يغطي تقرير «نظرة على الإعلام العربي» الذي تم إعداده بالتعاون بين نادي دبي للصحافة وشركة «برايس ووتر هاوس كوبرز»، وبدعم من التجمع الإعلامي في «تيكوم» للاستثمارات أهم القضايا التي تؤثر في صناعة الإعلام في المنطقة العربية ويوفر استشرافاً للتوقعات والتوجهات على مستوى القطاع على المستوى العربي ومستوى كل دولة على حدة.

كما يستعرض التقرير حالة القطاع على مستوى المنطقة ويستكشف طبيعة العلاقة القائمة بين القطاع والعاملين فيه، مع التركيز بصفة خاصة على تنمية المؤسسات الإعلامية والإعلاميين.

يقدم التقرير مرجعاً مهماً للمديرين التنفيذيين العاملين في هذا القطاع وفي القطاعات التي تزداد علاقتها وثوقاً مع الإعلام من خلال قوى التقارب والتكامل التقني. كما سيفيد صانعي القرار والسلطات التشريعية والمستثمرين ومزوِّدي التكنولوجيا والأكاديميين العاملين في هذا القطاع أو الذين يرفدونه بخدماتهم.

يستعرض القسم الأول من التقرير الذي يحمل عنوان «التفكير بمنظور عالمي»، الاتجاهات العالمية التي يرجَّح أن تؤثر في قطاع الإعلام العربي، مع التركيز بصفة خاصة على التطوُّرات التي تؤثر في وسائل الإعلام المتخصصة في الأخبار والقضايا المعاصرة. ويُعتبر بعض هذه التطوُّرات ذو طبيعة عامة تؤثر في معظم الصناعات العالمية ولكن معظمها يخصُّ بتأثيره قطاع الإعلام أو نقاط التقاء وتكامل هذا القطاع مع قطاع الاتصالات. كما يلقي هذا القسم الضوء على عوامل الاقتصاد الكلي والعوامل الديمغرافية التي تؤثر في جميع الصناعات والتي تتميز بتأثير قوي بصفة خاصة في صناعة الإعلام.

نمو الإنفاق الإعلاني

تعتبر بيئة الاقتصاد الكلي مهمة بصفة خاصة لصناعة الإعلام، لأن نمو الإنفاق الإعلاني مرتبط بالدورات الاقتصادية، أي أنه ينمو بشكل أكبر حين ينمو إجمالي الناتج المحلي بصورة أسرع، غير أن هذا النمو يجنح إلى تجاوز المعدل الاسمي لنمو إجمالي الناتج المحلي في كل مراحل الدورة الاقتصادية.

ويعود ذلك أساساً إلى حقيقة كون الإعلام يُعتبر من «السلع الكمالية» التي يزداد الطلب عليها بشكل غير متناسب مع ارتفاع معدل نمو إجمالي الناتج المحلي. ويتضح لكل الباحثين أن الإنفاق الإعلامي يُعتبر أمراً شخصياً في نظر المستهلكين، أي أنهم يعتبرونه «أمراً محبباً» ولكنه ليس أحد ضروريات الحياة.

وتستند أهمية العنصر الديمغرافي إلى كون طبيعة إنفاق المستهلكين وأنماط استهلاكهم للمواد الإعلامية، تختلف بصورة كبيرة بين مختلف الفئات العمرية. وهكذا نجد أنه على الصعيد العالمي، تميل الفئات العمرية الأصغر سناً إلى شراء الخدمات الترفيهية والإعلامية الاستهلاكية عبر شبكة «الانترنت» وتخصِّص بصورة عامة نسبة مئوية أكبر من دخلها للترفيه.

من ناحية أخرى، يميل أفراد الفئات العمرية الأكبر سناً إلى تبنِّي معطيات التكنولوجيا المتطوِّرة بشكل أبطأ، ولا يزالون يعتمدون بقوة على الإعلام المقروء والقنوات التلفزيونية الأرضية التقليدية لأغراض متابعة الأخبار والحصول على البرامج الترفيهية.

يحدد التقرير معالم هذا التقارب والتكامل من خلال ظاهرتين وثيقتي الصلة بعضهما بعضا. تتمثل الأولى في تحالف العديد من شبكات البث والاتصالات التي كانت مستقلة بعضها عن بعض في السابق، لتشكِّل شبكات حزمة عريضة متكاملة تستطيع نقل أحجام كبيرة جداً من البيانات الرقمية مثل المواد الإعلامية المرئية، وبتكاليف منخفضة.

وتتمثل الظاهرة الثانية في تطوير تشكيلة واسعة من الأجهزة المرتبطة بشبكات الحزمة العريضة والتي تتراوح بين أجهزة التلفزيون عالية الوضوح وذات الشاشات الكبيرة وبين مراكز الترفيه المنزلية وأجهزة الهاتف المحمول الذكية ذات الشاشات الصغيرة والمفكرات الرقمية الشخصية.

التقارب والتكامل التقني

يعمل التقارب والتكامل التقني على تغيير نماذج الأعمال التقليدية في إعداد المحتوى، الإرسال الإذاعي، الإعلام المطبوع والاتصالات والتي بقيت دون تغيير أساسي لسنوات طويلة. كما يساهم هذا التكامل في تحفيز الابتكار الذي يعزز القيمة وإن كان يؤدي في بعض المجالات إلى تدمير هذه القيمة.

ومن الانعكاسات المهمة للتقارب والتكامل التقني أنه يجعل بإمكان الشركات ذات العلامات التجارية والإمكانيات القوية في أحد القطاعات إدخال علاماتها وإمكانياتها إلى أسواق كانت مستقلة في السابق. ومن الأمثلة المهمة على ذلك بروز مشغلي اتصالات الهواتف المحمولة (بما في ذلك بعض المشغلين في العالم العربي)كمشغلين للبث التلفزيوني باستخدام تقنيات جديدة مثل DVB H والتي تتيح إيصال البث التلفزيوني إلى أجهزة الهواتف المحمولة. ومن الأمثلة الأخرى على هذا التقارب والتكامل الذي من المرجَّح أن يترك تأثيراً قوياً في قطاع الإعلام، ظهور مواد تلفزيونية رقمية عالية الجودة يتم بثها عبر شبكة الانترنت العالمية.

ثورة إعلامية عالمية

شهدت السنوات الثلاث الأخيرة ثورة في صناعة الإعلام العالمية مع انتقال النفوذ بشكل جذري من مالكي وموزعي المحتوى إلى مستخدمي المحتوى المتصلين بشبكات اتصال عريضة النطاق بشبكة الانترنت العالمية. وكان من أبرز العوامل الأساسية التي حفزت هذا الانتقال في النفوذ، تطور الشبكات الاجتماعية مثل «ماي سبيس» التي أمكن معها توزيع المحتوى من مستخدمين متعددين إلى مستخدمين متعددين «many-to-many» والتي تعمل إلى جانب نمط التوزيع التقليدي الأضيق نطاقاً ونمط «التوزيع حسب الطلب» التي جرى تقديمه مؤخراً. وتسمح هذه الشبكات بتوزيع كل من المحتوى المهني (الذي تشكل حماية حقوق الملكية الفكرية مسألة هامة بالنسبة له)، والمحتوى الصادر عن المستخدمين الذي يتم إنتاجه بواسطة تقنية فيديو رقمية رخيصة الثمن.

ويعمل هذا التقارب والتكامل التقني على تحفيز نشاط عمليات التملك والاندماج في قطاع الإعلام على مستوى العالم. ويأخذ هذا النشاط شكل صفقات ضخمة عادة وضخمة جداً في بعض الأحيان، ينفذها عمالقة الإعلام العالميين، كما يتم تنفيذ عدد كبير من الصفقات ذات القيم الصغيرة نسبياً التي تشمل شركات لا تزال في مرحلة التأسيس.

وفي الوقت الذي لا يزال يجري فيه تطوير نماذج عمل للعائدات، بات عدد من الأسواق الإعلامية الصاعدة ذا قيمة كبيرة جداً من حيث حقوق الملكية الفكرية، وهو ما يتضح بشكل جلي من خلال قيام شركة «نيوز كوربوريشن» بتملُّك شركة «مايسبيس»، وقيام شركة «جوجل» بتملُّك شركة «يوتيوب» على سبيل المثال لا الحصر.

تحقيق الربحية

من ناحيته، يحلِّل القسم الثاني الذي جاء تحت عنوان «العمل بمنظور إقليمي»، توجهات أسواق الإعلام الإقليمية والمسؤولة بشكل مباشر عن تحقيق العائدات والربحية في هذا القطاع. وتعكس تلك التوجهات التطوُّرات العالمية وتأثير اقتصادات كل دولة على حدة والعوامل الاجتماعية (مثل محو الأمية) والديمغرافية والسياسات المطبَّقة في القطاع وديناميكيات الأسواق على حد سواء.

ويتوقع تقرير «نظرة على الإعلام العربي» استمرار هيمنة الإعلام المقروء المتمثل في الصحف والكتب وأقراص «سي دي» و«دي في دي» المدمجة وأمثالها على وسائل الإعلام الشبكية الموازية لها في المنطقة، خلال الفترة التي يغطيها البحث. كما يتوقع التقرير استمرار نمو عائدات الإعلام المقروء خلال الفترة ذاتها، ما يوضِّح أن ما حدث في أميركا الشمالية أو أوروبا الغربية من توقف نمو عائدات الإعلام المقروء أو نموّها بشكل طفيف، لا ينطبق بالضرورة على ما يحدث أو سوف يحدث في هذه المنطقة. ويخلص التقرير بالتالي إلى القول بأن الإعلام المقروء يمثل فرصة تجارية جيدة على المدى المنظور لشركات الإعلام الإقليمية وللمستثمرين في هذا القطاع، على الرغم من تفاوت أهميتها على مستوى المنطقة ومستوى الأسواق الوطنية كلّ على حدة.

تراجع العائدات

واعترف بعض مديري التحرير الذين أجريت معهم مقابلات بخصوص هذا التقرير، بتراجع عائدات مطبوعاتهم. ويعود السبب في بعض الحالات إلى التشرذم، حيث يستهدف عدد كبير من المطبوعات عددا ضئيلا نسبياً من القراء. ومن المرجّح نتيجة لذلك، ظهور بعض الفرص التجارية الجيدة من خلال التملُّك والاندماج أكثر مما هو من خلال توسُّع الأسواق.

ويواجه قطاع الإعلام العربي مشكلة مهمة تتمثل في تضخيم أرقام التوزيع، وهو ما يثير قلقاً حقيقياً لدى شركات الإعلان ويهدِّد العائدات الإعلانية للإعلام المقروء. ويتوجب بالتالي على السلطات المنظمة لعمل القطاع واتحاداته المهنية وشركات إحصاء التوزيع، القيام بدورهم في معالجة هذه المشكلة.

وحين يصبح قياس أرقام التوزيع (أو المشاهدة) الخاصة بأجهزة الإعلام التي تعتمد على المضمون موضع تساؤل، فمن الطبيعي أن يهرب الإنفاق الإعلاني من الإعلام المقروء والمرئي عبر التلفزيون إلى وسائل إعلامية أخرى مثل قطاع الإعلانات الطرقية الذي يتكلَّف أقل بكثير، أو قد يتسبَّب في تخفيض المعلنين لإنفاقهم نظراً لتردُّدهم في ضوء عدم وضوح الصورة. وعلى الرغم من أن هذا الوضع يوفر فرصاً تجارية مربحة للإعلانات الطرقية على المدى القصير، فإنه يترك تأثيراً سلبياً على النمو المتوازن للقطاع على المدى الطويل.

هيمنة التلفزيون

من ناحية أخرى، يتوقع التقرير استمرار هيمنة التلفزيون عموماً والقنوات الفضائية بصفة خاصة، باعتباره المصدر المفضَّل للحصول على الأخبار بالنسبة للغالبية الساحقة من العرب. غير أنه في ظل ارتفاع مداخيل وسهولة الحصول على خدمات الانترنت عالية السرعة عبر الحزمة العريضة وانخفاض أسعارها، ومع نمو الجيل الجديد الشاب الذي يتقن التعامل مع الكمبيوتر، فمن المتوقع أن تصبح المواقع الإخبارية الشبكية قناة توزيع مهمة للناشرين ومصدراً مهماً للدخل الإعلاني في الأسواق العربية.

ويرجح التقرير أن يتمثل التأثير المباشر للتقارب والتكامل التقني في المنطقة، في توزيع المواد الإعلامية التي يتم بثها عبر شبكة الانترنت والقنوات التلفزيونية إلى أجهزة الهاتف المحمول. ومما لا شك فيه أن الانتشار الكبير لهذه الأجهزة في جميع أنحاء المنطقة وتغيُّر أنماط حياة ومستويات مداخيل الجيل الشاب من المستهلكين، سوف يؤدي إلى جعل خدمة الانترنت المحمولة خياراً أكثر جاذبية لهذا الجيل من الخدمة المتاحة عبر أجهزة الكمبيوتر الشخصية.

ومن هنا سيتجه عدد متزايد من شركات المواد الإعلامية التقليدية مثل الإعلام المقروء والقنوات التلفزيونية إلى توزيع موادهم عبر «الانترنت» وأجهزة الهاتف المحمولة، ليجدوا أنفسهم إما متنافسين أو متعاونين مع الظاهرة الجديدة والتي لا تزال محدودة حتى الآن للمواد الإعلامية التي ينتجها المستهلكون أنفسهم.

نمو الصحف المجانية

ويتوقع التقرير نمواً قوياً للصحف المجانية التي تنتشر بشكل متزايد في المنطقة يحدوها الأمل في الحصول على دخل إعلاني كبير نتيجة إقبال القراء الشباب المعتادين على الحصول على المعلومات مجاناً من شبكة «الانترنت» والذين لم يعتادوا بعد على شراء الصحف. وركَّز الإصدار الأول من التقرير على التوجهات السائدة في ست دول عربية هي: مصر والكويت ولبنان والمغرب والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تم اختيارها لتعكس التوجهات في سائر أنحاء المنطقة.

ويستخلص التقرير من خلال تحليل تطوّرات كل من الأسواق الستة المذكورة، توقعات لحجم التوزيع وعائدات الإعلانات في كل سوق، يتضمنها القسم الثاني من التقرير الذي يحمل عنوان العمل بمنظور إقليمي. غير أن تفاصيل تلك التوقعات كانت مقيَّدة بتوافر البيانات ويجب بالتالي عدم استخدامها لاتخاذ قرارات استثمارية، على الرغم من أنها توفر مؤشراً قوياً على التوجهات الجديدة في المنطقة وعلى المستقبل المشرق الذي بدأت ملامحه تتبدَّى في هذا القطاع.

ويعكس النمو القوي لتوزيع الصحف طبقاً لتلك التوقعات، البيئة الاقتصادية والديمغرافية المواتية في معظم أنحاء المنطقة. وهكذا فإن التوزيع يتزايد بقوة في الأسواق الإعلامية الأقل نضوجاً في المنطقة ومن المتوقع استمرار هذا النمو القوي خلال الفترة التي استعرضها التقرير.

الأسواق الأقل نضوجاً

ويُعزى هذا النمو في الأسواق الأقل نضوجاً إلى عدد من العوامل الاقتصادية والاجتماعية بما في ذلك، النمو القوي لإجمالي الناتج المحلي وارتفاع مستوى التعليم ومحو الأمية وتحسُّن جودة الصحف. ويُعتبر هذا النمو إيجابياً في أسواق الإعلام الأكثر نضوجاً بصورة عامة، على الرغم من أن ذات العوامل التي تؤثر على الإعلام المقروء في الأسواق المتقدمة الأخرى سوف تبدأ في ترك أثرها في الأسواق الإعلامية العربية.

وتتضمن قصص النجاح المهمة في صناعة الإعلام العربي، تطوُّر القنوات التلفزيونية الفضائية العربية التي تخدم المشاهدين في جميع أنحاء المنطقة. وقد شهد هذا القطاع نمواً جذرياً، حيث يُعتقد أن هناك الآن أكثر من 500 قناة تلفزيونية فضائية عربية، وأن بعض أشهر تلك القنوات باتت أسماء مألوفة لدى الجميع في مختلف أنحاء المنطقة. وقد ارتقت بعض تلك القنوات مثل قناة الجزيرة الفضائية إلى مستوى العلامة التجارية المشهورة عالمياً.

ويخلص القسم الثاني من التقرير إلى القول بأن المستقبل التجاري لقطاع الإعلام العربي يبدو مشرقاً، حيث يتوقع استمرار النمو القوي لقطاع الإعلام المقروء التقليدي على الرغم من أن هذا النمو سوف يتباطأ مع مرور الزمن بشكل مطرد مع نضوج هذا القطاع. كما من المتوقع أن يشهد قطاع الإعلان الطرقي نمواً قوياً ولكن الإعلان عبر شبكة الانترنت سوف يترك تأثيره في أسواق المنطقة في نهاية الأمر.

أرقام التوزيع

وستظل مشكلة المبالغة في أرقام التوزيع وأعداد المشاهدين قائمة، على الرغم من الرغبة المتزايدة من قِبل كبار المديرين التنفيذيين والحكومات والهيئات المهنية لمعالجتها. ومع تزايد تأثير قوى التقارب والتكامل التقني في المنطقة، ستصبح دقة قياس أعداد القراء والمشاهدين قضية حيوية لكي يبرهن القطاع للمعلنين بأنه يوفر لهم قيمة حقيقية.

ويوضح التقرير وجود تناقضات بين الأسواق التي تحكمها شروط ترخيص متشدِّدة والتي تؤدي إلى ضآلة عدد الشركات الإعلامية في بعض الأسواق وإلى وجود تخمة في أعدادها في بعض الأسواق الأخرى. ومن غير المرجح استمرار أي من هذين النموذجين على المدى الطويل، كما أن أياً منهما لا يدعم الاستقرار المالي طويل الأمد لهذا القطاع وقدرته على توليد الفوائض المالية اللازمة للاستثمار.

وستؤدي توجهات قوى التقارب والتكامل التقني إلى جعل تطبيق القيود أكثر صعوبة، في حين ستقود حالة التشرذم وخاصة في مواجهة مشترين إعلاميين أقوياء، إلى تخفيض ربحية هذا القطاع. وسيؤدي ذلك بدوره إلى عمليات اندماج وتملُّك في بعض الأسواق بالتزامن مع نضوج هذا القطاع.

ومن المرجّح أن تؤدي توجهات قوى التقارب والتكامل التقني بالتزامن مع رؤوس الأموال الاستثمارية الكبيرة المتاحة في بعض دول المنطقة، إلى تحفيز عمليات التملُّك والاندماج. وبصورة عامة، فإن غياب قواعد التملُّك التبادلي لأجهزة الإعلام في المنطقة سيؤدي إلى توفير بيئة مواتية لمثل هذه الصفقات في هذا القطاع.

تطوير الكفاءات الإعلامية

ويستعرض القسم الثالث من التقرير والذي جاء تحت عنوان «تطوير المؤسسات.. تطوير الكفاءات الإعلامية»، الحالة الراهنة لقطاع الإعلام من حيث تطوير طاقاته، حيث إن الأبعاد الداخلية والخارجية تؤثر على تطوير تلك الطاقات، ويركِّز هذا القسم على الأبعاد الداخلية لأنها توفر أفضل الفرص لقيام هذا القطاع بمعالجة مشاكله ذاتياً.

وينوه التقرير إلى ضرورة إدارة المؤسسات الإعلامية على أسس تجارية تجعلها مجدية اقتصادياً، ما يفرض تطبيق قواعد أفضل الممارسات الدولية في إطار إقليمي. كما يحتاج القطاع إلى تطوير هياكل حوكمة مناسبة لفصل الملكية عن الإدارة بهدف تحسين كفاءة التشغيل والاتجاه نحو الاستقلالية المالية.

ويشير التقرير إلى أن الهيئات الحكومية في المنطقة العربية تواصل لعب دور كبير في الإشراف على وسائل الإعلام والتحكُّم فيها، إضافة إلى تحديد هامش الحرية الذي تتمتع به في تغطيتها الإخبارية. كما تتحكم الحكومات في العديد من الدول في نشر المعلومات من خلال تملُّك وسائل الإعلام أو دعمها مالياً. ولا يوفر ذلك بالطبع حوافز تجارية تحث المؤسسات الإعلامية على أن تصبح مؤسسات مستقلة وقابلة للحياة تجارياً.

ولا تتحكم الاعتبارات التجارية دائماً في الحواجز المفروضة على دخول أسواق المنطقة، كما هو الحال في مناطق أخرى من العالم، حيث تتحكم فيها بدلاً عن ذلك حواجز قانونية كثيراً ما تحدّ من دخول لاعبين جدد، وذلك من خلال التحكُّم في عملية إصدار التراخيص. ويُعتبر قانون الصحافة والنشر الكويتي الجديد سابقة إقليمية في مجال تحرير أسواق الإعلام.

وأدت التطوُّرات التقنية التي حسَّنت من الكفاءة التشغيلية إلى تغيير قطاع الإعلام على مستوى العالم، ومن الضروري بالتالي أن يتبنى قطاع الإعلام في المنطقة هذه التغييرات بقوة. كما أن الافتقار الراهن إلى أبحاث وقياسات موثوقة لأحجام التوزيع وأعداد المشاهدين، يُعتبر عاملاً سلبياً يقلِّص العائدات الإعلانية عبر العالم العربي.

وفي الوقت الذي يرى فيه جميع الفرقاء في قطاع الإعلام أن تنمية الكفاءات قضية لا تقل أهمية عن سائر القضايا التي تواجهه، لا تعكس مستويات الاستثمار في هذا المجال هذه القناعات على الدوام. وهكذا فإن الأكاديميين العاملين في قطاع الإعلام يشعرون بالإحباط بسبب الافتقار إلى تنسيق البرامج التدريبية على مستوى القطاع لتوفير المواهب والمهارات المطلوبة.

وعلى صعيد الطلب، تزعم المؤسسات الإعلامية أن الخريجين من المؤسسات الأكاديمية غير مؤهلين للعمل مباشرة بعد تخرجهم. إضافة إلى ذلك، لا تتوافر عملية تدريب مستمر تُذكر للإعلاميين خلال حياتهم المهنية. ولذلك نجد أن الطلبة والعاملين والأكاديميين والمؤسسات الإعلامية، يجمعون على المطالبة بتطوير التدريب في مختلف مراحل الحياة المهنية.

ونحن ننصح بتطوير بناء شبكات التدريب وجسور التعاون والاتصالات بين صانعي القرارات الحكوميين والسلطات الناظمة لعمل قطاع الإعلام والمؤسسات الأكاديمية والاتحادات المهنية الصحافية والإعلامية والمؤسسات الإعلامية وباعة التقنيات والخدمات.

مدينة دبي للإعلام

تستطيع التجمعات الإعلامية أمثال مدينة دبي للإعلام، وهي المنطقة الحرة الإعلامية لدولة الإمارات العربية المتحدة والتي استقطبت العديد من كبرى شركات الإعلام العالمية والتي تواصل النمو بسرعة ملحوظة، القيام بذلك. إذ توفر المدينة بيئة اقتصادية وتشريعية جذابة نجحت في دعم تطوير تجمع من الشركات في مختلف وسائل الإعلام وتغطي كامل سلسلة القيمة الإعلامية.

ويُعزى سبب نجاح المدينة جزئياً إلى إعفاء جميع المؤسسات العاملة تحت مظلتها من القوانين الوطنية للصحافة والبث إضافة إلى استفادتها من العديد من المزايا الأخرى الخاصة بالمناطق الحرة، مثل الإعفاء الكامل من شروط الملكية المحلية للمنشآت.

اضاءة

أبرز استنتاجات القسم الثالث من تقرير «نظرة على الإعلام العربي»، أن المنطقة العربية تستطيع استيعاب المزيد من التجمعات الإعلامية وأن قيام شبكة متكاملة من المناطق المتخصصة في مختلف مجالات قطاع الإعلام، سوف يشكِّل تطوُّراً إيجابياً.

ومع صدور الإصدار الأول من تقرير «نظرة على الإعلام العربي»، سيسعى معدو التقرير ليغطي تقرير العام المقبل عدداً أكبر من الدول وأن يوفر المزيد من البحوث الكمية ويستعرض قنوات إعلامية جديدة ويوسِّع تغطيته لقطاع التلفزيون ويحدِّث معلوماته حول التقارب والتكامل التقني بين المؤسسات الإعلامية في المنطقة، وأن يسبر أغوار عمليات تدقيق حجم التوزيع والمشاهدة ويستعرض آراء المزيد من كبار اللاعبين في هذا القطاع.