التعليم قاطرة العالم إلى التنمية البشرية تتسابق الدول لتطويره لأنها تدرك أنه السبيل الوحيد لتقدمها ورقيها، فتضعه دائما على هرم أولوياتها واهتماماتها لتبقى حضارتها لا تغيب عنها الشمس، معتبرة المساس بالثقافة والتعليم عبثا بمقدراتها.

فالأمر ليس مجرد مدرسة أو تحصيل بل مستقبل دولة وأمنها القومي، دليل ذلك عندما حاولت دول التحالف فرض شروطها على اليابان بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية رفضت الأخيرة أي هيمنة على نظامها التعليمي واعتبرت ذلك خسارة اكبر من خسارة الحرب، لهذا ظل تعليمها صامدا متطورا وارتقت به لمصاف الدول العظمى المتقدمة

والى جانبها نجد التعليم عالي الجودة في الهند، وحصدت ماليزيا اقتصادا لأنها زرعت تعليما، وتملك سنغافورة تعليما جيدا، وكذا اليابان أو الصين التي غزت العالم أو ماليزيا أو اندونيسيا، وهي بلدان شرقية مرت وتمر بظروف كظروف عالمنا العربي، إلا أنها تجاوزت تلك الظروف لإصلاح التعليم، ناهيك عن أميركا وفرنسا وكندا واستراليا التي تضع التعليم في طليعة أولوياتها واهتماماتها.

عربيا الأمر مختلف تماما، فالتعليم «شأن مجتمعي» أهميته كالسياحة والإعلام والرياضة والفنون وغيرها ولا يتميز عنها، وتبقى الحاجة ماسة لتغيير الأولويات لأننا نعاني بالفعل أزمة تربوية في قطاع التربية والتعليم مع تفاوت في الدرجة وفارق في الحدة.

قطاع التربية في بلادنا العربية إلى جانبنا يحتاج وقفة تأمل نعيد فيها النظر، كما يحتاج إلى دعم ومساندة لأن تطوير التعليم للمستقبل أمر لا يحتمل التأجيل، فهل نعي التعليم أمنا قوميا نعيد به صياغة نظام يتخطى مشاكل الحاضر ويستشرف المستقبل؟

مشروع تطوير التعليم في أستراليا ركز على التغيير في طرائق التعليم بحيث يكون الطالب متعلما مستقلا مرنا في تعلمه، وألا يكون المعلم مانحا للمعلومات بل مساعد للطالب في عملية التعلم، فيما ركز المشروع ولا يزال على محاور منها: التركيز على المهارات الفكرية والتعليمية والحياتية وتحقيق مفهوم التعليم المستمر،

والتركيز على استخدام تقنية الحاسب والمعلومات في عملية التعليم، بحيث تستخدم من قبل المعلم وسيلة تعليمية ومن الطالب أداة ومصدرا للتعلم، والتغيير الجذري في المناهج لتتناسب مع حاجات المتعلم ومتطلبات سوق العمل والحياة العصرية، والتدريب والتطوير المهني للمعلمين بشكل مكثف، وتطوير أسلوب جديد لتقويم ومراجعة عمل المدرسة، وتطوير أسلوب إدارة الصف.

إلى جانب المشروع شكلت وثيقة المناهج إطارا عاما لبناء نسيج المناهج لتلبية حاجات المتعلم، وحددت إضافة إلى ذلك المعايير المنهجية المتوقع من الطلبة تحقيقها في كل مدارس الولايات وفي جميع السنوات. وتعد هذه الوثيقة محور العملية التعليمية فمن خلالها تحدد المجالات العلمية في تقدم الطلبة ويدرب على أساسها المعلمون وتحدد بموجبها معايير تقويم أداء المتعلمين، ويتم باستخدامها تقويم عمل المدرسة.

مجموعة كبيرة من التربويين شاركوا في إعداد الوثيقة وساهم فيها المعلمون بشكل فاعل، وأخذ رأي قطاعات المجتمع الأخرى بمن فيهم أولياء الأمور بإجمالي مشاركة بلغت خمسة آلاف فرد. وتعد الوثيقة المرجع الأساسي للمعلمين، لكن يترك للمعلم مجال لإبداعاته في تعليم الطلاب وما يستطيع أن يضيفه من مناشط وطرائق مناسبة لتحقيق أهداف ومستويات ومعايير المواد، فهي تترك للمعلم حرية تخطيط المواد

وتنظيم المنهاج والنشاطات الصفية التعليمية، ويترك للمدرسة كذلك تحديد الوقت الكافي لتدريس المواد ولا ينبغي لأي مدرسة أن تكرر ما تفعله الأخرى بحجة أن كل مدرسة لها ظروفها وطلبتها ولهم احتياجاتهم الخاصة في التعلم، فيما تخدم الوثيقة التعليم في مرحلة الإعداد (السنة الأولى إلى العاشرة)، محددة مجالات التعليم الثمانية:

اللغة الانجليزية والرياضيات والصحة والتربية البدنية والآداب والعلوم ودراسات المجتمع والبيئة والتقنية واللغات الأخرى، واصفة التحصيل المتوقع من الطلبة، ومتفرعا منها وحدات تعليمية محددة ومبينا بها المحتوى الرئيسي وأساليب التدريس وفق معايير محددة.

فكتوريا والتطوير

وينال تدريب المعلمين في فكتوريا اهتماما ملحوظا من الهيئات التربوية، ذلك أن تحسين عملية تعلم الطلاب ترتبط مباشرة بضمان حصول المعلمين والمديرين على تدريب عالي المستوى في مجالات التعليم والقيادة التربوية. وتقوم فلسفة التطوير المهني والتدريب على أن المدرسة والفصل هما المركز الأساسي للتدريب من اجل الربط المباشر بين برامج التدريب والتنفيذ.

وتنبثق برامج التدريب والتطوير المهني من الاحتياجات الفعلية للمدرسة والفريق العلمي حيث تبرز هذه الاحتياجات من خلال الخطة التعليمية التي تعدها المدرسة ومن خطة المعلم السنوية، حيث توضح هذه الخطة الأهداف الأساسية التي تسعى المدرسة لتحقيقها وتوضح المهارات والمعارف اللازمة لتحقيق هذه الأهداف، وبذلك يكون هناك تلازم مباشر بين برامج التدريب والتطوير المهني والتطبيق الميداني.

وهذا النهج في التدريب يجعل من المدرسة المسؤولة الأولى عن تطوير معلميها، فلم يعد التدريب مسؤولية مركزية تعنى بها الدولة وإنما المدرسة هي المؤسسة التعليمية الأساسية التي تساهم في تطوير أفرادها وتنميتهم مهنيا،

وكل معلم في المدرسة له نصيب في التدريب والتطوير بما يتلاءم مع أهداف المدرسة واحتياجاتها، وتوفر المدرسة بذلك بيئة تربوية تشجع على الإبداع وتقديم الأفكار الجديدة والأساليب المفيدة وتبادل الخبرات والمهارات بين منتسبيها.

استشارة المعلمين

المنهاج في فرنسا هو أداة المدرسة ووسيلتها لتحقيق أهداف المجتمع لذا من الضروري بناؤه على أسس واضحة تراعي ثقافة المجتمع وحاجاته وطموحاته ـ ووفقا لذلك تمر عملية بناء المنهاج وصياغته بمراحل متعددة يشارك فيها المختصون بالمناهج والعاملون في الميدان التربوي بصورة عامة.

ويشرف على إعداد المناهج وتطويرها إشرافا كاملا من المرحلة التمهيدية حتى نهاية المرحلة الثانوية الإدارة الوطنية للمناهج في وزارة التربية الوطنية والبحث، ويقوم المختصون في هذه الإدارة وهم من ذوي الكفاءات العالية والخبرات الطويلة في المجال التربوي وفي بناء المناهج بوضع الأهداف العامة والمحتوى العام والخطوط العريضة للمنهاج وهم في ذلك يعتبرون مختلف الأسس المؤثرة في بنائه وأهمها ثقافة المجتمع الفرنسي وحاجاته.

إن إعادة بناء المنهاج أو تجديده وتطويره يحتاج إلى قرار وزاري، معتبرا الحاجة إلى التطوير تبعا لتغير الحياة وتطورها، فيما يمر المنهاج العام الذي تم بناؤه بمرحلة شرح وتفصيل تقوم بها فرق متعددة وفق التخصصات المختلفة تشكل من اجل ذلك ولها شخصيتها المستقلة،

وفي كل فريق يجتمع عنصران، الخبرة والمعرفة النظرية بأسس المناهج والمحتوى العلمي، وهذا يتحقق من خلال أساتذة الجامعات المهتمين بهذه الجوانب، وعنصر الخبرة التربوية الميدانية والمعرفة بحاجة الميدان التربوي ومشكلاته، وهذه تتحقق من خلال المعلمين المتميزين والمفتشين التربويين.

وبعد توضيح المنهاج العام ووضع تفصيلاته وأهدافه الخاصة ومفرداته يتم استشارة جميع المعلمين في فرنسا وذلك بتزويد كل واحد منهم بنسخة منه للدراسة وإبداء الملاحظات والمقترحات عليه، ويقوم الفريق المختص بعد ذلك بتعديل المنهاج

وفق الملاحظات والتوصيات التي جمعت من الميدان ثم يجري لها مراجعة نهائية في الإدارة الوطنية التي تراعي الكم المعرفي ومدى مناسبته للخطة الدراسية المحددة، وفي العموم فالتعليم هناك كامل الدسم ويريده البعض قليل الدسم.

طرائق مهمة للتدريس

في فيتنام لعب التعليم دورا كبيرا في دعم حالة الصمود النادرة التي أبداها الشعب الفيتنامي، إزاء نوعين من أكثر أنواع التدخل والاحتلال عنفا وشمولا هما الاستعمار الفرنسي والتدخل الأميركي، إذ تلخصت فلسفة التعليم في إعلاء قيمة الاستقلال وعدم الخضوع ورفض الاستسلام، وعدم تصديق أن اختلال الكفة في ميزان القوى المادية يبرر القبول باملاءات القوى الاستعمارية.

وفي مناهج التعليم العام أدخل الفيتناميون مقررات التربية الوطنية وشجعوا البحوث التي تتناول موضوعات الحرب والنضال من أجل الحرية واحترام حق الإنسان في أرضه وبلده.واعتبر الفيتناميون طرائق التدريس من العوامل المهمة التي تحدد مدى نجاح العملية التعليمية،

فالطريقة الجيدة في التدريس تمكن الدارس من التعلم بسرعة وسهولة وبفهم أيضا. وهذه الطريقة تتميز بالبساطة التي يستطيع المدرس ذو الخبرة المحدودة أن يطبقها بسهولة ولا تتعارض مع نفسية الطالب ولا تشق عليه بل تستثيره وتحفزه على العمل والتحصيل الذاتي.

تشعيب في كوريا

إذا أردنا الوقوف على مكانة التعليم لدى أبناء الشعب الكوري الجنوبي فلنا أن نعلم أنه رغم أن المرحلة الثانوية غير ملزمة وغير مجانية إلا أن نسبة التحاق من أنهوا المرحلة المتوسطة والتحقوا بالثانوية تصل إلى 94%، فهل يعود ذلك إلى تلك المرونة التي توفرها برامج المرحلة الثانوية والكامنة في التشعيب الموجود (أكاديمي ـ فني ـ مهني ـ مراسلة )؟،

الإجابة ربما، وهل يعود ذلك إلى أن المرحلة الثانوية تعد الإنسان للدراسة والحياة في آن واحد؟، ربما أيضا لأن حوالي 90 % من خريجي التعليم المهني ينخرطون في سوق العمل بينما يتجه الباقي منهم إلى مواصلة الدراسة.

وهل تتزايد نسبة الملتحقين بالمرحلة الثانوية نظرا لذلك المناخ التربوي الذي يجعل التعليم والثقافة المعاصرة فرصة سانحة فيوظف التلفاز بصورة فعالة في التعليم الأكاديمي والمهني، وما التطور الذي تعيشه كوريا الآن ببعيد عن فعل التربية،

حيث تدل الأرقام على نمو الناتج الوطني الكوري بنسبة عالية في الوقت الذي تستوعب فيه المدارس الابتدائية أربعة ملايين طالب يمثلون 100% من الأطفال في عمر دخول المدرسة، إضافة إلى أربعة ملايين طالب كانوا في الوقت نفسه في المرحلة المتوسطة وحوالي ثمانمئة وخمسة وعشرين ألف طالب في المدارس الفنية والثانوية.

المعرفة في كندا

معاهد التعليم لم يتم تصنيفها وفق المنزلة بصفة رسمية في كندا، إلا انك سوف تجد معاهد ذات جودة عالية عبر البلاد، والكنديون يضعون أهمية كبرى على التعليم، حيث قاموا بتطوير نظام تعليم من الطراز الأول ووفقا لأعلى المقاييس، وتنفق الدولة الكثير على التعليم (كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي) مقارنة بمتوسط منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، كما أنها ثاني أعلى دولة من بين مجموعة البلدان الصناعية الرئيسية الثمانية.

ويحتل الشباب الكندي بصفة مستمرة المكانة الأفضل في الاختبارات الدولية للقراءة والعلوم والرياضيات، وهي شهادة للجودة المتميزة للمدارس الكندية، ما يعكس الدرجة العلمية التي تمنحها كندا وكذلك الدبلوم والشهادات يحترمان للغاية في الأعمال التجارية والحكومية والحلقات الأكاديمية في جميع أنحاء العالم.

تعليم تأهيلي في ألمانيا

في ألمانيا يبلغ عدد المدارس أكثر من 52400 مدرسة يتعلم فيها أكثر من 2,12مليون تلميذ وطالب ويعلم فيها ما يزيد عن 772600 معلم، ويمنح القانون كل شخص الحق في تنمية شخصيته بحرية كاملة واختيار المدرسة والمؤسسة التدريبية والمهنية التي تتناسب مع ميوله وكفاءاته، فيما تهدف السياسة التعليمية إلى تمكين كل فرد من الحصول على التشجيع الأمثل والتعليم التأهيلي الذي يناسب اهتماماته.

ونظرا لأن ألمانيا دولة صناعية فقيرة بالمواد الخام، فهي مضطرة إلى الاعتماد على الأيدي العاملة الفنية المؤهلة تأهيلا جيدا، لذلك توظف فيها مبالغ كبيرة من الأموال في مجال التعليم الذي عكس تقدمها في صناعة السيارات لاسيما المرسيدس والأوبل.

الأطفال يلتحقون بالمدارس الابتدائية في السادسة من عمرهم ومدة الدراسة فيها أربع سنوات على وجه العموم، وفي برلين وبراندنبورغ ست سنوات، وفي غالبية الولايات لا يعطى الأطفال خلال العامين الدراسيين الأولين علامات وإنما تقديرات عامة بصيغة تقرير يعبر عن التقدم الذي يحققه الطفل ويوضح نقاط الضعف التي يعانيها في المواد التعليمية كل على حدة.

وبعد أن يمضي الأطفال معا السنوات المشتركة في المدرسة الابتدائية ينتقلون إلى المدارس الثانوية العامة المختلفة. وبغض النظر عن نوع المدرسة لمرحلة توجيهية يستطلعون فيها بالتعاون مع أساتذتهم وذويهم ما لديهم من ميول ومواهب يحددون في ضوئها نوع المدرسة التي سيتابعون تعلمهم فيها.

وبعد اختتام المرحلة الابتدائية يلتحق ربع الأطفال تقريبا بما يعرف بالمدارس الرئيسة، ومن يتخرج فيها بعد خمس أو ست سنوات يبدأ في الغالب التدريب المهني (ويلتحق إلى جانب ذلك وحتى الثامنة عشرة بمدرسة مهنية)، ويستغل التلاميذ غالبا وثيقة التخرج من المدرسة الرئيسة للالتحاق بالتعليم المهني الثنائي، وبذلك تفتح المدرسة الطريق أم خريجيها لتعلم مهن مختلفة في مجال العمل اليدوي والصناعي.

أما المدرسة المتوسطة فهي حلقة وصل بين نمطي الدراسة الرئيسة والمدرسة الثانوية العامة وتقدم لتلاميذها تعليما عاما موسعا، وتبلغ مدة الدراسة فيها ـ بصورة عامة ـ ست سنوات من الصف الخامس إلى العاشر، ويحصل الخريجون فيها على شهادة الدراسة المتوسطة التي تؤهلهم للانتساب إلى المدارس الفنية أو المدرسة الفنية العليا، فيما تعتبر هذه الشهادة مقدمة للدخول في حياة وظيفة متوسطة المستوى في القطاع الاقتصادي والخدمة العامة.

أما المدرسة الثانوية العامة فتبلغ مدة الدراسة بها تسع سنوات من الصف الخامس حتى الثالث عشر، أما في الولايات الجديدة عدا ولاية براندنبورغ فحتى الصف الثاني عشر فقط، وهي تقدم لطلابها تعليما موسعا في مختلف الفروع بحيث يلتحق خريجوها غالبا بالجامعات والمعاهد العليا.

التعليم الجامعي مجاني

يتعلم معظم الشباب الألمان (70% من مواليد العام الواحد) بعد إنهاء المدرسة إحدى المهن المعترف بها رسميا في نظام التعليم المهني الثنائي، وغالبية الشباب والشابات الذين يقررون تعلم مهنة هم من خريجي المدرسة الرئيسة او المدرسة المتوسطة، ولكن هناك أيضا كثيرا من حملة الشهادة الثانوية العامة الذين يقررون تعلم مهنة.

والتعليم الجامعي في ألمانيا مجاني وعندما لا يكون الطلاب أو ذووهم قادرين على تمويل الدراسة لهم الحق في الحصول على معونات مالية من الدولة وفقا لأحكام القانون الاتحادي لتشجيع الدراسة الجامعية.

وخلال المدة النظامية اللازمة للدراسة يعتبر نصف المعونة منحة دراسية والنصف الآخر قرضا بلا فائدة خاضعا للتسديد خلال خمس سنوات بعد انتهاء المدة القصوى التي يحق للطالب فيها الاستفادة من المعونة المالية.

المسؤولية التربوية تحتم تطوير النظام

الدكتور سعيد حارب مستشار مدير جامعة الإمارات قال إن كل شيء تغير في حياتنا عدا نظامنا التعليمي، ولا أعني بذلك المناهج وطرائق التدريس بل فلسفة النظام وأهدافه وطبيعته، حيث لا يزال على ما هو عليه منذ بدأ التعليم النظامي في المنطقة، والتغيير الوحيد الذي تم فيه كان شكليا،

مشيرا إلى أن قرنا جديدا قد بدأ ولا يزال أبناؤنا يمرون بالنظام نفسه الذي مررنا به عندما كنا طلابا على مقاعد الدراسة على الرغم من أن المرحلة التي عشناها تختلف عما هي عليه اليوم، إذ تغيرت متطلبات الحياة والأدوار التي يمكن أن يقوم بها الإنسان خاصة في جوانبه المهنية

ودخلت من الوسائل المساندة العملية والتعليمية ما يحتم علينا إعادة النظر في هذا النظام الذي يواجه اليوم تحديات تختلف عما كانت عليه قبل سنوات مضت، لذا فان المسؤولية التربوية تجاه الأجيال تحتم علينا أن نفكر جميعا في تطوير نظامنا التعليمي بفلسفته وأهدافه،

وان يكون هذا التطوير بمشاركة مختلف الأطراف التي تهمها العملية التربوية والتعليمية لأن تلك العملية مسؤولية مجتمعية قبل أن تكون مسؤولية جهة محددة على الرغم مما تقوم به هذه المؤسسة من دور تطويري وتحسيني، كما أن من يعمل في ميدان ما تغيب عنه بعض الرؤى خارج ميدانه بل ويدافع البعض عن الواقع باعتباره أفضل الموجود.

وأوضح أن المشاركة في معالجة هذه القضية تحتاج إلى تضافر الجميع من الميدان وخارجه، متسائلا قبل اقتراحه لإعادة النظر في نظامنا التعليمي: هل يحتاج الطالب إلى أن يتلقى ما يتلقاه في العملية التعليمية؟، مشيرا إلى أن هناك من الوسائل المساندة خارج مؤسسة التعليم ما يمكن أن تقوم بجزء من هذا الدور، وهل يحتاج الطالب إلى أن يقضي الوقت والزمن والفترة الدراسية المطبقة منذ سنوات،

ألا يمكن إعادة النظر في هذه الفترة، وما هو المطلوب لتخريج إنسان متعلم، هل هو التثقيف، أم إكساب المهنة، أم تكوين الشخصية الإنسانية، أم مختلف هذه الأشياء، أم بعضها، وهل لدينا من الإمكانات الاقتصادية ما يمكننا من تلبية متطلبات العملية التعليمية بمستوى متقدم؟

وتابع: إن الإجابة عن هذه التساؤلات يمكن أن تضعنا على مدخل الطريق وليس أوله، ولعل ما يمكن طرحه في هذا المجال هو إعادة صياغة نظامنا التعليمي من خلال تقسيمه إلى ثلاث مراحل لا من حيث المستويات بل من حيث الأهداف وهي على نحو التأسيس وإكساب المهنة والتخصص، محددا معالم كل مرحلة.

ليس متطوراً بالمستوى الذي بلغته الدولة

عدنان عقل منسق برنامج الدبلوم ـ السنة التأسيسية بتقنية دبي للطلاب قال إن أزمة التعليم في الدولة ليست وليدة اليوم، ولكنها نتيجة مشاكل تراكمت و تكاثرت وتكاتفت حتى صرنا اليوم نواجه كابوسا تعليميا في مختلف المراحل الدراسية وليس في مرحلة بعينها فحسب.

ببساطة بحسب رأيه: نحن لدينا أزمة تعليمية تراكمت على مدى سنوات، آملا أن نصل إلى النظام التعليمي الذي نريده لأبنائنا من خلال رؤية واضحة المعالم، مشيرا إلى أن التعليم ليس متطورا بالمستوى نفسه الذي بلغته الدولة، بالرغم من أن ميزانية التعليم هي الأكبر بين ميزانيات الوزارات وتبلغ حوالي 36 % من ميزانية الحكومة الاتحادية، مرتئيا المشكلة في إدارة التعليم.

وأضاف عقل: مشاكل التعليم في الدولة لها جوانب عدة تتعلق بالشكل والجوهر والمضمون، وهناك مدارس آيلة للسقوط وأخرى لا تزال تحت الصيانة بحضور الطلبة، ناهيك عن الصفوف غير المكيفة والمختبرات التي تفتقر إلى الأدوات والأجهزة، ونقص الكتب والمستلزمات الدراسية، والازدحام الملحوظ في الصفوف الدراسية، ونقص هيئات التدريس، وغير ذلك يرى منسق برنامج الدبلوم في تقنية دبي للطلاب الكثير من مشاكل التعليم في الإمارات.

وسلط عقل الضوء على المناهج في مختلف المراحل التعليمية، لافتا إلى أنها قوية نسبيا، ولكن الطريف عند اختبارات قدرات الطلبة في تطبيق معلوماتهم نجدها خجولة جدا حتى أنها لا تفي بأقل المتطلبات للالتحاق بالتعليم العالي،

معتبرا ذلك الناتج الطبيعي لنظام تعليمي يهتم فقط بقشور المعرفة وتأهيل المتعلمين لاجتياز الاختبارات آخر العام دون الانتفاع بأي شيء مما درسوا عكس ما يحدث في الدول المتقدمة التي تركز وتشدد على تحصيل الطالب وما يفيده في حياته العملية ويؤهله للدراسة الجامعية.

إلى جانب ذلك كله يرى عقل ضرورة الأخذ في الاعتبار المؤثرات الاجتماعية والثقافية المحيطة بمجتمع الدولة والتي بدورها تؤثر تأثيرا عميقا ليس فقط في التعليم ولكن في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية، داعيا إلى وجوب تحويل نظام التعليم إلى أسلوب يمنح الطالب الفرصة للإبداع وتشجيعه على البحث بلا ملل، وحثه على الفهم بدلا من مجرد حفظ أو قراءة المنهاج.

وكشف عقل النقاب عن أن مسار التعليم بالدولة أمامه فرصة عظيمة للتصحيح من خلال رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الذي أكد على أن التعليم من أولوياته في استراتيجية الدولة في الأعوام المقبلة، حيث ترتفع صلاحيات المعلم أمام الطالب ما يزيد من هيبته ويعطيه الفرصة للتأثير في حياة المتعلمين على مقاعد الدراسة،

كما أن إثراء المناهج بأحدث التقنيات الحديثة في التعليم له بالغ الأثر في مشاركة مختلف حواس الطالب في عمليات التعليم مما يؤدي إلى ترسيخ وتعميق هذا التعلم، وهي تساعد بذلك على إيجاد علاقات راسخة وطيدة بين ما تعلمه ويترتب على ذلك بقاء أثر التعلم.

التقنية تشجع العمل الطلابي في فكتوريا

يدرك المسؤولون عن التعليم في فكتوريا إدراكا تاما أهمية التقنية وأنها تعزز التعلم وتشجع العمل الطلابي الجماعي، كما ينظر إلى استخدام الحاسب الآلي والانترنت في التعليم على انه تحد وعلى المسؤولين عن التعليم مواجهته لان الغرض من توظيف الحاسب الآلي في التعليم يتمثل في الإسهام في تطوير المناهج الدراسية ورفع مستوى أداء المدارس.

هذه القناعات ترجمت إلى خطوات عملية على مستوى الوزارة والمدارس عبر إعداد الخطط والأساليب اللازمة لاستخدام الحاسب في تدريس بعض المواد التي يوجد بها عجز في المعلمين أو ضعف لدى المعلم في إيصال المادة، وربط المدارس بشبكة واحدة يتم خلالها تبادل الخبرات التعليمية بين المدارس، وتقديم الدعم الفني من قبل الوزارة للمدارس،

والتعرف على أداء الطالب من خلال برامج كمبيوتر أعدت لقياس تحصيل الطلبة، وتطوير المعلمين من خلال إقامة الدورات والحلقات الدراسية وتأمين أجهزة للحاسب الآلي للطلاب، وإعداد مركز لإنتاج الوسائط المتعددة تشرف عليه الوزارة.

أما على مستوى المدرسة فتوظيف التقنية في التعليم يتم بالصورة التالية: كل فصل يحتوي على عدد مناسب من الأجهزة يتناسب مع عدد المجموعات الطلابية، حيث يدار الدرس بطريقة المجموعات وكل مجموعة مطالبة بتنفيذ مشروع جماعي مستخدمين برامج الحاسب الآلي المناسبة للبحث والإعداد والعرض،

فيما تقوم مجموعة معلمي كل تخصص بإعداد دليل لهم يسهل عملية الاستفادة من البرامج التعليمية المتوفرة في المدرسة وتوقيت عرضها في الخطة الدراسية، كما توفر المدرسة البرامج التعليمية والموسوعية اللازمة.

خطوة الإصلاح الأولى في تغيير آلية صنع القرار

الدكتور عيسى السويدي الخبير التربوي أكد على مسألة أساسية ومهمة مفادها أن التعليم العام في الأصل مسؤولية الحكومة الاتحادية كما نص الدستور، مشيرا إلى أن الإمكانات المالية للحكومة الاتحادية مقارنة بإمكانات بعض الحكومات المحلية كحكومتي أبوظبي ودبي تعد محدودة ولذلك فالإنفاق على التعليم محدود وعليه لا ينبغي أن ننتظر من التعليم العام الشيء الكثير،

معتقدا أن مستوى مخرجات التعليم العام مقبول ويمكن تحسينه مع بقاء مستوى الميزانية كما هي ليصبح مستواه جيدا حال إعادة النظر في طريقة قيادة التعليم وآلية صنع القرار فيه، أما إذا رصدت ميزانيات اكبر للتعليم وتم تغيير شكل قيادته وآلية صنع القرار التربوي فمن الممكن أن تقدم مدارسنا خدمة تربوية جيدة جدا وتقترب من مستوى الدول المتقدمة في فترة لا تتجاوز بضع سنوات.

ولفت السويدي إلى أن النقد الموجه لنظامنا التعليمي يعود سببه إلى أمرين أولهما أن الإمارات مجتمع ديناميكي يتطور بشكل متسارع في القطاعين الاقتصادي والتكنولوجي لاسيما في إمارتي دبي وأبوظبي في حين يراوح التعليم الأساسي مكانه،

وثانيهما الفجوة الموجودة بين مخرجات المدرسة وشروط القبول للدراسة الجامعية وعلى رأسها شرط اللغة الانجليزية الذي لم تستطع المدرسة تحقيقه حتى الآن. واعتبر السويدي أن مقارنة نظامنا التعليمي بأنظمة الدول المتقدمة مقارنة ظالمة، موضحا أن التعليم في أي مجتمع هو جزء من نظام اجتماعي متكامل،

فالمجتمعات المتحضرة والمستقرة اقتصاديا وسياسيا و تخضع مؤسساتها للشفافية والمساءلة يكون التعليم فيها أفضل من أي مجتمع يعاني من قصور في مكونات المجتمع المتحضر، مضيفا: نحن في دولة الإمارات وعلى ما يقال عن نظامنا التعليمي لا يزال التعليم العام لدينا أفضل من كثير من الدول التي سبقتنا في هذا المضمار.

ويعتقد الخبير التربوي أن أول خطوة نحو إصلاح التعليم في الدولة تكمن في تغيير آلية صنع القرار التربوي بحيث تتحول هذه الآلية من الفردية إلى الجماعية المؤسسية مع تكثيف الرقابة المجتمعية على صناعة القرار التربوي.

التغلب على سلبية استخدام «الإنترنت» في أستراليا

للتغلب على الآثار السلبية من استخدام الانترنت في ولايات استراليا تم إعداد وثيقة الطالب لتحديد سياسة دخول المدارس للانترنت واستخدامها بصورة فاعلة، ووضع (فلتر مناسب) لتجنب الاستخدامات غير المشروعة، وتم تدريب 1500 معلم على استخدامات الحاسب في التدريس و40 مشرفا تقنيا للغرض نفسه،

فيما اشتمل برنامج تدريب المعلمين على 30 ساعة إضافية على استخدام الانترنت وكذلك برنامج التدريب ليوم واحد، وتم تأمين 77 ألف جهاز حاسب وتوزيعها على المدارس بنسبة جهاز لكل 10 طلاب إلى جانب تأسيس شبكة التعليم والتدريب المفتوح ويتضمن دورها استخدام مفهوم التعليم عن بعد عبر تليفزيون تفاعلي وأشرطة فيديو وعبر الانترنت.

الكلفة التعليمية في كندا تنافسية

تعتبر كلفة التعليم في كندا تنافسية، ويتضح ذلك مقارنة بين بعض الدول المتقدمة في مجال التعليم لكلفة سنة دراسية جامعية شاملة، ورسوم الدراسة وتكاليف الإعاشة بالدولار الأميركي، حيث تبلغ في بريطانيا 27400 وفي أميركا (حكومي) 22600 و (خاص) 32100، أما في استراليا 23250، بينما في كندا 15000فقط ن وتتمتع كندا بمستوى عال جدا، كما ان هناك أكثر من 65 % من السكان يملكون بيوتا خاصة بهم.

83 مليار مارك للبحث والتطوير

يبلغ مجموع العاملين في مجال البحث والتطوير في جمهورية ألمانيا الاتحادية نحو 46 ألف شخص، يشكل العلماء والمهندسون 50 5 منهم، ويتوزع الباقون مناصفة تقريبا على العناصر الفنية والعناصر الأخرى (العناصر الإدارية مثلا) أما الأموال المصروفة على البحث والتطوير فقد بلغت عام 1997 نحو 83 مليار مارك أي ما يعادل 27, 2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي،

وبذلك تحتل ألمانيا في هذا المجال المرتبة الرابعة بين الدول الصناعية الكبرى (مجموعة السبعة) بعد اليابان (52 ,2%) وفرنسا (31 ,2%) وتتحمل القطاعات الاقتصادية (الشركات) الجزء الأكبر من هذه النفقات، أي ما يزيد على 51 مليار مارك، ويتحمل الاتحاد نحو 15 مليار مارك والولايات 15 مليار مارك أيضا، يضاف إلى ذلك 6, 1 مليار مارك دفعها الاتحاد لأبحاث خارج ألمانيا.

ازرع تعليماً تحصد اقتصاداً في ماليزيا

لم يكن تحقيق ماليزيا لنمو اقتصادي مطرد إلا انعكاسا واضحا لاستثمارها للبشر، فقد نجحت في تأسيس نظام تعليمي قوي ساعدها على تلبية الحاجة من قوة العمل الماهرة، كما ساهم هذا النظام بفعالية في عملية التحول الاقتصادي من قطاع تقليدي زراعي إلى آخر صناعي حديث، فيما يوظف التعليم اليوم كأداة حاسمة لبلوغ مرحلة الاقتصاد المعرفي القائم على تقنية المعلومات والاتصالات.

ونجاح السياسات التعليمية في ماليزيا أدى إلى تحقيق الاقتصاد تراكما كبيرا من رأس المال البشري عمود التنمية وجوهرها، وأولت الحكومة عناية خاصة بالتعليم لاسيما التعليم الأساسي والفني، واستخدمت اعتمادات مالية كبيرة في مجالات العلوم والتقنية حتى المجالات الإنسانية تم دعمها أيضا بواسطة القطاع الخاص.

دبي ـ يحيى عطية: