لا أحد يعرف عدد وفيات ومضاعفات الوصفات الطبية التي يتم صرفها بطريق الخطأ في الدولة ولم يسبق لجهة ما ان حققت بمثل هذه الأخطاء ربما لتستر بعض أطراف المعادلة (الطبيب والممرض والصيدلي والمريض نفسه) أو لعدم المبالاة من قبل المرضى أو ذويهم ولا عجب في ذلك إذا كانت الأخطاء الطبية التي تؤدي إلى الوفاة غالبا ما نعزوها إلى القضاء والقدر.
بعض المسؤولين في الجهات الصحية أفادوا ان نتائج بعض الدراسات التي تم إجراؤها على أخطاء الوصفات الطبية قد تثير حالة من الذعر والخوف في حال الإفصاح عنها وذلك رغم أهمية التنبيه والتعريف بمثل هذه الأخطاء لتلافي حدوثها مستقبلا. في بعض الدول المتقدمة تشير بعض التقارير إلى أن الوصفات الطبية الخاطئة تسببت في قتل 7391 إنسانا في عام واحد في الولايات المتحدة الأميركية في حين تسببت مثل تلك الأخطاء في بريطانيا بوفاة أكثر من ثلاثة آلاف مريض وعندنا للأسف لا من شاف ولا من دري!.
نسبة كبيرة من المواطنين والمقيمين غالبا ما يحملون الوصفة الطبية دون معرفة محتوياتها ولا نوعية المرض الذي صرفت من اجله ويذهبون إلى الصيدلية لصرف الدواء ومن ثم يبدأون بالتهام الأدوية أو إعطائها لفلذات أكبادهم دون التدقيق في الجرعة المكتوبة من قبل الطبيب وتلك التي كتبها الصيدلي، لا بل والأكثر أن بعض الصيادلة يقوم بصرف دواء بديل للمريض في حال عدم توفر الدواء المحدد في الوصفة دون استشارة الطبيب أو حتى إشعار المريض والأدهى والأمر أن بعض ربات البيوت يقمن بإعطاء أطفالهن أدوية مسكنة للألم أو مخفضة للحرارة لتجعله ينام دون أن تدري أن تلك الأدوية ربما تسبب له نومة أبدية.
في التحقيق التالي نسلط الضوء على كيفية حدوث بعض الأخطاء لتنبيه المرضى بان عليهم مراجعة الوصفة الطبية والتأكد من مطابقة الدواء والجرعة الدوائية لتلك التي يكتبها الطبيب وتلك التي يصرفها الصيدلي وذلك قبل وقوع الفأس بالرأس كما يقال والى التفاصيل :
نانسي محمود إبراهيم موظفة في إحدى شركات القطاع الخاص وأم لثلاثة أطفال أكدت بأنها كثيرا ما فوجئت بان الدواء الموصوف من قبل الطبيب غير الدواء المصروف من قبل الصيدلي ولدى مراجعتها الصيدلي يخبرها بان تركيبة الدواء هي ذاتها ولكن مع فارق الاسم والشركة المنتجة وفي حال إصرارها على استبدال الدواء تكتشف أن الدواء المكتوب من قبل الطبيب غير متوفر في الصيدلية.
مخالفة أخرى يرتكبها بعض الصيادلة إن لم يكن معظمهم كما تقول هي وضع علامات (ثلاث علامات يعني ثلاث مرات) أو الكتابة بالحبر الذي سرعان ما يزول بمجرد ملامسته اليد وهذه كلها تجاوزات ومخالفات لأخلاقيات المهنة. وتضيف كإنسانة متعلمة قادرة على اكتشاف مثل هذه التجاوزات ولكن ماذا عن غير المتعلمات مثلا؟
أخطاء الأطباء
ويقول عبد الحكيم ناصر موظف: طبعا أخطاء الوصفات الطبية موجودة وبعض الأخطاء يمكن أن يكلف الإنسان حياته خاصة إذا كان لديه حساسية وتناول بعض الأدوية المعروفة بتداخلاتها وهذه منتشرة في الغرب لأنه يتم التحقيق في أسباب الوفاة، وتتدخل الجمعيات ولجان حقوق الإنسان وتقوم الدنيا ولا تقعد على الطبيب أو على شركة الأدوية. عندنا غالبا ما يعزى الأمر للقضاء والقدر وانتهاء الأجل.
ويقول طبعا الملفت في النظر في الصيدليات هو قيام بعض الصيادلة بوضع علامات على علبة الأدوية وغالبا ما تأخذ الشكل بمعنى تناول الدواء ثلاث مرات يوميا ولكن دون كتابة أي شيء يتعلق بالجرعة أو مواعيد تناول الدواء وهي أمور في غاية الأهمية للمريض لان كافة أنواع الأدوية بما فيها الفيتامينات عبارة عن «سموم» وفقا للتقارير العالمية وبالتالي لا بد من تطوير مهنة الصيدلة وإلزام كافة الصيادلة العاملين بالالتزام بالمعايير العالمية لان الدواء ليس سلعة عادية.
الدكتور علي السيد مدير إدارة الخدمات الصيدلانية في دائرة الصحة والخدمات الطبية يقول «أخطاء الوصفة الطبية تتألف من أربعة أضلاع الطبيب والصيدلي والممرض والمريض نفسه. خطأ الطبيب يمكن أن يحدث من خلال إعطاء المريض الوصفة الخاطئة أو الجرعة الخاطئة أو مجموعات غير ملائمة من الأدوية خاصة من ناحية التداخلات المحتملة بين العقاقير (الأدوية) التي يصفونها للمرضى منها أخطاء فادحة أضرارها لم تحدث بسبب اكتشاف الصيدلي للخطأ قبل صرف الدواء، ومثل هذه الأخطاء تحدث في كل دول العالم ففي الولايات المتحدة الأميركية تشير بعض التقارير إلى حدوث 500 خطا يوميا.
ويشير مدير إدارة الخدمات الصيدلانية إلى أن الأطفال وكبار السن هم الأكثر عرضة لأخطاء الوصفات الطبية، وخاصة أخطاء الجرعة الخاطئة بشكل رئيسي وهنا لا يعتبر الطبيب الجزء الوحيد فيها، وإنما قد يحدث الخطأ في صرف الدواء من قبل الصيدلي عن طريق إعطاء المرضى العقار الخاطئ أو الجرعة الخاطئة.
ويضيف ان الممرض أيضا يعتبر أحد أضلاع المربع وقائمة الأخطاء التي قد يتسبب بها الممرضون طويلة ومنها إعطاء دواء مريض لمريض آخر أو إعطاء دواء عن طريق الخطأ كما حدث في أحد مستشفيات الدائرة مع طفلة رضيعة تم إعطاؤها دواء غير مخصص لها وقد أدى إلى وفاتها على الفور، أو إعطاء حقنة عن طريق الوريد بدلا من العضل وهذا يؤدي إلى تجلط فوري ومن ثم الوفاة أو زيادة الجرعة الدوائية وغيرها.
أما فيما يتعلق بالضلع الرابع فهو المريض نفسه كان يقوم بتناول جرعة زائدة من الدواء كتلك التي حدثت منذ أيام مع إحدى المواطنات والتي أدت إلى دخولها في غيبوبة لمدة 28 يوما بسبب إصابتها بعدة جلطات في الدماغ أو عدم التزام المريض بمواعيد تناول الدواء أو عدم استكمال مدة العلاج الموصى بها من قبل الطبيب وهذه جدا شائعة لدى الكثير من المرضى بعد شعورهم بالتحسن في اليوم الثالث أو الرابع.
ويقول: دائرة الصحة استطاعت الحد من أخطاء الأطباء والصيادلة عن طريق إصدار دليل صرف الأدوية و قامت بإدخال نظام إلكتروني يحتوي على كافة أصناف الأدوية المتداولة في الدائرة بكافة المعلومات المتعلقة بها خاصة فيما يتعلق بالتركيبة الدوائية ودواعي استخدام الدواء والجرعات المناسبة لكل مريض حسب جنسه وعمره وتداخلات الأدوية والبدائل المتوفرة للدواء في حال عدم توفره وتم تطبيق هذا الأمر بنجاح كبير في مستشفى الوصل وخلال أيام سيتم تطبيقه في مستشفى راشد ومن ثم سيتم تعميم النظام على كافة المستشفيات والمراكز الصحية التابعة للدائرة وفي المستقبل سيتم ربط صيدليات القطاع الخاص بهذا النظام.
ويقول احتمالية حدوث الأخطاء من قبل الأطباء أو الصيادلة في ظل وجود هذا النظام اختفت تماما لان الطبيب يقوم بإدخال كافة البيانات المتعلقة بالمريض بما فيها الجنس والعمر والأدوية وفي حال حدوث أي خطأ في الوصفة الطبية مثل تداخل الأدوية على سبيل المثال يقوم النظام بإعطاء إشارة تحذيرية للطبيب على الفور ويقوم باستبدال الدواء بدواء آخر ويتم إرسال الوصفة إلى الصيدلية مباشرة وهناك يتم التدقيق عليها من قبل أكثر من شخص ويتم طباعة اسم المريض والجرعة الدوائية له ومدة استخدام الدواء ويتم لصقها على علبة الدواء.
الطرق التقليدية
نضال عبد الباقي مدير خدمات السوفت وير لمجموعة صيدليات ابن سينا ومدير صيدلية ابن سينا في مدينة دبي الطبية والذي عمل لسنوات طويلة في الولايات المتحدة الأميركية يقول بأنه تفاجأ بالطريقة التقليدية التي يتم بها صرف الأدوية في الدولة، خاصة وأنها تبقي الباب مفتوحا أمام حدوث الأخطاء في صرف الأدوية. وقال ان مجموعة صيدليات ابن سينا والتي تدير 22 صيدلية في مختلف أرجاء الإمارات والمتوقع أن يرتفع عددها إلى 45 صيدلية بنهاية العام الجاري قامت بشراء نظام «للسوفت وير» المعمول به في كندا والولايات المتحدة وسيتم تطبيق هذا النظام في صيدلية ابن سينا في مدينة دبي الطبية إبريل الجاري على أن يتم ربط كافة صيدليات ابن سينا بالنظام خلال الأشهر المقبلة.
وقال ان النظام يتضمن كافة أصناف الأدوية مع التركيبة الدوائية لكل دواء والتفاعلات المحتملة بين الأدوية ويتم إدخال كافة البيانات المتعلقة بالعميل والأدوية التي يتعاطاها وفي حال وجود تداخل بين دواء مع دواء آخر أو تحذير من تعاطي المريض لصنف معين من الأدوية تظهر على الفور إشارة تحذيرية يتم بعدها الاتصال بالطبيب المعالج لتغيير الدواء وهكذا، ويتم تحديث هذه المعلومات شهريا للوقوف على آخر المستجدات العالمية المتعلقة بالأدوية، إضافة لذلك في حال صدور تعليمات من قبل منظمة الصحة العالمية أو منظمة الغذاء والدواء الأميركية بسحب دواء معين أو التحفظ علية يقوم النظام بإشعارك على الفور وفي هذه الحالة نضمن عدم حدوث أخطاء في صرف الأدوية أو صرف أدوية تم سحبها من الأسواق.
وأضاف ان مجموعة صيدليات ابن سينا توقفت منذ فترة عن الكتابة بخط اليد على علب الدواء وانما تقوم بطباعة اسم المريض والجرعة الدوائية المحددة على ملصق يتم وضعه على عبوة الدواء لتلافي حدوث أخطاء خاصة عند إعطاء الأدوية لأطفال في حال وجود أكثر من طفل في البيت.
الرموز والمختصرات
أما الدكتور فؤاد البدوي مدير الرعاية الصيدلانية في المدينة المنورة فيقول أخطاء الوصفات الطبية متشعبة منها ما يختص بالطبيب ويتمثل في الأخطاء الدوائية مثل كتابة رموز أو مختصرات تدل على عدة معان إضافة إلى أخطاء الجرعات والأخطاء الصيدلانية عادة ما تكون عن طريق عدم إعطاء المعلومات الكافية للمريض وتداخلات الأدوية ومنها أيضا ما يتعلق بالمريض نفسه مثل عدم مراعاة طريقة حفظ الدواء فهناك مثلا بعض الأدوية ينصح بحفظها في الثلاجة أو على درجات حرارة معينة.
وحول نسبة حدوث مثل هذه الأخطاء يقول لا توجد دراسات دقيقة حول هذا الموضوع في منطقتنا الخليجية والعربية بشكل عام نظرا لغياب أنظمة المعلومات الصحية والربط الإلكتروني بين القطاعين العام والخاص ولكنها موجودة وعدد الأخطاء المتوفرة عن بعض المناطق قد تثير حقيقة الرعب والخوف لدى المجتمع. وقال أفضل طريقة للحد من هذه الأخطاء هو تطبيق معايير الخدمات الصيدلانية الموصى بها من قبل منظمة الصحة العالمية وتقييم هذه الخدمات لتعزيز مواطن القوة وتحسين وتطوير نقاط الضعف.
فارق كبير بين الصرف والوصف
أما الدكتور هيثم الطيب فيقول الوصفة الطبية تنقسم إلى ثلاثة أجزاء هي معلومات عن المريض والدواء والجرعة وهذه مكملة لبعضها بمعنى إذا كتب عمر المريض خطأ سيؤثر ذلك على الجرعة وربما الدواء لذلك لا بد من التفريق بين عملية الوصف وعملية الصرف ومعايير الجودة حسمت الجدل الدائر ووضعت معايير خاصة للصرف ومعايير أخرى للوصف ولتقليل حدوث مثل هذه الأخطاء لا بد من تطبيق برنامج ومعايير الجودة على صيدليات القطاعين العام والخاص بمعنى يجب عدم إعادة تجديد الترخيص لأي صيدلية إلا بعد التزامها بالمعايير العالمية.
وحول نسب ضحايا الوصفات الطبية أشار إلى أن موضوع أخطاء الوصفات الطبية يعتبر من المواضيع الشائكة التي يصعب الحزم بها خاصة في ظل غياب البحوث والدراسات اللازمة لتحديد حجم المشكلة ولكن هناك لجان خاصة في المستشفيات يطلق عليها «الوفيات والمضاعفات» ولجان خاصة بمراقبة الدواء أيضا داخل المستشفيات تقوم بمراجعة ملفات المرضى والتحقيق في أسباب الوفيات.
وأشار إلى أن بعض الأطباء لا يبحثون بشكل روتيني إمكانية تداخلات الأدوية، حتى عندما تكون المعلومات التاريخية للدواء متوفرة وهناك نوعان من الأخطاء الطبية، الأول خطأ طبي فادح لم يحصل بسبب اكتشاف الصيدلي للخطأ قبل صرف الدواء ومثل هذه الأخطاء عددها بالآلاف والنوع الثاني غالبا ما يكون سببه الصيدلي كأن يقوم بصرف دواء مكان دواء آخر أو خطأ في جرعة الدواء وخطأ يتسبب به الممرض أو الممرضة والخطأ الثالث يكون من قبل المريض نفسه كأن يقوم بأخذ جرعة زائدة من الدواء وفي مثل هذه الحالة قد يؤدي ذلك إلى مضاعفات فورية وبشكل عام الغالبية العظمى من أخطاء الوصفات الطبية غير موثقة وغير مسجلة، وتزداد المشكلة سوءا إذ أن الأطباء يصفون عقاقير أكثر، ففي الولايات المتحدة الأميركية هناك بعض الدراسات تشير إلى ارتفاع نسبة الموتى في المستشفيات بسبب أخطاء التطبيب أربعة أضعاف بينما زادت نسبة الموتى من أخطاء التطبيب بين المعالجين الخارجيين (مرضى العيادات الخارجية) بشكل مدهش 8 أضعاف.
9 .3 ملايين وصفة
وبلغ إجمالي الوصفات الطبية المصروفة في عام 2005 في صيدليات الدولة حوالي 9 .3 ملايين وصفة طبية، واحتلت صيدليات أبو ظبي النسبة الأكبر في عدد الوصفات الطبية المصروفة بواقع 859 ألف وصفة يليها صيدليات الشارقة 672 ألف وصفة ثم صيدليات العين 630 ألف وصفة ثم رأس الخيمة 598 ألف وصفة ثم الفجيرة 401 ألف صيدلية.
وأشار التقرير السنوي لوزارة الصحة لعام 2004 أن إجمالي عدد الصيدليات الخاصة العاملة بالدولة بلغ 954 صيدلية و135 مستودعاً يعمل بها حوالي 1373 صيدلياً و651 مساعد صيدلي.
وتضم إمارة دبي العدد الأكبر من الصيدليات والمستودعات حيث يوجد بها 301 صيدلية و51 مستودعاً طبياً يليها أبو ظبي بواقع 198 صيدلية و49 مستودعاً طبياً يليها الشارقة بواقع 230 صيدلية و24 مستودعاً طبياً ثم العين 82 صيدلية و5 مستودعات ورأس الخيمة 52 صيدلية ومستودع طبي واحد.
تحقيق :عماد عبد الحميد
