أكتب هذه السطور رداً على رأي قرأته في صحيفة «البيان» يوم الجمعة الموافق 20 ـ 4 ـ 2007 للدكتورة آمنة نصير أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، حول خلق حواء من ضلع آدم.

ورأيها وإن كان معها من يشاركها في الرأي أيضاً، إلا أنه أقرب إلى أغلوطة نحن أبناء القرن الخامس عشر الهجري في غنى عنها، والدكتورة آمنة نفسها أكبر منها.

وإنني قبل أن أرد عليها أود أن أذكر القراء بقصة هي أنه: قيل لرجل قد ذهبت عنه لذة المأكل والمشرب والمنكح، أتحب أن تموت؟ قال لا، قيل ولم لا تحب أن تموت، وقد ذهبت عنك جميع ملذاتك؟ قال أريد أن أعيش لأسمع العجائب.

ـ نعم ومن العجائب قول الدكتورة آمنة نصير: إن قصة خلق حواء من ضلع آدم محض خرافة وانها من الإسرائيليات، والصحيح كما تقول الدكتورة ان آدم وحواء خلق كل منهما من نفس مستقلة.

ثم استدلت بقوله تعالى: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء». الآية رقم 1 من سورة النساء.

ـ أقول لا أدري لماذا وقفت أستاذة العقيدة والفلسفة عند هذه الآية، لتفهم منها أن خلق حواء كان مستقلاً عن خلق آدم، مع أن الآية التي استشهدت بها على خلق حواء المستقل، ترد عليها بكل صراحة على أن البشرية خلقوا من آدم المعني بقوله تعالى «من نفس واحدة» وخلق الله حواء من تلك النفس (نفس آدم).

ثم إنها لم تكتف بهذا القدر، بل بالغت في الغرابة فذهبت تشكك الناس في حديث صحيح أيضاً، وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً» رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.

ـ في الحقيقة أن الآية والحديث نصان صريحان على أن المرأة خلقت من ضلع، أي من شيء غير الذي خلق منه آدم ابتداءً، وإنكاره لن يزيد المرأة شيئاً طالماً أنها هي كذلك، كما أن إثباته لا ينتقص من شأن المرأة شيئاً.

ـ واستشهاد الدكتورة آمنة نصير بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: خذوا شطر دينكم من هذه الحميراء، والقصد من الحديث السيدة/ عائشة بنت الصديق، استشهاد في غير مكانه لأكثر من سبب.

ـ السبب الأول ان خلق السيدة: عائشة وهي الصديقة أم المؤمنين، من ضلع أعوج لا يعتبر نقيصة في حقها، وستبقى هي المرجع العلمي للرجال والنساء، لأنها من علماء الصحابة، وهي من أفقه نساء الأمة، يقول عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس.

وقال هشام بن عروة: ما رأيت أحداً أعظم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة، راجع كتاب الإصابة لابن حجر.

والسبب الثاني أن شهادة المرأة في الإسلام نصف شهادة الرجل، ومع ذلك لم يقل أحد بأن ذلك قلل من شأن عائشة رضي الله عنها أو أي امرأة.

والسبب الثالث أن السيدة/ عائشة رضي الله عنها كانت أولى بالاعتراض من آمنة نصير، حيث كان الوحي ينزل وهي في بيت رسول الله.

ـ ثم إن حديث: خذوا شطر دينكم من هذه الحميراء، حديث باطل لأنه إن صح معناه، فإنه لم يصح لفظه، بل هو موضوع ومكذوب على الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول يقول: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» رواه مسلم.

ـ إذن كان من واجبك يا دكتورة آمنة نصير، وأنت أستاذ العقيدة في الأزهر الشريف أن تتثبتي مما تقولين، لأن النساء من ورائك أمانة في عنقك، ولتتذكري ما قال العلماء عن هذا الحديث المكذوب:

ـ يقول الذهبي: كل الحديث إسناد ولا رأيته في شيء من كتب الحديث إلا في النهاية لابن الأثير ولم يذكر من خرجه.

ـ ويقول الشيخ علي القاري: حديث خذوا شطر دينكم من هذه الحميراء لا يعرف له أصل.

ويقول ابن القيم: كل حديث فيه (يا حميراء أو ذكر الحميراء) فهو كذب مختلق.

ـ وبعد ذلك إذا كانت المرأة تتحمل كل هذا التكلف في تحوير الآية، من أجل أن تبعد الأنثى من الاعوجاج، فإنني لا أرى أن تشعر المرأة بالحرج من اعوجاج في أصل خلقتها شاءت أم أبت، فالله الذي خلقها وخلق الرجل أعلم بحالهما، وتعالى الله أن يخلق شيئاً عبثاً.

إن اعوجاج المرأة صفة لاصقة فيها ما دامت الحياة، ولعل ذلك الاعوجاج هو سر أنوثتها، ألا ترى أنها لو استقامت صارت نسخة من الرجل؟

ـ إذن فلتبق عوجاء كما خلقها الله، ليلهث وراءها الرجال، ولتبق عوجاء، لتسبي عقل الرجل وتذهب بلبه، وتستولي على مشاعره.

ولتبق عوجاء لتكون قوتها في ضعفها وليقال وراء كل رجل عظيم امرأة.

ـ في اعتقادي أن الدكتورة آمنة نصير أرادت بقولها هذا لتلفت الأنظار أكثر، وتثبت للناس بشكل أكثر وضوحاً بأن المرأة خلقت عوجاء، وإلا فلا أدل على صحة ما يفهم من الآية والحديث، من أن المرأة مهما تكن قوية، فإنها لا تشعر بوجودها إلا من خلال الرجل، ولا تأنس بالحياة إلا إذا وقف على رأسها رجل يرفرف عليها بشواربه ولحيته.

ـ فالمرأة تبقى شيئاً آخر غير الرجل، حتى لو ادعت بأنها تساوت مع الرجل، وكيف تتساوى وهي تختلف عن الرجل حتى طريقة التعامل معها، فتحب من الرجل أن يقدمها على نفسه عند الدخول وعند الخروج، ويكون هو وراءها لماذا؟ لأنها تشعر بالأمان إذا كان ظهرها محمياً بالرجل.

ـ وتحب أن يحمل عنها الرجل ما تحمله عندما يمشي معها، حتى لو كانت تحمل علبة صغيرة، لماذا؟ لأنها تشعر بالضعف بجانب الرجل، فالرجل هو ذلك الإنسان الذي يوصف بالخشن دائماً، والمرأة حتى لو كانت مسترجلة تحب أن يقال لها الجنس الناعم.

ـ إذن لا ضير أن تبقى الآيات والأحاديث كما هي، ولا حاجة أن نشكك الناس في معلوماتهم التي أتت عليها قرون من الزمن.

ـ ان المطلوب في عالم الإناث والذكران الإبداع، والإبداع أن نستحدث أو نبتكر شيئاً جديداً، لا أن نبتدع في الدين أو ننكر أمراً من أموره التي تعرف بالضرورة أو نشكك الناس في عقيدتهم التي عاشوا عليها، ولاسيما مثل مسألة الخلق، قال الله تعالى: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة» الآية 21 من سورة الروم.

فلتبق زوجتي التي خلقت من ضلعي في الحفظ والصون لأنها جزء مني غير متنافر، وهي في غنى عن هذه التأويلات البعيدة.

ـ والمرأة مهما تتكلف تأويل الآيات والأحاديث، وتدعي المساواة بالرجل في كل شيء، فإنها لن تستطيع أن تغير من طبعها الأنثوي شيئاً، لأنها لو خلقت مثل الرجل لما كانت هناك فائدة من خلق حواء. فالليل يقابله النهار، والنور يقابله الظلام، والأرض تقابلها السماء، وهذا هو السر في أن الله تعالى خلق من كل شيء زوجين اثنين، ولم يقل أحد ان الزوجين في خلق من خلقه تشابها.

ومما يجب أن أوضحه هنا أيضاً أن الله سبحانه وتعالى عندما يقول: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها....»، يريد والله أعلم أن يلفت نظرنا إلى الإعجاز في كونه خلق من نفس واحدة التي هي نفس آدم نفساً أخرى وهي حواء، وإلا ما الغريب عندما يقرر الله بأنه خلق آدم خلقاً مستقلاً وخلق حواء خلقاً مستقلاً آخر؟

وان كان ولابد ان نتكلف في تفسير الآية، فبإمكاننا ان نشترك في الرأي مع جار الله الزمخشري الذي يقول في تفسير الآية: خلقكم من نفس واحدة أي فرعكم من أصل واحد وهو نفس آدم.

ثم يقول: فإن قلت علام عطف قوله «وخلق منها زوجها»؟ قلت فيه وجهان: أحدهما ان يعطف على محذوف، كأنه قيل خلقكم من نفس واحدة أنشأها أو ابتدأها من تراب، وخلق زوجها حواء من ضلع من أضلاعها.

والقول الثاني ان يعطف على خلقكم، والمعنى خلقكم من نفس آدم لأنهم من جملة الجنس المتفرع منه، وخلق منها أمكم حواء وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً.

وهكذا في النهاية لو أجزنا ورود الخلاف حول النفس التي خلقت منها حواء، فإننا نرى أيضاً اتفاق العلماء جميعاً بأن المرأة خلقت من ضلع، وأنها لم تخلق مع الرجل بل بعد الرجل، لأن آدم هو أول مخلوق من البشر، ولم تصبح هي قرينة الرجل إلا بالتبعية، لذلك فإنها تطمئن نفسها عندما تؤمن بقول الله تعالى: «وللرجال عليهن درجة» وما ينبغي ان تأخذها الغيرة.

ويقول الشيخ عبدالحليم محمد أبو شقفة في كتابه تحرير المرأة: وكون خلقها من ضلع لا يعني الالتواء الذي هو المكر والخديعة، بل سرعة الانفعال والعاطفة وفرط الحساسية وتقلب المزاج.

د. عارف الشيخ