتكاتف الجامعات والمؤسسات العلمية بضرورة العناية بدراسة قضايا الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، والعمل على إعداد وتدريس مادة جديدة في كل كلية أو معهد تعليمي تعنى بدراسة آيات وأحاديث الإعجاز العلمي الداخلة في تخصص هذه الكلية أو المعهد، وذلك لربط حقائق العلم بالوحي وتعميقاً للإيمان، وتقوية لليقين في قلوب الدارسين، مشدداً على أهمية التنسيق والتعاون بين مختلف المؤسسات العلمية والتعليمية لإعداد تفسير ميسر للقرآن الكريم يعنى بوجه خاص بالآيات الكونية الواردة فيه وبخاصة علم الأجنة.

وطالب المنظمات والمؤسسات الإسلامية بالسعي الجاد لوضع ترجمة دقيقة لمعاني القرآن وخاصة تلك المعاني المرتبطة بمسائل الإعجاز ونشرها في دوريات علمية تصدر بملفات عالمية كالإنجليزية والفرنسية، وتشجيع البحوث والدراسات المهتمة بمجال الإعجاز العلمي في القرآن والسنة وتخصيص المنح الدراسية في مجال الدراسات العليا ورصد الجوائز المالية لهم ولغيرهم من الباحثين في هذا المجال وإنشاء مراكز متخصصة لبحوث الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

القاهرة ـ رمضان أبو إسماعيل