كانت الأجواء السياسية والشعبية في لبنان أمس أسيرة صراع بين التهدئة التي نادى بها السياسيون على مختلف طوائفهم والاحتقان الذي تولد عن اغتيال شاب وفتى بعد اختطافهما قبل أيام، وشيع جثماناهما في بيروت أمس وسط دعوات للتهدئة قادها زعيم الحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط الذي قطع الطريق على محاولة نثر بذور الفتنة، فيما كشفت تقارير أمنية عن أن الجريمة تمت لأسباب انتقامية مستبعدة الشق السياسي.
وشيعت بيروت زياد غندور (12 عاماً) وزياد قبلان (25 عاماً) وسط انتشار واسع للجيش اللبناني في كل شوارع بيروت. وتقدم موكب التشييع جنبلاط وعدد من قادة قوى «14 آذار» والمعارضة اللبنانية، في وقت أقفلت الجامعات والمدارس العامة والخاصة أبوابها بقرار وزاري.
وفور شيوع نبأ العثور على الجثتين، توالت الدعوات إلى التهدئة وعدم إدراج الجريمة في اطار سياسي، إذ أجمع المسؤولون السياسيون على أهمية عدم الانجرار وراء الفتن المذهبية.
وجدد جنبلاط دعوته الى الهدوء والوحدة الوطنية ووأد الفتنة خلال التشييع الذي جرى بهدوء. وقال في كلمة أمام النعشين بعد انتهاء الصلاة على الجثمانين: «أؤكد على ما قلته بالأمس: حمايتنا تكون فقط مع الدولة»، داعياً الى ابعاد الجريمة «عن التسييس» والى «عدم الأخذ بالشائعات التي تريد الفتن».
وذكّر بما يجمع اللبنانيين بقوله: «ما يجمعنا أكثر بكثير من الخلاف السياسي... لا فرق بين الضاحية وطريق الجديدة» في اشارة الى معقل حزب الله وإلى المنطقة السنية التي جرى فيها التشييع، في مقابل هتافات تصعيدية تدعو إلى الثأر رددها المشيعون الذين كان معظمهم يلوحون بأعلام الحزب التقدمي الاشتراكي الدرزي وحليفه تيار المستقبل، ومنها: «دماؤكم لن تذهب هباء»، فضلاً عن شعارات ضد حزب الله مثل «لا إله إلا الله ونصرالله عدو الله » في إشارة إلى حسن نصرالله أمين عام حزب الله.
وفي ظل هذا الاحتقان السياسي تواترت معلومات عن حدوث اتصال بين جنبلاط وحسن نصرالله هو الأول بينهما منذ نحو عام، قبل أن تقوم مصادر الحزب بنفي هذه «الشائعات».
لكن المراقبين وجدوا أن الحادث الأليم كان مناسبة لوليد جنبلاط لإزالة الجفاء بينه وبين الحزب طوال عام مضى عبر التصريحات التي مجد فيها المقاومة، وتبنيه نغمة تصالحية.
وقال وزير الاتصالات اللبناني مروان حمادة، وهو حليف مقرب من جنبلاط لوكالة الأنباء الألمانية إن هناك «وعياً بأن من نفذ هذه الجريمة يهدف لإشعال الحرب الأهلية في البلاد التي ستؤدي فقط إلى تدمير لبنان».
وشدد وزير الدفاع الياس المر على ارتباط الجريمة بمقتل عدنان شمص أحد أنصار حركة «أمل» المعارضة في 25 يناير مشدداً على ان الموضوع انتقامي «لا سياسي».
في هذه الأثناء، قال الناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية جان باتيست ماتيي: «ندين بشدة الاغتيال الرهيب»، مشدداً على أنه «ينبغي كشف ملابسات هذا الاغتيال بالكامل وتحديد هوية منفذيه ومحاكمتهم».
ودعا الناطق الفرنسي «جميع اللبنانيين إلى التحلي بالمسؤولية وعدم الاستسلام للثأر لتفادي مآس جديدة»، ملاحظاً ان «كل القوى السياسية اللبنانية سارعت الى التنديد بهذا العمل الذي لا يمكن وصفه». من جهة ثانية، أعلن رئيس الجانب الفرنسي للمساعدات الفرنسية للبنان جان بيار جوييه ان بلاده مستمرة في دعم إلى جانب لبنان على الصعيدين الاقتصادي والنقدي.
وكان جوبيه يتحدث الى الصحافيين اثر مقابلته امس رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، قائلاً إنه «مهما كان اختيار المواطنين الفرنسيين اذا كانت السيدة سيغولين رويال او السيد نيكولاي ساركوزي (لرئاسة الجمهورية) فإن عناصر الدعم الفرنسي ستوضع (للبنان) موضع التنفيذ».
بيروت ـ علي بردى