أمر حسمه الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، إلا أن بعض المجتمعات العربية لا تزال تصر على هذه العادة الجاهلية، وهى المرتبطة بالتفريق في المعاملة بين الذكور والإناث، وذلك بتفضيل الذكور في المعاملة وذلك كله ما يؤذى مشاعر الطرفين، فالذكور يشعرون بالتدليل الزائد فيصابون بالأمراض النفسية ولذات السبب تعانى الفتاة من قسوة تعامل المجتمع معها فتشب مريضة ضعيفة الشخصية كارهة ورافضة لقيم وعادات المجتمع التي جعلت أسرتها تعاملها كمواطنة من الدرجة الثانية.

كان الإسلام سباقاً على كل البحوث التربوية والنفسية والاجتماعية التي تطالب بعدم التفريق في المعاملة حيث أكد الرسول صلى الله عليه وسلم مراراً وتكراراً على فداحة الجرم الذي يرتكبه الآباء الذين يفرقون في معاملة الأبناء بسبب النوع، وذلك التأكيد الذي أبدته البحوث النفسية والتربوية مؤخراً، حيث وقفت على المخاطر التي يتعرض لها الأبناء من جراء هذا التفريق في المعاملة سواء كان مقصوداً أو غير مقصود، فهو سلوك يلعب دوراً مؤثراً في انحراف الأبناء.

تقول د. زينب إسماعيل مرسي بقسم تربية الأطفال بكلية التربية: إن تصرفات الأطفال مصدرها الأساسي ما يتلقونه وما يتعلمونه من الوالدين، فإما أن يحسن الوالدين التصرف، وذلك يشكل مصدر قوة وطمأنينة لأطفالهم، وأما أن يخطئ الوالدان فيكون ذلك مصدر القلق الأساسي في تنشئة الأطفال، وإذا أمعنا النظر قليلاً نجد أن هناك مجموعة من التصرفات تندرج ضمن قائمة السلوكيات الخاطئة للأبوين، فعندما يميل أحد الوالدين أو كليهما ميلا شديداً إلى أحد أبنائهم ويعاملونه بحب واحترام ودلال ويقدمون له أجل الألعاب، وكل ما يطالب دون أخوته فإنهم بذلك يخلقون في نفسه بذور الأنانية وحب النفس والانكفاء على الذات أن هذه السلوكيات هي بالمحصلة عوامل ضعف في تكوين الشخصية، فهي التي تجعل منه اتكاليا وضعيف المبادرة ويسعى دائماً إلى من يلبى له متطلباته ورغباته دون أن تكون له الإمكانية الكافية للمبادرة والتصرف السليم والمنطقي.

وأشارت إلى أنه إذا انتقلنا إلى الجانب الآخر من المسألة وهو تأثير تلك السلوكيات على أخوته فإننا نصل إلى نتائج غير مرغوبة ومؤسفة ليس أقلها الشعور بعدم الاهتمام، وظهور مشاعر العداء والكراهية لديهم بسبب شعورهم بالتهميش.

وأضافت: إن التمييز بين الأبناء يبدأ عند الآباء ويمتد ليلقي بضلاله القائمة على حياة الطفل الأسرة والمجتمع، من هنا تأتى أهمية أن يكون الوالدان مدركين لدورهما التربوي السليم من حيث عدم التمييز في المعاملة بين الأبناء، وأن يكونا شديدا الانتباه إلى تصرفاتهما إذ يجب أن نشعرهم دائماً بالحب والحنان والطمأنينة، وبذل الجهد لتعديل ظروفهم داخل المنزل وخارجه فالطفل بحاجة للانتماء إلى العائلة، ومن ثم إلى الجماعة ، وهكذا عندما يشعر الطفل بأنه مقبول في مجتمعه وبين أقرانه لاشك أنه سيصبح في المستقبل شخصاً متوازناً ونافعاً لنفسه ولعائلته ولمجتمعه ويكون مساهما فعالاً كأي فرد صالح.

اختلاف الطباع

وترى د. إجلال حلمي أستاذ علم الاجتماع أن هناك من الآباء من يعتقد أن المسؤول الأكبر عن التمييز بين الأبناء أنفسهم، وذلك راجع إلى اختلاف الطباع وحسن التصرف واللباقة في التعامل مع الوالدين، لتحقيق المطالب، بحيث يبتعد الوالدان عن المساواة دون قصد أحياناً سواء في الإنفاق أو العطف، أو حق إبداء الرأي والاعتراض.

وأوضحت أنه قد يكون الذكر في مجتمعنا مقبولاً في جميع تصرفاته عن الأنثى ، فتعطى له كل الصلاحيات وتنفذ له كل الرغبات ناسين أو متناسين ما تحثنا عليه تعاليم ديننا الإسلامي من العدل وعدم التمييز، ويعنى عدم المساواة بين الأبناء جميعاً والتفضيل بينهم بسبب الجنس أو ترتيب المولود أو السن أو الجمال، وهذا بلا شك يؤثر على نفسيات الأبناء الآخرين وعلى شخصياتهم فيشعرون بالحقد والحسد تجاه هذا المفضل وينتج عنه شخصية أنانية، فيتعود الطفل أن يأخذ دون أن يعطي ويجب أن يستحوذ على كل شيء لنفسه حتى ولو على حساب الآخرين، ويصبح لا يرى إلا ذاته فقط والآخرون لا يهمونه، وينتج عن ذلك شخصية تعرف ما لها ولا تعرف ما عليها وتعرف حقوقها ولا تعرف واجباتها.

وعن الآثار النفسية المترتبة على التمييز بين الأبناء، يقول د. أشرف محمد شلبي مدرس علم النفس الارتقائي : إن الإحساس بالتمييز يؤدى إلى الإصابة بأمراض نفسية عديدة فقد يسرق الصغير لكي يتساوى مع أخيه أو أخيه الأكبر منه سناً إذا شعر أن نصيبه من الحياة أقل منهما ، وقد يعاني الطفل من الكذب الانتقامي فقد يكذب لإسقاط اللوم على شخص ما يكرهه أو يغار منه ، وهو من أكثر أنواع الكذب خطراً على الصحة النفسية وعلى كيان المجتمع ومثله وقيمه ومبادئه، ذلك لأن الكذب الناتج عن الكراهية والحقد هو كذب مع سبق الإصرار ويحتاج من الطفل إلى تفكير وتدبير مسبق بقصد إلحاق الضرر والأذى بمن يكرهه.

ويكون هذا السلوك عادة مصحوباً بالتوتر النفسي والألم، وقد يحدث هذا النوع من الكذب بين الأخوة، فالطفل الذي يشعر بأن له أخا مفضلاً عند والديه وأنه منبوذ أو أقل منه قد يلجأ إلى اتهامه باتهامات يرتب عليها عقابه أو سوء معاملته، وقد يعاني من فرط الغيرة والتي قد تنتج عن عدم القدرة على أن نمنح الآخرين حبنا ويحبنا الآخرون بما فيه الكفاية، وبالتالي فهي تدور حول الشعور بعدم الطمأنينة والقلق تجاه العلاقة القائمة مع الأشخاص الذين يهمنا أمرهم، وربما يؤدى التمييز إلى إخفاق الطفل في تحقيق أهدافه المستقبلية وإشباع حاجاته الجسدية والنفسية والاجتماعية بشكل سوي ، وضعف معنوياته وشعوره بالإخفاق والإحباط ووقوعه تحت وطأة التوتر والصراع النفسيين.

وأوضح أنه قد تبين في كثير من حالات التمييز ضد الأطفال في الصغر بأن مشاعر الضيق والحقد قد ترافقهم عند بلوغهم ، وقد تنعكس على معاملتهم مع أطفالهم في المستقبل، بل قد يعاني الطفل المفضل هو الآخر من نظرة أخوته العدائية والكرة الممارس ضده على مستوى السلوك اليومي، وقد يصل الأمر إلى مستوى إلحاق الضرر بالتجريح والمقاطعة والضرب في بعض الحالات.

وأشار إلى أن العلاج يكون بالمساواة في الطعام وتوزيع الكلام والانتباه والاهتمام وتوزيع النظرات والضحك والمداعبات، كذلك المساواة في الهدايا والعطاء والمساواة باتخاذ القرارات من خلال استشارة الجميع دون استثناء، وهناك المساواة بالمشاركة باللعب والمساواة في كلمات المحبة.

وعن حكم الإسلام في هذه القضية يقول د.محمد الدسوقي أستاذ الفقه بجامعة الأزهر: إن قضية التمييز مثلها مثل بعض القضايا الأخرى منشؤها ليس إسلاميا، فقد فصل الإسلام منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام في مضمونها وحدد موقفه منها، فالناس متساوون كأسنان المشط ، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم.

وأشار إلى الحاصل في الواقع أن بعض المجتمعات العربية مازالت تعيش في الجاهلية وخاصة في التفريق بين الذكر والأنثى في الميراث ثم التفريق بينهم في الرعاية، وإذا كان الإسلام قد أعطى للمرأة في بعض الحالات نصف ما أخذ الرجل، فسبب ذلك أن الرجل مسؤول من حيث الإنفاق على نفسه وأمه وزوجته وأولاده وأرحامه.

أما المرأة فهي مسؤولة عن أبيها وزوجها وأخيها وأخذ ميراثها دون أن يترتب عليه مسؤولية نحو غيرها، كذلك فإن جميع الآيات التي تتحدث عن العدل في القرآن الكريم يدخل تحتها الجميع بمن فيهم الأب الذي لا يعدل بين أبنائه، وفى السنة النبوية المطهرة عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن أمه بنت رواحه سألت أباه بعض الموهوبة من ماله لابنها فقالت: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما وهبت لأبنى فأخذ أبى بيدي وأنا غلام فأتى رسول الله فقال: يا رسول الله أن أم هذا بنت رواحة أعجبها أن أشهدك على الذي وهبت لابنها فقال رسول الله: يا بشير ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم فقال أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا، قال: فلا تشهدني إذن فإني لا أشهد على جور.

وشدد على أن الإسلام أمر أن يسوي الآباء بين الأبناء في كل شيء حتى في القبلة فلا يجوز أن يتعامل مع البعض بلطف وإكرام واحترام ولا يتعامل مع الآخرين بهذا، فهذه مشكلة خطيرة تعبر عن ضعف في الإيمان، ومثل هذه القضية محرمة وكل من يلجأ إليها فإنه يرتكب جريمة منكرة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

وأضاف: إن هذا التمييز يؤدي للعقوق وكراهية بعضهم البعض وهو دافع للعداء بين الأخوة ودافع للتحول إلى حياة الرذيلة والشقاء والإجرام ، لذلك يجب على الآباء أن يحسنوا إلى كل الأبناء حتى يكونوا دعاة صالحين لهم بعد موتهم لقوله «مات بن آدم وانقطع عمله إلا من ثلاث ولد صالح يدعو له، والولد تصدق على الرجل والمرأة».