أقر مؤتمر شرم الشيخ أمس وثيقة «العهد الدولي» كخريطة طريق تهدف إلى إحلال الاستقرار السياسي والاقتصادي عن طريق المصالحة الشاملة، كما تعهدت الدول المشاركة في المؤتمر بإسقاط 30 مليار دولار من ديون العراق وسط تأكيد عربي على ضرورة مشاركة فصائل المقاومة المسلحة وعدم تهميش السنة، في وقت تحول المؤتمر إلى ساحة تقارب بين واشنطن وكل من دمشق وطهران، رغم غموض لف لقاء وزيري خارجية أميركا كوندوليزا رايس وإيران منوشهر متقي، في حين لوحظ تقدم ملحوظ في اللقاء الذي جمع رايس بنظيرها السوري وليد المعلم، سبقته إشادة أميركية بجهود سوريا في منع تسلل المسلحين إلى العراق.
وقال الامين العام للامم المتحدة بان كي مون امس ان الدول المشاركة في المؤتمر تعهدت بخفض ديون العراق بقيمة 30 مليار دولار. وصرح كي مون للصحافيين «لقد وصلت الالتزامات المالية المحددة من قبل بعض الدول الى اكثر من 30 مليار دولار».واضاف ان«ذلك يشمل التزامات بخفض الدين من اعضاء نادي باريس من بلغاريا والصين والسعودية واليونان. كما تضم التزامات مالية جديدة من المملكة المتحدة واستراليا واسبانيا والصين والدنمارك وكوريا وغيرها من الدول المشاركة الرئيسية».
وقال ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في العراق أشرف قاضي، إن قرار دعم العراق وإخراجه من الأزمة اعتمد برفع الأيدي من قبل كل المشاركين. وتنص الوثيقة التي أطلقتها بغداد والأمم المتحدة في 28 يوليو 2006 بدعم من البنك الدولي، على تعزيز الأمن والنهوض بالاقتصاد .
وتتضمن «وثيقة العهد الدولي» التي وقعها ممثلون عن الدول ال49 المشاركة في مؤتمر شرم الشيخ التزامات للمجتمع الدولي بدعم العراق ومساعدته اقتصاديا مقابل التزام الحكومة العراقية بعملية مصالحة وطنية شاملة لوقف نزيف الدم فيه.
من جانبه، تعهد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ب«نزع سلاح الميليشيات» مؤكدا أن «الميليشيات وسلطة القانون لا يجتمعان».
وفي المقابل، قال وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط إن «المصالحة الوطنية في العراق نقطة الارتكاز للتعامل مع كل الأوضاع». أما وزير الخارجية السعودي فأكد أن بلاده «تقف على مسافة متساوية من جميع الأطراف العراقية»، ودعا كذلك إلى مصالحة وطنية شاملة. كما أعلن الفيصل تقديم بلاده مليار دولار للمساعدة في إعادة إعمار العراق وكذلك أعلن عن استعداد المملكة لتخفيض ديونها.
من جهته، دعا الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى في كلمة ألقاها نيابة عنه الأمين العام المساعد أحمد بن حلي، إلى إدماج «المعارضة الوطنية المسلحة» في إشارة إلى القوى السنية الرافضة للوجود العسكري الأميركي في العراق في عملية المصالحة الوطنية.
وتحول المؤتمر إلى ساحة لتنفيس الاحتقان السياسي بين الولايات المتحدة الأميركية وكل من سوريا وإيران، حيث تلقت دمشق قبل لقاء وزير خارجيتها وليد المعلم ونظيرته الأميركية كوندوليزا رايس، إشادة نادرة من واشنطن بأنها تحارب تسلل الإرهابيين إلى العراق، في حين تبادلت الوزيرة الأميركية كلمات الترحيب مع وزير خارجية إيران منوشهر متقي على مائدة غداء.
وأعلن وزير الخارجية المصري أحمد أبوالغيط عن أن رايس تبادلت الحديث بشكل مقتضب مع نظيرها الإيراني منوشهر متقي على مائدة الغداء. وقال أبو الغيط «نعم حصل تبادل لبعض الكلمات. فهما شخصان متمدنان»، مضيفا أن وزراء الخارجية فقط شاركوا في مأدبة الغداء. وردا على سؤال لمعرفة ما إذا كانت رايس جالسة إلى جانب متقي قال «كلا لكن الطاولة كانت صغيرة». وقال الناطق باسم الخارجية الأميركية شون ماكورماك «قالا مرحبا. لم يكن الأمر يتعلق بشيء جوهري».
إلا أن دبلوماسيا عراقيا قال لوكالة «يونايتد برس انترناشونال»، إن رايس اجتمعت مع متقي على مائدة الغداء، وإن اللقاء تم برعاية نوري المالكي. وكان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد قال إن الولايات المتحدة يمكنها أن تختار بين صداقة إيران أو مواصلة عدائها. وأضاف في كلمة ألقاها في إقليم كرمان « تآمرت الولايات المتحدة على نظامنا الإسلامي على مدى 28 عاما مضت على الأقل دون أن تجني شيئا».
على أن الاختراق الحقيقي تحقق على الجانب السوري، حيث التقت رايس المعلم. ورافق أبو الغيط، المعلم ورايس إلى قاعة الاجتماع وتركهما بعد وقت قصير. وتعود آخر محادثات سياسية بين مسؤول أميركي رفيع المستوى ومسؤولين سوريين إلى يناير 2005 عندما زار نائب وزيرة الخارجية ريتشارد ارميتاج سوريا.
وقال المعلم إثر اللقاء الذي استمر نصف ساعة تقريبا «ناقشنا الوضع في العراق وضرورة تحقيق الأمن والاستقرار فيه واتفقنا على متابعة المناقشة حول القضايا المتعلقة» بهذا البلد. وأضاف أن اللقاء تناول أيضا «العلاقات الثنائية بين سوريا والولايات المتحدة»، موضحا ردا على سؤال «لم نتطرق إلى لبنان». وأكد على أن اللقاء «كان صريحا وبناء».
من ناحيتها حثت رايس المعلم على اتخاذ اجراء لمنع المقاتلين الاجانب من دخول العراق. وقالت في تصريحات للصحافيين بعد محادثاتها مع المعلم التي استمرت نحو 30 دقيقة انها أبلغت الجانب السوري بأن «الافعال ستتكلم بصوت أعلى من الكلمات». وقالت «هذه فرصة للمساعدة في اعادة الاستقرار الى العراق».
وسبق لقاء المعلم ورايس، لقاء معاون وزير الخارجية السوري أحمد عرنوس مع ديفيد ساترفيلد مساعد وزيرة الخارجية الأميركية في شرم الشيخ، وقال عرنوس في تصريح عبر الهاتف لمراسلة وكالة أنباء الإمارات في دمشق إنه جرى خلال اللقاء، الذي وصفه بأنه كان شفافا، بحث العلاقات الأميركية السورية تمهيدا للقاء المعلم مع رايس.
وقال إن مطلب سوريا الأساسي من الولايات المتحدة بشأن العراق واضح ومعلن، وهو جدولة انسحاب قوات الاحتلال الأميركي وحلفائها من العراق، وتمكين العراقيين من إعادة بناء دولتهم ووطنهم . واجتمع ساترفيلد مع الدكتور فيصل المقداد نائب وزير الخارجية السوري، وتباحثا بشأن تطورات الأوضاع في العراق وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل عام .
ومن المقرر أن تلتقي رايس اليوم الجمعة مع المعلم بالإضافة إلى وزراء خارجية مصر والأردن والإمارات والسعودية، وهم ضمن مجموعة ما يسمى الرباعية العربية للسلام في الشرق الأوسط. وتلقت سوريا إشادة نادرة من الناطق باسم الجيش الأميركي في العراق الميجر جنرال وليام كولدويل، حيث قال في مؤتمر صحافي «كان هناك قدر من التحرك من قبل السوريين... حدث تراجع في تدفق المقاتلين الأجانب الذين يشقون طريقهم للعراق كما لاحظنا هنا في الشهر الماضي».
