الإيمان الذي نعنيه بمعناه الأصلي والحقيقي والذي ينبغي على الإنسان التمسك به فهو (ليس خطا جميلا تزخرف به وجوه المحال، بل هو جذور تتغلغل في القلب، وتمتد فروعها في السلوك، وتبدو ثمرتها في الأخلاق والمعاملات، وهو ما نفقده في بعض مجالات التربية عندنا وفي صميم الحياة العامة. وطقوس العبادات يمكن استصحابها مع أسوأ ما في النفس الإنسانية من أطماع ورذائل، بيد أن هذه الطقوس لا قيمة لها عند الله!!) إن كانت الطقوس فارغة من الإيمان الحقيقي فلا فائدة منها فهي كالقرية الخاوية على عروشها.
أرأيت لو أن شخصا أراد أن يملأ الإناء بالماء وهو مثقوب هل يستطيع ملؤه كاملا ويستفيد منه؟ لأنه كلما صب الماء في هذا الإناء خرج الماء منه هباء منثورا وذلك لعدم وجود صمام يمنع تسرب الماء ونفاذه من الإناء، فكذلك هذه الطقوس والشعائر التعبدية التي يقوم بها بعض الناس إذا كانت فارغة من الإيمان الحقيقي أو بها خلل فلا فائدة من أدائها وبذل الجهد الحثيث من اجلها. فالأمر إذا بحاجة ماسة وملحة إلى أولي الألباب والنهى والبصائر المخلصة، يتداركون بصدق الفهم، ولطف العلاج.
في كل شؤون الحياة المعنوية والحسية؛ فعلينا معشر المؤمنين أن نصلح شأننا قبل أن نطالب غيرنا بتغيير نفسه وفكره، فالإيمان أعظم الفضائل في هذا الوجود، وهو عنصر غال، فما دخل في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه.
بيد أن الإيمان الذي يستحق هذه النعوت له نواح عديدة، فهو صلة بالله تعالى قائمة على الخشوع والإخبات، وهو صلة بالنفس قائمة على التأديب والضبط، وهو صلة بالمجتمع قائمة على العدل والرحمة، وهو صلة بالكون قائمة على السيادة والارتفاق. ذلكم هو الإيمان الجدير بالإعظام وحسن المآب، وهو إيمان غلاب منتصر لا يثبت أي فكر منحرف أمامه في معركة، ولا يقاس به في مفاضلة) فلابد من معرفة حقيقية لهذا الإيمان نأخذه عن طريق الفهم الصحيح لما يوافق النقل والعقل من خلال آيات القرآن الكريم المحكمة لا المتشابهة وأحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم المتواترة لا الأحادية لان عقيدة المسلم لا تنبني على الظن بل تنبني في كل حال من الأحوال على الأدلة القطعية فبها يعصم المرء ذهنه من الزلال ومتاهات الأمور وسائر الأفكار.
(فالعاقل «الواعي» في هذا العصر الذي لم يأخذه الدوار الذي يأخذ البشرية اليوم. حين ينظر إلى هذه البشرية المنكودة يراها تتخبط في تصوراتها، وأنظمتها، وأوضاعها، وتقاليدها، وعاداتها، وحركاتها كلها تخبطا منكراً شنيعا.. يراها تخلع ثيابها وتمزقها كالمهووس! وتتشنج في حركاتها وتتخبط وتتلبط كالممسوس...يراها تغير أزياءها في الفكر والاعتقاد، كما تغير أزياءها في الملابس، وفق أهواء بيوت الأزياء!..يراها تصرخ من الألم، وتجري كالمطارد.
وتضحك كالمجنون، وتعربد كالسكير، وتبحث عن شيء! وتجري وراء أخيلة! وتقذف بأثمن ما تملك، وتحتضن أقذر ما تمسك به يدها من أحجار وأوضار! لعنة! لعنة كالتي تتحدث عنها الأساطير! إنها تقتل «الإنسان» وتحوله إلى آلة..لتضاعف الإنتاج! إنها تقضي على مقومات «الإنسانية» وعلى إحساسه بالجمال والخلق والمعاني السامية لتحقيق الربح لعدد قليل من المرابين وتجار الشهوات، ومنتجي الأفلام السينمائية وبيوت الأزياء.
وتنظر إلى وجوه الناس، ونظراتهم، وحركاتهم، وأزيائهم، وأفكارهم، وآرائهم، ودعواتهم. فيخيل إليك أنهم هاربون! مطاردون، لا يلوون على شيء، هاربون فعلا! هاربون من نفوسهم التي بين جنوبهم! هاربون من نفوسهم الجائعة القلقة الحائرة، التي لا تستقر على شيء «ثابت» ولا تدور على محور ثابت، ولا تتحرك في إطار ثابت.. والنفس البشرية لا تستطيع أن تعيش وحدها شاذة عن نظام الكون كله.
ولا تملك أن تسعد وهي هكذا شاردة تائهة، لا تطمئن إلى دليل يرشدها، ولا تستقر على قرار مربح يسعدها!)(1) فالإيمان الحقيقي بقوته وصلابته وصلاحية تطبيق عمله في كل زمان ومكان هو المصدر والمنبع الوحيد الذي يستطيع أن ينفس عن البشرية جمعاء الكرب والمشكلات لأنه هو الدواء الشافي والمصل الكافي والدرع الواقي لكل ما نعانيه من المآسي ما ظهر منها وما بطن.
إبراهيم الكروان السعدي