نكبة ثانية عاناها الفلسطينيون أمس، فبينما كانت جماهيرهم تتظاهر لمناسبة 59 عاماً على اغتصاب وطنهم، كان «رفاق السلاح» في حركتي «فتح» و«حماس» يسحبون مصيرهم إلى حافة الحرب الأهلية عبر تجدد اقتتال الفتنة وسقوط 15 قتيلا وعشرات الجرحى، بينما يراقب المحتل الإسرائيلي، ويواصل تهويد القدس بتغيير معالمها كما شهدت بذلك اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وذكرت مصادر أمنية فلسطينية أن تسعة من عناصر قوات الأمن الوطني الفلسطيني قتلوا قرب معبر المنطار بين إسرائيل وقطاع غزة، وأصيب 18 آخرون بينهم مدنيون في كمين نصبته عناصر من كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس لسيارة تابعة لقوات الأمن»، مشيرة إلى أن «هذا الحادث يعد مؤشراً خطيراً يدلل على أن هناك نية للانقلاب على الأجهزة الشرعية والرسمية للسلطة الوطنية».
وقال احد الناجين من أفراد الأمن الوطني في مقابلة بثها التلفزيون الفلسطيني ان «مجموعة من القسام هاجمت سيارتنا بقذائف الياسين (ار بي جي) والرصاص، وبعدما انقلبت السيارة وأصيب كل من كان فيها اقترب عناصر القسام والقوة التنفيذية واخذوا يطلقون النار على المصابين ونجوت لأني تظاهرت بالموت».
كما أكدت مصادر طبية مقتل يوسف مطير وهو ضابط برتبة نقيب في الأمن الوقائي، جراء كمين مسلح في أحد شوارع غزة. وأسفر الكمين أيضا عن إصابة ثلاثة أشخاص آخرين. وكان إبراهيم منية (45 عاما) وهو أحد القادة الميدانيين في «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» قد قتل فجر أمس بجانب ناشط آخر في الحركة لم تعرف هويته في حي الشجاعية شرق غزة على يد مجموعة من حرس الرئاسة بعدما رفض التوقف عند أحد الحواجز.
كذلك أفادت مصادر أمنية وطبية فلسطينية أمس، بان فلسطينيا مدنيا قتل بالرصاص أثناء مروره في شارع قريب من محيط مقر الرئاسة الفلسطينية غرب غزة، حيث شهدت تلك المنطقة مواجهات مسلحة بين «حماس» و«فتح». وأفادت مصادر طبية ان فلسطينيين قتلا مساء أمس في حي الصبرة بمدينة غزة، مشيرة إلى إصابة 20 شخصاً آخر من بعد ظهر أمس وحتى حلول المساء.
ونفت «حماس» أي صلة لعناصرها بالقصف الذي أدى لمقتل 9 من عناصر قوات الأمن الفلسطينية غزة متهمة إسرائيل بالمسؤولية عن هذا القصف. كذلك نفى إسلام شهوان الناطق باسم «القوة التنفيذية» المحسوبة على حماس مشاركة القوة في الهجوم على معبر المنطار مؤكداً أن أياً من عناصرها غير موجود هناك.
واثر هذه الاشتباكات قالت مصادر غربية ان 500 مقاتل من الموالين لحركة «فتح» دخلوا غزة من مصر أمس كتعزيزات محتملة في القتال مع أنصار «حماس»، مشيرة إلى أن «معبر رفح الحدودي بين غزة ومصر فتح لفترة وجيزة لإدخال القوة التي كانت تتلقى تدريبا متقدما في مصر». لكن مصادر أمنية فلسطينية قالت ان دخول هذه القوة ليس له علاقة بالأوضاع في القطاع.
وأعلن أربعة نواب من حركة فتح تعليق عضويتهم في المجلس التشريعي مهددين بالاستقالة من المجلس احتجاجاً على الأحداث المؤسفة الجارية في القطاع. ودعا الرئيس المصري حسني مبارك أمس في مكالمة هاتفية مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى «الوقف الفوري» للمواجهات في غزة، معتبرا أن «الاقتتال الفلسطيني خط احمر يتعين على كافة الفصائل الالتزام بعدم تجاوزه».
وفي تل أبيب، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي عامير بيريتس أمس في حديث إلى الإذاعة العسكرية الإسرائيلية ان «إسرائيل تتابع الوضع في قطاع غزة لكنها ستمتنع عن التدخل فيه». وقال «ليس لدينا نية في التدخل في هذه المواجهات. انها مواجهات داخلية ونحن نتابع التطورات». وأعلن رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية ان مصر والسعودية تجريان اتصالات واسعة مع قيادتي حركتي فتح وحماس لوقف الاقتتال.
وقال هنية في بيان صحافي «ان كل الجهود تبذل الآن لمحاصرة بؤر التوتر وان هناك جهودا مشكورة تبذلها أطراف عربية مصرية وسعودية مع قيادة الحركتين فتح وحماس لتحكيم صوت العقل والحكمة وضرورة الحفاظ على ما تم انجازه في مكة من تشكيل حكومة الوحدة الوطنية».
وأضاف انه أوضح لوزير الخارجية التركي عبد الله غول الذي اتصل به أمس ان «الحكومة والرئاسة والمستويات السياسية المختلفة في البلاد تتحرك جميعها لوضع حد لحالة الاقتتال والعمل على رص الصف الفلسطيني وتفويت الفرصة على الاحتلال الذي لا تغيب مؤامرته عما يجري».
وجاءت هذه المواجهات في وقت أحيا الشعب الفلسطيني أمس الذكرى ال59 للكنبة. ودعا الرئيس عباس في كلمة إلى الفلسطينيين إلى «إنهاء الفلتان الأمني والفوضى الداخلية من خلال تطبيق الخطة الأمنية من دون تردد أو تأخير لوأد الفتنة واستبعاد شبح الاقتتال الداخلي».
واقيم في رام الله أمس مهرجان بمناسبة ذكرى النكبة، لكنه شهد تراجع عدد المشاركين فيه. وقال شاب في العشرينات من العمر اكتفى بالقول إن اسمه محمد «ما يجري في غزة اليوم هو نكبة الشعب الفلسطيني. لن أواصل المشاركة في هذا المهرجان».
وبعد انطلاق صفارة الإنذار إيذانا ببدء إحياء الذكرى القى عدد من ممثلي الفصائل الفلسطينية كلمات أكدوا فيها على حق العودة. وردد المشاركون في المهرجان قسم العودة «اقسم بالله العظيم ان أكون مخلصا لحق شعبنا في العودة الى ديارهم التي هجروا منها وسأتصدى لأي محاولة للانتقاص من هذا الحق وان ادافع عنه بكل ما ملكت يداي ولن اقبل بأي حل او خيار لا ينص على حق العودة للديار والله على ما أقول شهيد».
في هذه الأثناء، اتهمت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تقرير سري تسرب إلى صحيفة «انترناشيونل هيرالد تريبيون» التي نشرته أمس إسرائيل «بتغيير معالم» القدس الشرقية على حساب الفلسطينيين المقيمين فيها. وأوضحت اللجنة ان «إسرائيل تستغل وضعها كقوة محتلة للنهوض بمصالحها الخاصة او مصالح سكانها على حساب سكان الأراضي المحتلة» في ممارسات «غريبة عن نص وروح القانون (الإنساني) الخاص بالاحتلال».
وفي تقريرها اخذت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على إسرائيل انتهاج سياسة تهدف إلى تغيير معالم القدس، ترتبت عليها انعكاسات إنسانية خطيرة من بناء الجدار الفاصل، وإقامة حزام مستوطنات خارج الحدود البلدية، وبناء شبكة واسعة من الطرقات تربط مختلف الأحياء اليهودية بالمستوطنات داخل المدينة وخارجها.وتابعت اللجنة ان إسرائيل« تعزل بتلك السياسة مناطق سكنية فلسطينية بعضها عن البعض وتفصل القدس الشرقية عن بقية أراضي الضفة الغربية ما يؤدي إلى صعوبات في الوصول إلى الخدمات الأساسية»
