تؤكد جميع المؤشرات أن مدارس دبي ستواجه عجزاً في أعداد المعلمين اللازمين لسد شواغرها في العام الدراسي المقبل وهو ما أظهرته الإحصائية التي كشفت عنها مؤخراً منطقة دبي التعليمية بتغيب 248 معلماً وافداً من أصل 370 ترشحوا لإجراء المقابلات بما نسبته 67% وهو العدد الذي سينتقص بطبيعة الحال بعد الإعلان عن أسماء الناجحين، في حين أن غالبية المدارس تعاني عجزاً في معلميها بمختلف التخصصات لم تستطع سده أعداد المقبولين.
وتبدو الصورة أقل وطأة في المناطق التعليمية الأخرى وهو ما أرجعه تربويون إلى المستوى المعيشي المرتفع الذي تعيشه دبي في الفترة الحالية مقارنة ببقية الإمارات في حين أن راتب معلم دبي يساوي راتب من يعمل في أبوظبي على سبيل المثال، وهو ما وضع المعلمين أمام خيارين أما الحصول على فرصة عمل في مدارس أي من هذه الإمارات كأبوظبي على سبيل المثال أو الاستغناء عن هذه المهنة الشاقة والبحث عن وظيفة براتب مادي مجز.
واعتبر تربويون أن المشكلة الأكبر الذي تواجه معلمي دبي هي تدبير سكن يتوافق مع البدل الذي يحصلون عليه والذي لا يتجاوز 2500 درهم شهرياً في حين أن إيجار الاستديو في دبي يصل إلى 5000 درهم، ما يدفع غالبيتهم إلى اللجوء للسكن في عجمان أو أم القيوين على سبيل المثال، ليضعوا أنفسهم يومياً أمام رحلة عذاب يصلون بنهايتها إلى عملهم وقد خارت قواهم وهو ما لا يخول لهم تقديم رسالتهم العلمية على الوجه الأكمل، مطالبين باقتطاع بدل السكن الذي يحصلون عليه من رواتبهم وتدبير سكن لهم أسوة بما يحدث مع زملائهم في أبوظبي أو إنشاء مجمعات سكنية لهم بأسعار مدعمة.
عارف فضل مدير مدرسة محمد نور للتعليم الأساسي في دبي قال إن معلمي دبي يعانون أضعاف ما يعاني منه المعلم في إمارات أخرى جراء الغلاء في إيجارات السكن ما يدفع غالبيتهم إلى السكن في مناطق تبعد عن عملهم بمئات الكيلو مترات وهو ما يتسبب لهم بإرهاق ذهني وعصبي كبير يؤثر على مردودهم على مدار العام الدراسي إضافة إلى أن مستوى المعيشة في دبي بطبيعة الحال مرتفع مقارنة ببقية الإمارات في حين أن رواتب معلمي دبي تكون في نفس مقدار رواتب معلمي أبوظبي أو عجمان أو أم القيوين.
وأوضح أن جميع هذه التداعيات جعلت معلمي دبي يتساءلون لماذا لا يعملون في أبوظبي أو عجمان أوأم القيوين حيث سكنهم وينقذون أنفسهم من هذه الضغوط النفسية الكبيرة التي يعانون منها وهو ما يعتبر سبباً واضحاً في عزوفهم عن الالتحاق بالعمل في الهيئات التدريسية بمدارس دبي، وأضاف أن غالبية مدارس دبي ستواجه عجزاً كبيراً في أعداد المعلمين لديها في العام الدراسي المقبل، لافتاً إلى أن لديه عجزاً في ثلاثة معلمين تقدموا باستقالتهم بالإضافة إلى حاجة المدرسة إلى معلم لمختبر الحاسوب منذ ما يقارب 10 سنوات.
وأشار إلى أن لديه 40 معلماً من أصل 53 يقطنون في العين أو الشارقة أو عجمان أو حتى رأس الخيمة وهو ما يفرض عليهم مجهوداً بدنياً كبيراً على مدار اليوم الدراسي يؤثر في جودة المادة العلمية التي يشرحوها للطلبة، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً من الاقتراحات تمت صياغتها من أجل تعديل أوضاع معلمي دبي على وجه التحديد ومن بينها إنشاء خمس بنايات سكنية وتأجيرها للمعلمين بأسعار مخفضة أو اقتطاع 2000 درهم قيمة بدل السكن من رواتبهم وتوفير سكن لهم أسوة بما مطبق على معلمي أبوظبي.
سير العمل
محمد حسن مدير ثانوية محمد بن راشد قال إن عدم توفير مناخ الاستقرار النفسي للمعلمين في مدارس دبي أدى إلى افتقار العملية التعليمية في هذه المدارس إلى عنصر الجودة على الرغم من الجهود الكبيرة الذي تبذل من القائمين على المدارس لضمان تحقيق سير العمل على أكمل وجه، مشيراً إلى أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نطلب من المعلم أن يبدع وينتج ونحن لم نستطع توفير المناخ الصحي اللازم له لمواصلة عمله بالصورة المطلوبة.
وأضاف أن بدل سكن المعلم في دبي لا يتعدى 24 ألفاً وهو ما لا يخول له حتى الحصول على استديو في الإمارة ما يدفعه للجوء إلى إمارات بعيدة ليعرض نفسه يومياً لإرهاق ذهني وجسدي كبيرين فبعض المعلمين يخرجون من منازلهم الساعة 5 صباحاً كي يصلوا عملهم في بداية الدوام ويكونوا بطبيعة الحال منهكين وفاقدين القدرة على أداء عملهم على الوجه الأكمل، مشيراً إلى أنه لا يستطيع أن يطلب من معلم أن يعمل فوق طاقته وهو يعاني من جميع هذه الظروف الصعبة.
وأوضح أن جميع هذه الظروف المعاكسة من شأنها أن تتسبب في نقص كبير في أعداد المعلمين في مدارس دبي، مشيراً إلى أن لديه نسبة كبيرة من المعلمين عقدوا العزم على ترك هذه المهنة لما يواجهونه من صعوبات، وهو ما يحتم ضرورة إعادة النظر في أوضاع معلمي دبي والسعي إلى وضع حلول لازمة لتوفير سكن ملائم لهم قريب من عملهم.
راتب مجز
وأرجعت مصادر مسؤولة في منطقة دبي التعليمية هذه الغيابات الكبيرة في أعداد المعلمين الوافدين عن المقابلات إلى عدة أسباب في مقدمتها حصول عدد منهم على فرص عمل براتب مجز في مجالات أخرى وشهادة عدم الممانعة الذي فرض على المعلم إحضارها لإجراء المقابلة كانت سبباً أيضاً في تغيب عدد كبير منهم خاصة ممن يعمل منهم في مدارس خاصة التي رفضت إعطاءهم هذه الشهادة بل وهددتهم بالاستغناء عنهم في حال أصروا على إجراء المقابلات.
وأوضحت أنه عقب إعلان النتائج النهائية لمقابلات المعلمين التي سيقل معها عددهم فإنه سيتم الوقوف بصورة أكثر وضوحاً على عدد المعلمين مقارنة بالشواغر الموجودة في مختلف المدارس، وفي حال ورود عجز فإنه سيتم مخاطبة وزارة التربية والتعليم من أجل توفير الكوادر المطلوبة كما حدث خلال العام الماضي.
مواد بلا معلمين
وفقاً لإحصائية منطقة دبي التعليمية فبعض المواد لم يحضر المقابلات بها أي معلم مثل مادة علم النفس وتقنية المعلومات والعلوم العامة فبلغت نسبة المقابلات بها صفر% في حين أن مادة تقنية المعلومات كان مرشحاً لها 9 معلمين أما علم النفس فكان مرشحاً لها 3 معلمين والعلوم العامة مرشح لها معلمان.
دبي ـ أحمد جمال
