نظمت كلية الدِّراسات الإسلامية والعربية بدبي ندوة علمية دوْلية هي الثالثة في تسلسلها تحت عنوان «القيم الحضارية في السنة النبوية» تضمنت المبادئ والأفكار المتعلقة بدراسة القيم والمفاهيم الحضارية في ضوء السّنة النبوية المطهرة. واستضافت الكلية عددا كبيرا من العلماء والأساتذة والباحثين المتخصصين في السنة النبوية على مدار أربعة أيام بدأت من يوم الأحد الثاني والعشرين من ابريل الحالي وحتى الخامس والعشرين من ذات الشهر.
وتأتي هذه الندوة العلمية بناء على توجيهات رجل الأعمال جمعة الماجد رئيس مجلس أمناء الكلية لإبراز محاسن السنة النبوية وضرورة تنسيق دور العلماء ومواقفهم في توعية الأمة بالقيم الحضارية لها.
ومن ضمن الأبحاث والدراسات التي ناقشتها الندوة «رعاية المسنين في السنة النبوية» للدكتور رابح دفرور والدكتور مختار نصيرة. يقول الدكتور رابح دفرور إن القيم الاجتماعية التي ترتكز عليها رعاية المسنين في السنة النبوية على جملة من القيم الاجتماعية هي: قيمة التراحم بين المؤمنين وقيمة التكافل والتعاون في المجتمع المسلم، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
وأضاف إن إجلال المسن وإكرامه من القيم الاجتماعية التي نوهت بها السنة النبوية؛ إذ جعلت ذلك من إجلال الله ـ سبحانه ـ فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم»، وكيف بهذا الشيخ ذي الشيبة تكون هذه منزلته عند الله وهذا قدره في الإسلام يهان ولا يصان في المجتمع المسلم ولا تراعى له حاجة وهو في سن الضعف والهوان.
وبين الدكتور رابح دفرور إن الناظر في توجيهات السنة النبوية يجد أنها جعلت أهم وسائط القيم الحضارية والاجتماعية في مجال رعاية المسنين تتمثل في وسائط ثلاث: الأسرة المسلمة والمجتمع المسلم والدولة المسلمة حيث اعتبرت السنة النبوية الأسرة الركن الأساس والملاذ الأول لرعاية المسن، وذلك لأنها تمتلك مواصفات لا تمتلكها مؤسسات الإيواء والرعاية الأخرى، فهي توفر للمسن الحب الحقيقي، والعلاقات الحميمة الخالصة، والمشاعر الإنسانية الصادقة، وتحسسه بأنه جزء لا ينفك عنها بحال.
وقال: لقد جعلت السنة النبوية للوالدين الكبيرين مكانة عالية عند أولادهما، وأمرت بإظهار الاعتبار اللائق لهما، والإحسان إليهما، ونجد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقدم هذه القيمة الاجتماعية على ذروة سنام الإسلام التي هي الجهاد في سبيل الله وجعل ذلك جهادا لذاته، فقد جاء رجل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستأذنه في الجهاد فقال: «أحي والداك؟، فقال: نعم فقال: ففيهما فجاهد».
وإحقاقا لهذه القيمة الاجتماعية جعلت السنة النبوية رضا الله على العبد مرهونا برضا الوالدين، وأن عقوق الوالدين كبيرة من الكبائر توجب سخط الله ـ عز وجل ـ. فقد أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك فقال: «رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد».
ويدخل في ذلك النهي عن كل ما من شأنه أن يؤذيهما ويجرح مشاعرهما ويسبب ألما لهما، سواء كان كلمة أو تصرفا فيه تعبير عن التبرم أو التضجر، وأن يغمرهما بالإحسان والدعاء والقول الكريم، مما يدخل سرورا عليهما، ويذهب كآبة قد رسمت على وجهيهما.
والأسرة المسلمة التي تولي الوالدين هذه الرعاية وتجسد هذه القيمة الاجتماعية لا يمكن أن تستبدل بدور العجزة والمسنين التي شاعت في الدول الغربية، وتبنتها الدول العربية والإسلامية، ولا يمكن لهذه الأخيرة أن تقدم إلا جزءا يسيرا مما تقدمه الأسرة الواعية لمسؤوليتها تجاه الوالدين من رعاية.
وذلك لأن هذه الدور الغربية عن المجتمع المسلم لا تقدم للمسنين إلا حبا وحنانا مصطنعين، كما لا تقوم إلا بخدمات هي موضع امتنان الآخرين عليهم. كما تفقد المسن الوزن الاجتماعي الذي يلقاه في أسرته ويعزز به مكانته. ولهذا فإن السنة النبوية جعلت الأسرة أنسب مكان وأحسن محضن وخير مرتع يمكنه أن يرعى الشيخ المسن إذا كان والدا أو جدا.
وأضاف دفرور: يعتبر المجتمع المسلم امتدادا للأسرة المسلمة، إذ يضم الأعمام والأخوال وأبناؤهم والجيران والأصحاب والخلان، وهؤلاء جميعا يشكلون وحدة اجتماعية متكاملة متكافلة، يحمل قويهم ضعيفهم، ويساعد غنيهم فقيرهم، ويعين موسرهم معسرهم، حتى لا تبرأ منهم ذمة الله وذمة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وحتى لا تخرم صفة الإيمان فيهم، فقد جاء في الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: «ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه».
دورة حياة الإنسان
ويقول الدكتور مختار نصيرة إن حكمة الله تعالى قضت أن تكون الشيخوخة طورا زمنيا حتميا في دورة حياة الإنسان، بل في دورة حياة كل مخلوق، فالإنسان يولد صبيا ضعيفا، ثم يكون شابا قويا، ثم يكون شيخا ضعيفا هرما.
وأوضح أنه في ظل ابتعاد الأفراد والمجتمعات عن هدي القرآن الكريم وسنّة النبي صلى الله عليه وسلم، نجد الإنسانية قد تغيرت مفاهيمها، واضطربت تصوّراتها حول معالجة مشكلات هذه الفئة الضعيفة.
وقال إن المجتمعات الغربية ـ ومن سلك طريقهم من أفراد المجتمع الإسلامي ـ إلى وقت قريب، كانت ترى في كبار السنّ مشكلة وعبئا إضافيا عليهم، وليسوا مؤهلين للرعاية والتكريم.
لكن الضغط المتولد بسبب تزايد أعداد المسنّين إلى حد لا يمكن السكوت والتغافل عنه، دفع هؤلاء إلى ضرورة حمايتهم اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا، فوضعوا لذلك جملة من مشاريع قوانين ودراسات علمية للحدّ من إهمالهم وتشريدهم، وذلك بإعادة إدماجهم في مجتمعاتهم من جديد، أو بإنشاء دُور لإيواء العجزة والمسنّين الذين تطردهم عائلاتهم، أو الذين لا يجدون من يعولهم، ورأوا في ذلك الجو المناسب، والمكان اللائق لتكريمهم وحسن رعايتهم، أو بإنشاء جمعيات تتكفل بانشغالاتهم وتستجيب لمتطلباتهم.
ولم يدر هؤلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رسم لنا في سنّته الشريفة منهجا أخلاقيا واجتماعيا قويما يحفظ لكل فرد حقوقه دون استثناء، ويلزم جميع أفراد المجتمع بأداء ما عليهم من واجبات، لتحفظ بذلك كرامة كل فرد، وتتحقق الرّعاية الكاملة للفئات الضعيفة وخاصة المسنّين في جو أسري واجتماعي.
ومن أبرز وأرقى هذه القيم التي غرستها السنّة النبوية في نفوس أبناء هذه الأمة، هي الوازع الإيماني الذي لا يفارق المؤمن، فتجد أعماله جميعها منبثقة من ضمير إيماني يقظ، فيؤْثر الكبير على نفسه ولو كان به خصاصة، فهذه القوة الإيمانية هي التي بها يتحقق التكريم والتبجيل لكبار السنّ، أما الرؤى المادية الصرفة، فلا تحقق حلا جذريا لهذه الفئة.
وقال الدكتور مختار نصيرة إن من القيم الحضارية أيضا حسن رعاية الوالدين وخاصة في حال كبرهما، وتفادي عقوقهما وتعزيز الروابط الأسرية؛ لأنّه ما من شك أن كلّ شيخ كبير أو عجوز هرمة لا يفتأ أن يكون أبا أوأمّا لأحد، فبداية رعاية المسنّين تنطلق من الأبوين باعتبار حقوق الأبوة الواجبة عليهم أولا قبل غيرهم، ولهذا شرعت السنّة ما يضمن حقوق هذه الفئة معنويا وماديا.
فكان الأمر ببرهما، وطاعتهما، ورعايتهما في حياتهما، وتقديمهما في الأعطيات وغيرها، والتحذير من عقوقهما، وذلك لكي يشعر الكبير بالعزة والتكريم والتبجيل في بيته، هذا في حياتهما. أما بعد رحيلهما فالبر والإحسان إليهما يأخذ شكلا آخر، يتمثل في الدعاء وصلة أصدقائهما، ففي الحديث الذي أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ أبرّ البرّ صلة الولد أهل ودّ أبيه».
وأوضح من روائع القيم الحضارية في السنّة، أنها أمرت ببر الوالدين، ولو كانا مشركين مصرّين على الكفر، إذا لم يكونا مقاتلين، ففي الحديث الذي أخرجه الشيخان عن أسماء قالت: «قدمت عليّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: إن أميّ قدمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: نعم صلي أمك».
فهذه القيم الحضارية التي نوهت بها السنّة النّبوية، تحمي حقوق المسنّين، وتحفظ لهم كرامتهم، وترفع من معنوياتهم، في ظل أسرة إيمانية يعرف الصغير فيها قدر الكبير، فيوفيه حقّه من تبجيل وتوقير وتكريم، لن يقوم مقامها الاعتناء المادي بكبار السنّ، لأن الانكسار الداخلي الذي يحسّه هؤلاء لا يعوضه إلا الجلوس بين الأبناء والأحفاد.
ولا يعني هذا أنّ السنّة لم تعتنِ بالرعاية المادية لكبار السنّ، بل أوضحت أيضا أن من القيم الحضارية العناية المادية وتوفير كل ما يحتاجه كبار السنّ، سواء كان ذلك على المستوى الأسري، أو على المستوى الرحمي، أو على المستوى الاجتماعي. فرعايتهم واجبة، كل على مستواه، لما أخرجه الشيخان، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته...الحديث».
وإذا لم يكن للوالدين الكبيرين العاجزين من ينفق عليهما، فإن النّفقة تجب على المجتمع من حولهما، فإن أهل الحي والقرية متكافلون، يحمل قويّهم ضعيفهم، ويساعد غنيّهم فقيرهم، وهذا لحديث النعمان بن بشير الذي أخرجه الشيخان:» مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد».
فأعظم قيمة تبرزها السنّة النّبوية في مجال رعاية الوالدين، أنها تشكّل منظومة متكاملة للحدّ من ظاهرة طرد الآباء والأمّهات من البيوت، لا عن طريق الجبر والقهر، بل بواسطة تكليف إلهي لكل الأبناء يحفظ عليهم دنياهم وأخراهم، فيحدّث ضمائرهم الحيّة بالإيمان، وقلوبهم المشبعة بالتقوى. فلو أخذ المسلمون بهذه الأحاديث، لما كانت الحاجة ماسّة لطرح حلول لا تزيد المسنّين إلا ذلا ومهانة، وإبعادا عن مجتمعهم في واقعه الخارجي.
ومن القيم الحضارية التي نوّهت بها السنّة النّبوية أيضا، توقير المسنين، وإنزالهم المنزلة اللائقة بهم، بدلا من إهمالهم، ففي هذا حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: جاء شيخ يريد النبي صلى الله عليه وسلم فأبطأ القوم عنه أن يوسّعوا له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويوقّر كبيرنا». ومعنى هذا الحديث أنه ليس مثلنا، وليس على سنّتنا من لم يرحم صغيرنا لعجزه وبراءته عن قبائح الأعمال. ويوقّر كبيرنا بما يستحقّه من التّعظيم والتّبجيل، ولما خصّ به من السّبق في الوجود وتجربة الأمور، وتقلبه في العبودية لله في الصغر.
ومن هذه القيم أيضا، أن جعلت السنّة النبوية لهم السّبق في تولي الإمامة في الصلاة، إذا غاب صاحب العلم، أو صاحب السّبق في الهجرة. وتضيف لنا سنّة النبي صلى الله عليه وسلّم قيمة أخلاقية وحضارية أخرى في منتهى السُّلَّم الأخلاقي، تتمثل في تسليم الصغير على الكبير توقيرا وتبجيلا. فأخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يسلّم الصغير على الكبير، والمارّ على القاعد، والقليل على الكثير». وهذا فيه مشروعية ابتداء السّلام من الصغير على الكبير. ولو تعارض الصّغر المعنوي والحسي، كأن يكون الأصغر أعلم مثلاً، فالذي يظهر اعتبار السنّ، لأنّ الظّاهر تقديم الحقيقة على المجاز.
وقد برزت القيم الحضارية في رعاية المسنّين في السنّة أيضا في جانب تشريع أحكام العبادات، وذلك في رفع الحرج عن المكلفين والتيسير عليهم، وقد تضافرت الأدلة حول هذا المبدأ ومن مظاهر التيسير ورفع الحرج عن المسنّين: التّخفيف في صلاة الجماعة مراعاة لضعفهم، وعدم تمكنّهم من المكوث طويلا على هيئة واحدة في الصلاة. فالسنّة النبوية شرّعت التخفيف في صلاة الجماعة، وحذرت من التطويل، خشية وقوع الضرر بمن لا يستطيع التطويل بالصلاة ومنها تشريع رخصة الإفطار في رمضان والتيسير ورفع الحرج عنهم في فريضة الحج، في حال عجزهم عن أدائها.
دبي ـ السيد الطنطاوي
